منذ عام 2006، تعاملت قوى 14 آذار مع المؤسسة اللبنانية للإرسال (LBC)، بما هي «سلاح» ينبغي إبقاؤه بين أيديها. أكثر هؤلاء حماسة، بحسب ما يظهر في البرقيات الصادرة عن السفارة الأميركية في بيروت، هو رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع، والسفير الأميركي جيفري فيلتمان. المعركة التي يخوضها جعجع لإعادة بسط سيطرته على الـ LBC، بدأت ملامحها تظهر في البرقيات منذ شهر أيار 2006.


في لقاء مع فيلتمان (06BEIRUT1521، 16 أيار 2006)، لم تكن معنويات جعجع مرتفعة. كان مستاءً جداً من حليفه سعد الحريري. صارح فيلتمان بملاحظاته على أداء الحريري وفريقه، سواء في العلاقات السياسية، أو في الإدارة العامة. وقبل نهاية اللقاء، أثار السفير قضية الـ LBC، تحت عنوان أنها «أداة جعجع». شرح قائد القوات وجهة نظره المعهودة، قائلاً إن المؤسسة وُضِعت في عهدة بيار الضاهر قبل دخوله السجن. «وعلى مدى السنوات، كان الضاهر حراً في العمل وفقاً لما يرغب به في بناء المؤسسة وإدارة فلسفتها التحريرية. ونتيجة لعمل الضاهر، كانت الـ LBC مؤسسة قوية وذات قيمة، وحصلت على احترام بوصفها مصدراً للأخبار». يضيف فيلتمان: «عندما خرج جعجع إلى الحرية، سعى إلى أداء دور أوسع في السياسة التحريرية لـ LBC، وجعلها أداة لحزبه. على سبيل المثال، أشار جعجع إلى المقابلة الأخيرة التي أجريت مع سليمان فرنجية. أضاف: ربما ما كنت لأمنحه كل هذا الوقت. القليل منه». وقال جعجع إن «الضاهر صديق جيّد وشخصية سياسية، لكن لديه مشكلة في التأقلم مع أن يكون لديه رئيس في الـ LBC. ابتسمت ستريدا جعجع وقالت: سيعتاد ذلك».
في العام التالي (07 BEIRUT859، 14 حزيران 2007) احتدم الصراع على المؤسسة. صارت الشغل الشاغل لجعجع. عقد أكثر من لقاء مع فيلتمان وغيره من الدبلوماسيين الأميركيين، محذراً من انتقال السلطة في الـ LBC إلى «أيدٍ معادية». زعم جعجع، بحسب البرقية الأميركية، أن الضاهر يوشك على عقد صفقة مع الأمير الوليد بن طلال، يرفع بموجبها الأخير حصته في ملكية القناة الفضائية من 49 إلى 85 في المئة. وبحسب جعجع، فإن الأسهم التي سيشتريها الوليد عائدة للضاهر، وبالتالي، فإن «أحقية ملكيتها تعود إلى القوات اللبنانية». أكد جعجع أنّ ما يهمّ القوات اللبنانية أكثر من الجانب المالي هو التأثير السياسي على المحطة. «وبسيطرة الوليد على القناة الفضائية، سيتحكم تالياً بالمحطة الأرضية التي تعتمد في تمويلها على أرباح القناة الفضائية. وبما أن الوليد متعاطف مع قوى 8 آذار المؤيدة لسوريا، ويأمل الحلول مكان سعد الحريري في موقع الزعامة السنية في لبنان، يرى جعجع أن من المرعب الخسارة المحتملة للمحطة التلفزيونية المستقلة المقربة بنحو غير حاد من قوى 14 آذار»، يقول فيلتمان مضيفاً: «قال جعجع إنه ينوي اللجوء إلى القضاء من أجل استرجاع ملكية المؤسسة». لكن، نظراً إلى بطء الإجراءات القضائية، عبّر جعجع عن أمله أمام فيلتمان أن تتدخل الولايات المتحدة لدى السعوديين من أجل تثبيط عزيمة الأمير الوليد بشأن الصفقة.
