يقدّم مصرف لبنان هندساته المالية وعمليّاته الجارية مع المصارف التجارية على أنها الردّ المناسب والضروري على الضغوط التي تتعرّض لها الليرة. فهل هي كذلك حقّاً؟ بعض هذه العمليات قد يكون مبرّراً، لأي سبب كان، ولكن بعضها الآخر ليس كذلك إطلاقاً، وفق ما تكشفه معلومات موثّقة. في ما يأتي مثال أو نموذج عن عمليّات تجري بين البنك المركزي و«سيدروس إنفست بنك»، تنطوي على «شبهات» كثيرة، وأسفرت حتى الآن عن أرباح مجانية فورية ومن دون أي مقابل، على حساب المال العام، بقيمة تجاوزت 57 مليار ليرة، أو ما يعادل 38 مليون دولار عدّاً ونقداً.

في سياق متابعة الهندسات المالية التي يجريها البنك المركزي مع المصارف التجارية، تمكّنت «الأخبار» من رصد وتوثيق 6 عمليّات مثيرة في مواقيتها وطبيعتها وطريقة إتمامها، تخصّ «سيدروس إنفست بنك»، بدأت في آذار/ مارس من العام الماضي، في ذروة الحملة لتجديد ولاية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، واستمرّت حتى كانون الثاني/ يناير من هذه العام، في ذروة الأزمة التي أعقبت احتجاز رئيس الحكومة سعد الحريري في السعودية وهروب نحو 2.7 مليار دولار من الودائع إلى خارج لبنان!
لهذه العمليات قصّة لا بدّ من سردها. يعرّف «سيدروس إنفست بنك» عن نفسه على موقعه على الإنترنت بأنه «تأسّس في بيروت عام 2011 من قبل اثنين من المصرفيين، هما فادي العسلي ورائد خوري، اللذان قرّرا العودة للعمل في لبنان، وإنشاء مؤسّسة مالية متخصّصة بإدارة الثروات العائلية والشخصية».


ما يجب معرفته بدايةً، أن خوري عُيِّن وزيراً للاقتصاد والتجارة من حصّة التيّار الوطني الحرّ في الحكومة الأولى بعد انتخاب رئيس الجمهورية ميشال عون. وفي كانون الأوّل/ ديسمبر من عام 2016، أعلن «سيدروس إنفست بنك» انتخاب العسلي محل خوري في رئاسة مجلس الإدارة، وسرعان عُيِّن العسلي أيضاً بصفة مستشار لرئيس الجمهورية للشؤون العربية.
لا يقتصر الأمر على خوري والعسلي، فابنة رئيس الجمهورية ومستشارته ميراي عون، كانت تشغل منصباً إدارياً في البنك، وهي أدّت دوراً رئيساً في صعودهما الأخير. ووفق السجل التجاري، تضمّ قائمة المساهمين النائب السابق عن تيّار المستقبل غازي يوسف، وهو عضو في مجلس الإدارة أيضاً. وفي عام 2015، استحوذ «سيدروس إنفست بنك» على «ستاندرد تشارترد بنك» في لبنان، وأنشأ بنكاً جديداً هو «سيدروس بنك»، وضمّ إلى قاعدة مساهميه نقولا الشمّاس، رئيس جمعيّة تجّار بيروت الذي خاض الانتخابات الأخيرة على لائحة التيّار الوطني الحرّ في الأشرفية، بعدما كان يسعى للانضمام إلى لائحة تيّار المستقبل، في ظلّ القانون الانتخابي السابق. وعيّن «سيدروس بنك» محامياً له هو شفيق أبي اللمع، الصهر السابق لحاكم مصرف لبنان ووسيطه في الكثير من العمليّات.
