السفيرة الأميركيّة لحاليّة في لبنان مورا كونيلّي صنعت «مجدها الدبلوماسي» في وظيفتها قائمة بأعمال سفارة بلادها في سوريا. هنا تختصر كونيلّي الأوضاع السورية الساخنة على جبهة وضع سوريا وتحالفاتها مع إيران وحزب الله و«حماس»

مثّلت زيارة المبعوث الرئاسي الأميركي إلى الشرق الأوسط، جورج ميتشل، لدمشق في منتصف عام 2009، المحطة الأبرز في ما بدا أنه «شهر عسل» بين الولايات المتحدة وسوريا، علماً بأن هذه الزيارة حصلت بعد 3 أشهر فقط من قرار إدارة باراك أوباما إعادة تطبيع العلاقات مع نظام بشار الأسد.

ونظراً إلى أهمية الزيارة، زودت القائمة بأعمال السفارة الأميركية في دمشق، مورا كونيلّي (السفيرة الأميركية الحالية لدى لبنان)، إدارتها في واشنطن بتقرير شامل وموسَّع عن الوضع العام في سوريا، من جميع النواحي، وخصوصاً على صعيد تحالفات دمشق مع طهران وأنقرة وحزب الله وحركة «حماس»، وجدوى العقوبات الاقتصادية الأميركية التي لا تزال مفروضة على دمشق منذ عام 1979، بالإضافة إلى القيمة الاستراتيجية التي تجسّدها عاصمة الأمويين بالنسبة إلى واشنطن، فضلاً عن تقدير للموقف حيال مصير الجولان المحتل ونظرة سوريا إلى السلام مع إسرائيل، وكل ذلك بقلم كونيلّي.
والبرقية التي أُرسلت إلى واشنطن بتاريخ 4 حزيران 2009، تحمل الرقم 09DAMASCUS390، ومصنّفة بأنها «سرية» بالطبع. وفيها، تحذر كونيلّي إدارتها من أنّ «الأجزة الأمنية السورية التي لها الفضل في المحافظة على نظام بشار الأسد ومنصبه، قد تشعر بالتهديد الملموس إزاء استمرار حالة اللاحرب» مع إسرائيل، تماماً مثلما أنّ هناك «شكّاً مزمناً» في سوريا من احتمال عودة الجولان يوماً ما إلى السيادة السورية. وفي السياق، تبدو كونيلّي متشائمة؛ لأنّ إيران «لعبت جيداً على رصيد الأسد» الزعيم العربي الوحيد الذي لم يرضخ لإسرائيل ويدعم المقاومة ضدها، «لذلك ربما كان قد فات الأوان لإحداث الشرخ في العلاقة الدفاعية التي تجمع بين سوريا وإيران ـــــ حزب الله». حتى إنّ خلاصات كونيلّي تصل بها إلى إبلاغ ميتشل بأنّ «من غير المرجَّح أن تكون سوريا قادرة على طرد قيادات حركة حماس، تحديداً، بما أنّها تتمتع بعلاقة حارة مع حلفاء مركزيين لسوريا، أي مع إيران وتركيا وقطر». وعن هذا الموضوع، تنقل كونيلّي نفسها أجواء اجتماع سابق جمع بين الرئيس بشار الأسد ووفد أميركي ترأسّه السيناتور بِن كاردن في دمشق [09DAMASCUS252]. وفي اللقاء، يدافع الأسد عن استقلالية القرار السوري، راوياً لضيوفه كيف أنّ الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد اتصل به عشية قمة أنابوليس لكي يناشده عدم مشاركة سوريا في اللقاء. وعلى حد ما تنقله كونيلّي عن الأسد، فإنه أجاب نجاد بأن سوريا ستشارك في أنابوليس رغم علمها المسبق بأنه سيكون لأخذ الصورة التذكارية فحسب، «لكنني سأرسل مندوباً في كل الأحوال»، ليخلص الأسد إلى أن «سوريا تفعل ما نراه مناسباً لمصالحنا فقط، ولا نتبع لإيران».