فيلتمان، المهتمّ بملكية المؤسسة الإعلامية بقدر قائد القوات إن لم يكن أكثر، يتولّى تزيين رأي جعجع لإدارته. ففي ختام البرقية، كتب السفير الأميركي تعليقاً أكد فيه أن الـ LBCI تحظى «بنسبة 70% من المشاهدين اللبنانيين، وبالتالي ستكون أداة قوية لتقديم أجندة سياسية. إن بيار الضاهر، الذي أثبت بلا شك، أنه زعيم إعلامي خلّاق وموهوب، أدار الدفّة بعناية، حيث ساوى فريق العمل الموالي تقليدياً للقوات اللبنانية ببعض المناصرين العونيين الأشداء (بمن فيهم مدير الأخبار جورج غانم) وسمح ببث برامج مناهضة لـ 14 آذار (كالبرنامج الكوميدي المشهور الساخر من حركة 14 آذار). عموماً، رغم أنها تظهر، بلا ريب، نكهة سياسية مسيحية، كانت المؤسسة اللبنانية للإرسال منحازة قليلاً الى 14 آذار، إلا أنها تتمتع بالصدقية والاستقلالية أكثر بكثير من المحطات التلفزيونية اللبنانية الأخرى المقربة من شخصيات أو تنظيمات سياسية. غالباً ما اختارت LBCI، ببثها الأرضي الحالي، أن تدعم حركة 14 آذار بدل أن تضعفها».
إننا نرى أن هواجس جعجع منطقية، أي أن امتلاك الأمير وليد للحصة الأكبر من أسهم المحطة الفضائية سيغير توجه البث الأرضي والمحلي للمحطة. سعى الأمير الوليد إلى منصب رئيس الحكومة ربيع عام 2005 ـــــ بعد سقوط حكومة عمر كرامي، وقبل انسحاب الجيش السوري من لبنان. وعيّن نجيب ميقاتي لتأليف الحكومة حينها بسبب النفور الشعبي من الأمير الوليد جرّاء تقرّبه من شخصيات موالية لسوريا اشتُبه في تورطها بعملية اغتيال رفيق الحريري.
عندما كان الأمير في الآونة الأخيرة في لبنان، جراء وفاة خالته عليا الصلح (مثل والدته، هي إحدى الشقيقات الأسطوريات من آل الصلح، بنات أول رئيس حكومة لبناني، رياض الصلح)، أمضى وقته مع سياسيي 8 آذار المتشددين في ولائهم لسوريا، أمثال طلال أرسلان وعمر كرامي. ولعدم معرفتنا بالأمير وليد، لا نعلم ما إذا كان موالياً لسوريا بحق، كما يشاع عنه. إلا أنه يمكننا أن نقول بكل ثقة، إن دم الصلح يجري في عروقه، وهو معارض للحريري: لا يزال آل الصلح يرفضون فكرة أن شخصاً حديث النعمة كرفيق الحريري يتزعم الأرستقراطية السنية اللبنانية. وهو ما يجعل الأمير الوليد معادياً لـ 14 آذار، ويثير القلق بشأن إمكان تملّكه أسهماً في LBCI. لكن، بصراحة، لا نعلم ما الإجراءات التي قد تتّخذها الولايات المتحدة لمنع ما قد يسمّيه الأمير بلا شك «صفقة تجارية بحتة».
