حسمت السعودية مبكراً موقفها من حرب تموز، فاختارت حزب الله لموقع الجلاد، موجهةً سهام الانتقادات له، بعد عملية أسر الجنديين الإسرائيليين.


ولم يكد يمضي يومان على اندلاع الحرب، وتحديداً في الرابع عشر من تموز، حتى خرج مصدر سعودي مسؤول في بيان لينتقد المغامرة غير المسؤولة، ويحمّل الحزب مسؤولية التسبب بالحرب، واضعاً للمقاومة جملة من الشروط حتى تحوز صفة الشرعية، وتنال الدعم العربي.
إلاّ أن البيان الذي نشر على نطاق واسع وتضمن انتقاداً لإسرائيل على تماديها وبغيها، حرصت وزارة الخارجية السعودية على إيصاله على نحو عاجل إلى السفير الأميركي في الرياض، جيمس أوبرويتر، بنسخةٍ معدلة. نسخة تعمّدت إسقاط عبارة «وستظل المملكة ساعية في سبيل أمن واستقرار المنطقة باذلة كل ما تستطيع لحماية الأمة العربية من البغي والتمادي الإسرائيليين»، وفقاً لما أظهرته وثيقة صادرة عن السفارة الأميركية في الرياض تحمل الرقم (06RIYADH5601) ومؤرخة بتاريخ ١٤ تموز ٢٠٠٦.
والبيان الذي تضمّن هجوماً عنيفاً على حزب الله، معتبراً أن «الوقت قد حان حتى تتحمّل هذه العناصر المسؤولية الكاملة وحدها عن أفعالها غير المسؤولة، وأن هذه العناصر وحدها مسؤولة عن إنهاء الأزمة التي خلقتها»، علّقت السفارة الأميركية عليه بالقول إنه يشكل «تحذيراً واضحاً إلى حزب الله، حماس، وداعميهم الإيرانيين، أنهم هم من بدأوا الأزمة الأخيرة، وأن أفعالهم لا تؤثر فقط على اللبنانيين والفلسطينيين، بل على بقية العالم العربي أيضاً، وأنهم لا يمكنهم توقع تعاطف ولو بسيطاً أو دعم إذا لم ينهوا ما بدأوه».
بيان أكدت القنصلية الأميركية في جدة (06jeddah478) وجود انقسام في الرأي العام تجاهه، فيما لخص عالم الدين صادق مالكي في وثيقة ثانية (06JEDDAH505) ردة فعل طلابه على البيان، مؤكداً أن «ظنهم خاب من التعامل السعودي مع الوضع»، وأنهم «ضحكوا جميعاً من البيان»، لافتاً إلى أن «الشعور الأعم، أن إسرائيل بالغت في هجماتها، وأن المملكة يجب ألا تزعم فقط أنها على الحياد عندما يقتل عرب أبرياء».
ومع استمرار الحرب وتطوّرها، اضطرت السعودية إلى التراجع عن تحميل حزب الله مسؤولية إيجاد حل بمفرده للأزمة، وتستعيض عن ذلك بدعوة مؤتمر روما إلى ضروة التوصل إلى «قرار واضح لوقف إطلاق النار، وإنقاذ حياة الشعب اللبناني»، وذلك بعدما تسببت الحرب بتأجيج مشاعر الغضب لدى الشعب السعودي، دافعةً الملك السعودي إلى إصدار بيان ملكي حذر فيه من أن «الصبر لا يمكن أن يدوم إلى الأبد، وأنه إذا استمرت الوحشية العسكرية الإسرائيلية في القتل والتدمير، فلا أحد يمكنه أن يتوقّع ما قد يحدث، وإذا وقع المحظور، فإن الندم لن يجدي».
هذا البيان رأت فيه السفارة الأميركية في وثيقتها رقم (06RIYADH5952) الصادرة في ٢٦ تموز خطوة غير اعتيادية، لكنها قللت من أهمية تأثيره على موقف السعودية الفعلي من الحرب، بعدما رأت أن الحكومة السعودية لم تتخلَّ عن موقفها السابق من إدانة حزب الله، وامتداداً إيران، على بدء الحرب، واضعة خطاب الملك في سياق مداراة المزاج الشعبي الغاضب بنحو متزايد من «عدوانية» إسرائيل في لبنان وغزة، ومشيرة إلى أن التغطية الإعلامية «المتحيزة» للقنوات المحلية لا تؤدّي سوى إلى زيادة هذه المشاعر.
ونقلت السفارة الأميركية في الوثيقة عن مصادرها أنّ الأوضاع في لبنان انعكست «غضباً وحقداً» ضدّ الغربيّين عموماً، والأميركيين خصوصاً. كذلك نقلت عن مصدر «قريب من الديوان الملكي»، قوله إن اصدار البيان قد يكون مرتبطاً بخشية الملك عبد الله من «أن تشهد السعودية تظاهرات وتحديداً في المناطق الشرقية إذا لم يتخذ قرارات حازمة بمساعدة لبنان». كذلك رجّح المصدر أن يكون الملك السعودي قد أراد إيصال رسالة واضحة بأن «السعودية، لا إيران، يمكنها أن تقود المساعدة على إعادة الإعمار متى انحسر النزاع الحالي».