في بداية عام 2017، انطلقت حملة واسعة للضغط من أجل التجديد لرياض سلامة لولاية خامسة مُتتالية (عُيِّن للمرّة الأولى في عام 1993)، وذلك قبل أشهر عدّة من نهاية ولايته الرابعة. وجاءت هذه الحملة بعد ترويج معلومات عن نيّة رئيس الجمهورية طرح بديل لسلامة. وفي ذروة المساومات لفرض التجديد، تقدّم «سيدروس إنفست بنك» بتاريخ 13 شباط/ فبراير 2017 بكتاب خطّي من سلامة يطلب منه تخصيصه بـ«هندسة مالية مناسبة» ليتمكّن من دعم «سيدروس بنك»، وتغطية خسائره المُتراكمة المُسجلة في حساباته لعام 2015 والبالغة 14.8 مليون دولار، والمتوقّع أن تبلغ 71.3 مليون دولار في عام 2019، في ضوء استراتيجيته التوسّعية الرامية إلى زيادة ودائعه بقيمة 1.2 مليار دولار في 3 سنوات. ونتيجة الضجّة التي أثارها هذا الطلب، أحال سلامة الكتاب على مديرية الشؤون القانونية في مصرف لبنان، التي ردّت في 3 آذار/ مارس 2017، معتبرة أن «الطلب غير قانوني»، إذ «إن المهمات المنوطة بمصرف لبنان، بموجب القوانين النافذة، هي تأمين السيولة للمصارف، عند الحاجة، وفقاً لشروط خاصّة (ضمانات...)، وليس تعدّي ذلك إلى تعزيز الأموال الخاصّة للمصارف وتأمين ملاءة هذه الأخيرة».
ظن المتابعون أن الأمر انتهى عند هذا الحدّ، وأن سلامة أوجد مخرجه باللجوء إلى طلب الرأي القانوني كي يبرّر رفضه الاستجابة لطلب «سيدروس إنفست بنك»، ولكن المعلومات الموثّقة تكشف أن حاكم مصرف لبنان لم يلتزم هذا الرأي، وبدأ اعتباراً من 23 آذار/ مارس بإجراء عمليّات سرّية مع البنك، وُثِّقَت 6 منها، آخرها في كانون الثاني/ يناير الماضي، وأدّت حتى الآن إلى منحه أرباحاً مجّانية فوريّة من المال العامّ، دون أي مقابل، تجاوزت قيمتها المرصودة 57 مليار ليرة (38 مليون دولار).
جرت العمليات الأولى والثانية والثالثة في آذار/ مارس وأيار/ مايو من عام 2017، أي قبل أيام من التجديد لسلامة في جلسة مجلس الوزراء المنعقدة في 24 أيار/ مايو. وجرت العمليّتان الرابعة والخامسة بعد التجديد مباشرة في حزيران/ يونيو وتموز/ يوليو من العام نفسه، فيما جرت العملية الأخيرة في الشهر الأول من هذا العام.
جميع هذه العمليات جرت وفق الطريقة الآتية: قام البنك المركزي في كلّ عملية ببيع «سيدروس إنفست بنك» سندات خزينة (بلغ مجموعها التراكمي نحو 109.8 مليار ليرة)، وفي اللحظة نفسها (بالمعنى الحرفي، أي في الساعة نفسها) أعاد البنك المركزي شراء هذه السندات بسعر يوازي 152% من سعر البيع (بلغ مجموعها التراكمي نحو 166.9 مليار ليرة)، وبالتالي حقّق البنك ربحاً من لا شيء، مثل السحر تماماً!
يبقى تفصيل مهمّ كي تكتمل القصّة، فقد حقّق البنك أرباحاً في عام 2017 من هذه العمليّات بقيمة تتجاوز 42 مليار ليرة، ووزّع أنصبة أرباح عن نتائج العام نفسه بقيمة 32 مليار ليرة! أي إن ما كسبه من «الهندسة المالية المناسبة» ذهب إلى جيوب المساهمين وليس لتغطية خسائر وتنفيذ استراتيجية التوسّع كما زعم البنك في طلبه الأصلي. الأمر كان أفدح من ذلك وأكثر وقاحة. وهذا ليس سوى مثال أو نموذج عمّا يجري من دون أي مساءلة أو حساب.