أهمّية الـ LBC بالنسبة إلى قوى 14 آذار تبرز أكثر فأكثر كلما اقتربت الانتخابات النيابية عام 2009. وضعت في مصاف القوى التي تحدّد نتيجة الانتخابات. ومجدداً، استُعين بالسفارة الأميركية. ففي تشرين الثاني 2008 (08BEIRUT1582)، التقى النائب بطرس حرب السفيرة الأميركية في بيروت، ميشيل سيسون، فطلب «المساعدة الأميركية لإقناع ثلاثة أطراف بدعم الأهداف الديموقراطية لقوى 14 آذار». وهذه الأطراف هي: النائب ميشال المر والمؤسسة اللبنانية للإرسال وحزب الطاشناق. وبحسب حرب، فإن المسيحيين لا يشاهدون تلفزيون «المستقبل». وبرأيه، فإن محاولة سمير جعجع وقوى 14 آذار استعادة ملكية المؤسسة هي «غلطة كبيرة». فالتعاون مع المؤسسة اللبنانية للإرسال أفضل من محاولة فتح قناة جديدة. الرأي ذاته يتبنّاه النائبان وليد جنبلاط ومروان حمادة وعدد آخر من قادة قوى الرابع عشر من آذار.
بقيت المؤسسة محور متابعة حثيثة من السفارة الأميركية في بيروت. لكن التغيير الذي شهدته السفارة بعد رحيل جيفري فيلتمان عن بيروت، انعكس في لغة البرقيات الدبلوماسية. فبعد عملية التخريب التي شهدها أحد استوديوهات الـ LBC يوم 31 كانون الثاني 2009، أرسلت السفيرة الأميركية ميشيل سيسون برقية إلى إدارتها، أوردت فيها تفاصيل ما جرى في المؤسسة اللبنانية، والمواقف الصادرة بعد الحادث. كذلك عرّجت سيسون على الملف القضائي العالق بين القوات اللبنانية وإدارة الـ LBC، قبل أن تتحدث عن استقالة الزميلة مي شدياق. وفي تعليقها على البرقية التي تحمل الرقم 09BEIRUT190 (18 شباط 2009) قالت سيسون «منذ أن سجن جعجع عام 1994، عمل الضاهر جاهداً لاعتماد سياسة اعتدال للحفاظ على المؤسسة التي كانت تعدّ مؤسسة تابعة للقوات اللبنانية». تضيف سيسون: «جهود الضاهر قادت المؤسسة إلى نجاح هائل، جاعلة منها منبراً لسياسيين من كل ألوان الطيف السياسي اللبناني».




الهرّ الفارسيّ لستريدا وسمير


تعتمد وزارة الخارجية الأميركية سياسة تقضي بنقل السفراء من أماكن عملهم، مرة كل أربع سنوات حدّاً أقصى، لكي لا يتحوّلوا إلى «محلّيين»، فبقاؤهم في مراكزهم لسنوات طويلة يعني حكماً أنهم سينسجون شبكة علاقات (وربّما مصالح)، يتخطّون فيها أحياناً السياسات العليا لبلادهم. ربّما كان على الإدارة الأميركية أن تقصّر مدّة بقاء السفير الأسبق، جيفري فيلتمان، في لبنان. فالرجل بات شريكاً في السياسة اللبنانية، إلى حدّ يصعب فيه الفصل بين آرائه الشخصية وآرائه السياسية. وممّا يميّز البرقيّات التي يبعث بها إلى إدارته عن برقيات زملائه، هو الأسلوب الذي يعتمده في وصف السياسيين الذين يلتقي بهم. على سبيل المثال، كتب فيلتمان في البرقية التي تحمل الرقم 06BEIRUT1521، (16 أيار 2006) تعليقاً يصف فيه النائبة ستريدا جعجع، بعد حديثه معها هي وزوجها عن ملفّ ملكيّة المؤسسة اللبنانية للإرسال، يقول فيلتمان: «على الأقل، لا يزال أحد أفراد عائلة جعجع يفكّر تفكير قائد ميليشيا.