وعن أهمية سوريا بالنسبة إلى الولايات المتحدة، تلفت كونيلّي في برقيتها إلى أنّ لواشنطن مصالح قليلة مع سوريا من ناحية العلاقات الثنائية، معترفةً في المقابل، بأنّ «مركزية موقع سوريا تجاه المسائل الإقليمية (العراق ولبنان والسلام في الشرق الأوسط) هي ما يفرض علينا التعامل بنحو بنّاء مع النظام السوري». وبالنسبة إلى الموقف السوري من السلام العربي ـــــ الإسرائيلي، توضح الدبلوماسية الأميركية أنّ «الأسد مهتم بالزيارة (ميتشل) على اعتبار أنها ستكون اعترافاً أميركياً بأهمية الدور السوري إقليمياً، وبمثابة إقرار بشرعية نظامه». أما عن تحالفات النظام السوري، فترى كونيلّي أن علاقة دمشق مع حزب الله «ارتقت من علاقة رب عمل مع زبون، إلى علاقة متساوين تقريباً». وتضيف أن «دخول إيران في تحالفهما الأمني يزيد القيود المفروضة على الأسد من ناحية المرونة في تعاطيه مع حزب الله». وعلى حد تعبير كونيلّي، يكرر المسؤولون السوريون أن «سوريا ليست في جيب أحد، حتى إيران»، مشيرين إلى أن دمشق «تعزز علاقاتها مع تركيا بهدف موازنة العلاقة مع إيران»، لتخلص كونيلّي إلى أن جميع هذه الظروف تجعل من سوريا عاجزة عن إخراج نفسها بسهولة من هذه العلاقة الدفاعية التي تربطها بحزب الله وإيران. خلاصة تُطبَّق حتى على علاقة سوريا بـ«حماس»؛ إذ إنّ الحركة الإسلامية «نجت من أي انتقاد جدي من الحكومة السورية على خلفية إدائها الضعيف في حرب غزة. ورغم الشائعات التي تتحدث عن أن رئيس المكتب السياسي لحركة حماس هو مصدر إزعاج للأسد، فإنّه لم تُسجَّل جهود حقيقية لقطع أجنحة مشعل (في سوريا)». أكثر من ذلك، تجزم كونيلي «بأن الحكومة السورية مستعدّة حالياً (في 2009) للتصالح مع جماعة الإخوان المسلمين السوريين، في خطوة تستجيب إلى حد بعيد لتوصية تركية».
أما في ما يتعلق بالعقوبات الاقتصادية الأميركية على سوريا، فتطمئن كونيلّي إلى أن هذه الإجراءات أضرّت جدياً بسوريا منذ البدء بتطبيقها، رغم أنها لم تطاول مستوى معيشة المواطنين السوريين. وتشير إلى أن الأسد بات يائساً من إمكان تعزيز الاستثمارات الخارجية بسبب العقوبات الأميركية. إضافة إلى ذلك، إنّ قطاع المصارف الخاصة في سوريا ـــــ الذي يكبر في ناحيتي الحجم والأهمية ـــــ قد تضرر بعدما باتت المصارف الأجنبية ترفض التعاون مع المصارف السورية خوفاً من مخالفة القوانين الأميركية. وأكثر القطاعات تضرراً هو الملاحة الجوية السورية، بما أن عدد الطائرات التي تملكها شركة الطيران السورية تقلص من 16 إلى أربعة فقط، بسبب عجز الشركة عن استيراد قطع الغيار اللازمة لها. عقوبات أدّت أيضاً إلى تضرر الأسطول الجوي المخصص للشخصيات الهامة جداً (vip)، وعرقلت مشاريع قريب الأسد (صاحب الامتياز الكبير، رامي مخلوف) في تأسيس شركة طيران خاصة. وفي إطار محاججتها بأن العقوبات سمّمت العلاقات الأميركية ـــــ السورية، تلفت كونيلّي انتباه ميتشل والإدارة عموماً إلى أن الإصلاحيين ورجال الأعمال السوريين يعتقدون أن العقوبات أخّرت سياسات الحكومة السورية في تحرير الاقتصاد ولبرلة السياسات السورية، «في مقابل تعزيز قوة المتشددين في النظام ممن يستفيدون من العقوبات الأميركية ذريعةً لرفض التزام سوريا سياسياً مع الولايات المتحدة».