أيام قليلة تمضي قبل أن تطرح مسألة إرسال قوات حفظ سلام إلى لبنان، وترفض السعودية المشاركة فيها، وفقاً لما نقلت السفارة الأميركية في الوثيقة رقم (06RIYADH6005) بتاريخ 29 تموز مشيرةً إلى رفض وزير الخارجية السعودي، سعود الفيصل، في اتصال هاتفي أجراه معه السفير الأميركي جيمس أوبرويتر، «إرسال أي قوات سعودية للمشاركة في قوات حفظ السلام».
في المقابل، لم تتخلَّ السعودية خلال الحرب عن تنسيقها مع الولايات المتحدة، لتضييق حركة الطيران الجوي أمام الطيران القادم من إيران باتجاه سوريا. وفي السياق، كشفت وثيقة (06RIYADH6058) بتاريخ 30/07/٢٠٠٦، عن شكر السفير الأميركي في الرياض، وزير الخارجية السعودي، سعود الفيصل، لرفضه إعطاء الإذن لطائرة سورية تحمل الرقم «76 – il» بالتحليق فوق الأراضي السعودية كان يفترض أن تتوجه من طهران إلى دمشق، في الوقت الذي حذر فيه السفير الأميركي الفيصل من وجود إشارات إلى أن إيران قد تعيد الكرّة.
وفي اليوم نفسه أظهرت وثيقة صادرة عن القنصلية الأميركية في جدة (06JEDDAH511) استدعاء وزير الخارجية السعودي السفير الأميركي من الرياض إلى جدة مساءً، لحثّ وزيرة الخارجية الأميركية في حينه، كوندوليزا رايس، على الدعوة إلى وقف إطلاق النار في لبنان. وتوضح الوثيقة أنه «بطريقة لبقة ولكنها ملحة وصريحة»، عرض الأمير عدداً من النقاط من بينها تمنّيه أن تدعو الإدارة الأميركية «إلى وقف إطلاق نار» رغم تفهُّم «المخاوف من المطالبة بوقف إطلاق نار قد لا يصمد». أما الهدف الرئيسي من الدعوة، فلخصه الفيصل للسفير بالقول «أتمنى أن تطلبواً وقفاً لإطلاق النار وأن تتركوا حزب الله يرفضه. عندها سيكتشف الجميع حقيقة حزب الله بأنه خارج عن القانون». ويضيف الفيصل «بدلاً من ذلك أنتم تحوّلون حزب الله إلى أبطال، حزب الله يقول للّبنانيين أن يصمدوا أسبوعين إضافيين وسيحقق لهم النصر الكامل».
وفي الوثيقة نفسها اقترح سعود الفيصل رداً على سؤال من السفير الأميركي عن أي خطوات محدّدة يوصي بها، «وضع مزارع شبعا تحت وصاية الأمم المتحدة»، معتبراً أن ذلك «سيقود إلى نزع سلاح حزب الله، لأنها آخر بقعة لبنانية محتلة».
وفي الخامس عشر من آب، ناقش سعود الفيصل من جديد الأوضاع اللبنانية مع السفير الأميركي في جدة (06jeddah542) على ضوء القرار ١٧٠١. وبعدما رأى سعود الفيصل أن التصريحات الصادرة عن إسرائيل وحزب الله «لا تبشر بالخير للمستقبل»، أعرب عن شكوكه في أن يدوم وقف إطلاق النار، لافتاً إلى أن نزع سلاح حزب الله ونشر قوات من الأمم المتحدة أكثر قوة سيكون صعباً. وبعدما أكد أن الشعب اللبناني، وتحديداً الشيعة، غاضب من حجم الدمار، والحاجة إلى إعادة بناء بلدهم، أشار إلى أن تعهد نصر الله بإعادة إعمار لبنان يتم فقط من خلال الدعم الإيراني، قبل أن ينقل الحديث إلى اتصال هاتفي أجراه مع رايس، ويخبر السفير أن «الوزيرة رايس تعاملت مع القرار بطريقة حاذقة».
مرة جديدة كان الوضع اللبناني مدار مناقشة بين سعود الفيصل والسفير الأميركي (06jeddah559) في الثالث والعشرين من آب، وذلك بعد صدور قرار مجلس حقوق الإنسان الذي انتقد إسرائيل نتيجة عدوانها خلال حرب لبنان. وبعدما اعترض السفير الأميركي على الانتقاد الشديد لإسرائيل، أوضح الفيصل أن القرارات «كانت في المقام الأول نتيجة الرد الإسرائيلي المبالغ فيه على الاختطاف». وبعدما رأى أن إسرائيل ليس لها ما يبرّر ردها بهذه القوة، اقترح أن الرد المناسب كان «باختطاف اثنين من مقاتلي حزب الله»، معترفاً بأن الرد الإسرائيلي «غيّر الاتجاه والمزاج كله في الشرق الأوسط»، ومعتبراً أن نتيجة الرد الإسرائيلي كانت «أذية لبنان دون حزب الله».