برزت ستريدا جعجع خلال الاجتماع، بسبب إصرارها على اتخاذ مواقف حازمة بشأن جميع القضايا. في مرحلة أخرى من الحديث، بدت ستريدا وكأنها تعود إلى ماضي القوات اللبنانية المتسم بالعنصرية ضد المسلمين، إذ إنها وصفت، حسب زعمها، مواقف سفير الولايات المتحدة الأميركية السابق في لبنان، بالموالية للمسلمين. وقالت «أردت أن أسأله عن شعوره تجاههم بعد أحداث 11 أيلول». إن تعليقها القائل «سيعتاد الأمر» كان تعليقاً شريراً لكونه موجّهاً إلى (بيار) الضاهر، مالك محطة المؤسسة اللبنانية للإرسال، الذي لا يزال يزعم بأنه صديق مخلص لسمير جعجع. لا تخجل ستريدا من إطلاق تصريحات معادية للمسلمين. يمكن المرء أن يتخيل ستريدا بسهولة في مشهد تحتضن فيه الهر الفارسي العائد لها ولزوجها، وهي تهمس في أذن زوجها موجهة الشتائم ضد المسلمين وأعداء آخرين».



«أم تي في» والتمويل الانتخابي


يوم 28 كانون الثاني 2009 (09BEIRUT147)، عقد رئيس مجلس إدارة تلفزيون MTV ميشال غبريال المر، مؤتمراً صحافياً أعلن فيه أن المحطة التي أقفلت قبل سبع سنوات ستعاود البث يوم 31 آذار. السفارة الأميركية في بيروت خصصت إحدى برقياتها لهذا المؤتمر، موردة فيها معظم ما قاله المر في المؤتمر الصحافي. وإلى جانب الأخير، نقلت البرقية عن «مصدر رفيع في محطة ام تي في» (لم تذكر البرقية اسمه) قوله إن «ثمة سببين لإعادة إطلاق المحطة. السبب الأول يكمن في رغبة الكثير من السياسيين في دفع الأموال خلال فترة الانتخابات، وبالتالي، فإن هذا هو الوقت الملائم لجمع التمويل. والسبب الثاني، هو انسحاب عملاق الإعلانات العربية، أنطوان شويري من المؤسسة اللبنانية للإرسال (أهم محطة تلفزيونية في لبنان) ورغبته في تغطية الـ أم. تي. في. يمكنهم أن يضمنوا الآن 10 ملايين دولار على الأقل، إيرادات من الإعلانات، إلا أن المفاوضات لإتمام الصفقة لا تزال قائمة حتى الآن. أجرت محطة أم تي في مفاوضات مكثفة مع الشويري والقوات اللبنانية بشأن تمويل المحطة، لكن المفاوضات انهارت نتيجة طلب القوات اللبنانية التحكم بالقرارات التحريرية والإخبارية».
ونقلت البرقية عن المصدر قوله «إن العديد من سياسيي 14 آذار وعدوا بمساعدة المحطة، ومنهم النائب ميشال فرعون والنائب فريد مكاري والمرشح السابق للانتخابات النيابية المليونير سركيس سركيس، وأحمد الأسعد المناهض لحزب الله، الذي ترد معلومات عن تلقّيه تمويلاً سعودياً. وأكد المصدر أيضاً أن القوات اللبنانية، كما أعضاء 14 آذار، وعدوا بتزويدهم ببعض التمويل. وقدّر المبلغ بما بين 5 و6 ملايين دولار».
وخلصت سيسون في برقيتها إلى القول إن الـ«أم تي في» كانت ثانية أكبر محطة تلفزيونية مسيحية في لبنان، قبل إقفالها في أيلول 2002 بقرار من المحكمة، لانتهاكها المادة 68 من قانون الانتخابات اللبناني. يحظر القانون استخدام الوسط الإعلامي للترويج لأي مرشح للانتخابات. ممّا لا شك فيه أن عودة محطة الـ«أم تي في» سترفع من مستوى التنافس على ميزانية الإعلانات الضئيلة، التي يجب عادة على محطات التلفزة أن تتشارك فيها. سيرتفع عدد المحطات التي يملكها المسيحيون إلى 3 محطات، الأمر الذي يثير تساؤلات حيال إمكان اتساع رقعة الانقسام بين المسيحيين المنقسمين أصلاً، أو احتمال نجاح محطة الـ«أم تي في» في جذب المسيحيين، كما فعلت سابقاً عام 2002 عندما كانت في مقدمة الحملة على النظام السوري ووكلائه.