تحوَّلت العملية البطولية التي نفذها أحد مقاومي حركة «الجهاد الإسلامي» في القدس المحتلة، واستهدفت أبرز الناشطين اليمينيين المتطرفين، يهودا غليك، إلى محطة أساسية في نشاط المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال، ولا سيما أنها تأتي بعد سلسلة عمليات في المدينة بين كل أسبوع أو اثنين.

هذا «الإنجاز الفلسطيني» في التصدي للاستفراد بالقدس حفر في وعي قادة العدووجمهوره مجموعة من الحقائق، أبرزها أنه مهما اشتدت الظروف على المقاومة وكثفت الإجراءات الأمنية وجرى تصعيد الاستيطان، فإن كل ذلك لن يحول دون مواصلة النضال ضد الاحتلال والإبداع في التكتيكات. وأكثر ما يفاجئ العدو استهداف شخصيات في توقيت ومكان لا يخطران على بال المسؤولين عن الأمن.
بالطبع، لم يكن اختيار المقاوم حجازي هدفه عبثياً، بل إن تاريخ غليك وحاضره كافيان لتبيان كم أن استهدافه كان ملحّاً بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني والقضية، والأمر نفسه ينسحب على ظروف العملية. انطلاقاً من ذلك، خطط الشهيد لعمليته وعرَّض نفسه للمخاطر من أجل الوصول إلى ذلك المتطرف، رغم أنه كان قادراً على استهداف كثيرين غيره في المدينة.

تقدّر الاستخبارات
الإسرائيلية أن المنفّذ اجتاز 3 مراحل للتنفيذ بنجاح

واللافت أنه قبل لحظات من استهداف غليك كان واقفاً على المنصة في مركز «تراث بيغن» في القدس وهو يلقي محاضرة تحمل عنوان «إسرائيل تعود إلى جبل الهيكل» (مادة مفصلة على الموقع)، وليس خفياً أنه صاحب أكبر الدعوات إلى اقتحام الأقصى. أما كيف نجح المقاوم في الاقتراب من غليك واستهدافه، فقد روت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن حجازي الذي كان يعمل في المركز نفسه، قاد دراجة نارية وهو مقنّع، وعندما اقترب من الحاخام سأله: «هل أنت غليك؟»، فأجابه الأخير بالإيجاب، ثم أطلق المقاوم النار عليه.
ووفق صحيفة «يديعوت أحرونوت»، خرج حجازي في ساعات الظهيرة من منزله، وتوجه إلى العمل حتى ساعات المساء في المطبخ، وقدّرت أن هناك احتمالاً بأن يكون المسدس الذي استخدمه قد كان بحوزته خلال تلك الساعات. وبعد انتهاء ساعات العمل (21:40) خرج حجازي من المطعم. وبدلاً من العودة إلى منزله، «يبدو أنه بقي في الخارج ينتظر خروج غليك من المبنى»، ثم في تمام الـ22:10 جرت العملية، وتفيد شاهدة عيان بأن حجازي قال لغليك: «أنا متأسف، أنت أغضبتني»، ثم أطلق عليه أربع رصاصات وأصابه بجراح خطيرة.
وتابع تقرير «يديعوت» أنه «في ساعات الصباح، قادت الدلائل التي جمعت من المكان والمعلومات الاستخبارية إلى حجازي بسرعة، فوصلت الوحدات الخاصة (يمام) إلى بيته في القدس الشرقية وعثرت في الموقف على الدراجة النارية، وخلال التفتيش عثرت أيضاً على المسدس». لكن الرواية الرسمية أكدت أن حجازي بدأ إطلاق النار على أفراد «يمام» مستخدماً المسدس نفسه، مضيفة أنه قتل أثناء محاولة الوحدة اعتقاله في حي الطور.
مع ذلك، يبقى السؤال: كيف عثرت قوات الاحتلال على المسدس خلال التفتيش؟ فيما الرواية الرسمية تؤكد أن قوات الاحتلال قتلته بعدما أطلق النار عليها بالمسدس نفسه!
يعزز هذا التعارض رواية عائلة الشهيد التي قالت إن قوات الاحتلال دهمت الحي وحاصرت المنزل، ثم أطلقت النار بكثافة إلى أن حوصر الشهيد وجرت تصفيته على سطح المنزل حيث ظل ينزف أكثر من ساعتين.
ولفتت وسائل الإعلام، استناداً إلى تقديرات أجهزة الاستخبارات، إلى أن حجازي أتمّ ثلاث مراحل ناجحة حتى وصل إلى الهدف وأطلق النار عليه؛ الأولى جمع المعلومات عن تحركات الحاخام، واختيار الزمان والمكان المناسبين، ثم تنفيذ العملية، وفي الخطوة الثالثة الانسحاب السريع من المكان.
أمام هذا النجاح الذي حققه المقاوم، لم تستبعد الأجهزة الإسرائيلية أن «يكون حجازي، أو الخلية التي هو جزء منها، تتبعت تحركات الحاخام عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لأنه (غليك) يعلن نشاطه اليومي، وهو سبق أن أعلن صباح ذلك اليوم أنه سيشارك إلى جانب وزراء ونواب كنيست في مؤتمر «إحياء تراث الهيكل» في قاعة «تراث بيغين»».
في ما يتعلق بوضع «غليك»، أوضحت مصادر طبية عبرية أن الأطباء اضطروا إلى قطع جزء من رئته خلال العملية الجراحية، ولا تزال حالته بالغة الخطورة.
أما عن المفاعيل السياسية، فحمَّل رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو، رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس مسؤولية التحريض الذي أدى إلى محاولة قتل غليك. ووفق بيان مكتب نتنياهو، فإن «أبو مازن قال إنه يجب منع صعود اليهود إلى الحرم القدسي بكل الوسائل».
كذلك عقد نتنياهو اجتماعاً رفيعاً مع وزير الجيش موشيه يعلون، ووزير الأمن الداخلي يتسحاق أهرونوفيتش، ورئيس الشاباك والمفتش العام للشرطة وقائد شرطة القدس، كما لم يفته استغلال الحادثة في مواجهة الضغط الدولي، فقال «لم أسمع بعد أي كلمة إدانة من المجتمع الدولي». وأيضاً، استغل الموقف معسكر اليمين المتطرف، الذي ينتمي «غليك» إليه، بالدعوة إلى «استعادة السيادة الإسرائيلية على القدس».