إن لم يستطع الساسة عبور النفق السياسي، فقد بات واضحاً أن المقاومين ذوي الخبرة بالأنفاق الأرضية يمتلكون القدرة على إخراجهم. على الأقل، هذا ما ظهر في بيان «كتائب القسام» الذي توافقت «سرايا القدس» وباقي المقاومين عليه. بيان أكد أن الكلمة لمن يحمل الراية ويقاتل جيش العدو، بعيداً عن لعبة المحاور الإقليمية، ولا سيما أن المطلوب إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني، وذلك في مقابل تسريبات عن تمايزات داخل الوفد الفلسطيني المفاوض في القاهرة، حيث يمارس الجانبان المصري والأميركي ما يستطيعان من ضغوط لخفض سقف مطالب الشعب الفلسطيني، وذلك قبل ساعات من تهدئة يفترض أن تنتهي في الثامنة من صباح اليوم.


أبو عبيدة، المتحدث باسم «القسام»، قال أمس كلاماً مهماً يحتاج إلى تدقيق، لكنه أولاً وأخيراً أرسل إشارات عدة واضحة إلى المكتب السياسي والوفد الفلسطيني المفاوض، مفادها أن عليكم أن تأتوا بالشروط التي أعلنت واتّفِق عليها بالإجماع، أو «الانسحاب» من القاهرة مباشرة، متعهداً بحرب استنزاف كبيرة تمتد لأشهر وتشلّ مطار «بن غوريون» في «تل أبيب»، وذلك إلى «أشهر طويلة»، هذا إن لم يجر «استدراج العدو» إلى البر، حيث ستكون المعركة أكبر مما يتصور «ومقاومتنا وشعبنا جاهزون لدفع الثمن ودخول معركة التحرير».
لا داعي للعودة إلى ذكر كل الإشارات التي رافقت هذه المعركة، وخاصة المتعلقة بتسليح الضفة المحتلة والحديث عن حرب تحريك أو تحرير، لكن الساعات القليلة المقبلة ستحسم الموقف، فإما أن يحقق الفلسطينيون فوق نصرهم خطوة إلى الأمام، وإما أن يكملوا المعركة أمام جيش سرّح قبل يومين جنود احتياطه وذهب لينام، موكلاً مهمة التفاوض إلى المصريين والأميركيين.
ويظهر واضحاً أن التأكيد الفلسطيني على مطلب الميناء يعني أن الحصار يجب أن يكسر، وأن ما تريد المقاومة الحصول عليه هو مكسب استراتيجي على مدى بعيد، إذ تكون الرقابة على المرفأ أصعب ومجال إدخال ما يريده الفلسطينيون أسهل وخاصة على المجال التجاري، كما يحمل معنى سيادياً كبيراً. وكان لافتاً مسارعة وسائل إعلام تابعة لـ«حماس» بعد الخطاب إلى نشر صور انفوغراف عن مخطط الميناء الذي لم تكمل السلطة بناءه في عهد الراحل ياسر عرفات. ونقلت عن مؤسسة حقوقية تحذيرها من أن رفض الاحتلال إنشاء ممر مائي لغزة يبقي حصار القطاع مستمراً «ولا يخدم الاستقرار في المنطقة».


لم يغلق أبو عبيدة
الباب أمام الوفد أو
حتى الوسيط


ورغم ذلك، لم يغلق أبو عبيدة الباب أمام الوفد أو حتى الوسيط، معطياً إياهم وقتاً لإنهاء «لعبة المراوغة» حتى ساعات الصباح الباكرة، وحديثه عن الموافقة «المبدئية ثم بحث التفاصيل لاحقاً» يشي بذلك، من دون أن يعني انتفاء إمكانية التفاوض تحت النار لاحقاً.
وحتى وقت متأخر من مساء أمس، كان مبعوث وزير الخارجية الأميركي فرانك غراهام، الذي أتى من ألمانيا لعقد لقاءات مع وزير الخارجية ومسؤولين مصريين، لا يزال يعمل على قدم وساق لإنهاء المعضلة، وقد تحمل الساعات المتزامنة مع كتابة النص حلاً ينقذ الموقف من الاشتعال مجدداً. مع الإشارة إلى مغادرة الوفد الإسرائيلي مطار القاهرة أمس وفق مصادر أمنية في المطار.
هذه الصورة التي أخرجت إلى العلن، أمس، سبقها حديث كثير في الكواليس، لكن اللافت أن وكالة «وفا» التابعة لرئاسة السلطة الفلسطينية في رام الله كانت قد نشرت خبراً بعنوان: «مصدر مقرب من الوفد الفلسطيني: حماس تلعب بالنار»، وما لبثت أن حذفته بعد دقائق، لكن أمكن الحصول على متن الخبر الذي ورد فيه أن «مصدراً مقرباً من الوفد الفلسطيني في القاهرة أعلن أن مصر تتبنى المطالب الفلسطينية كافة، بما فيها موضوعا المطار والميناء، وأنها تتعامل مع وفد فلسطين لكونه يمثل الشرعية ولا تتعامل مع وفد فصائل، كما تحاول «حماس» وبعض وسائل إعلام مساندة لها ترويجه».
وأفاد المصدر، وفق الخبر الذي أتت أوامر سريعة بحذفه، بأن «حماس تحاول زج قضية فتح معبر رفح في المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، كأن إسرائيل طرف في هذه القضية، رغم علم الحركة بالتفاهم القائم بين القيادتين المصرية والفلسطينية بشأن فتح هذا المعبر منذ تشكيل حكومة الوفاق وقبل انطلاق العدوان الأخير على غزة بحوالى شهر».
وهاجم ذلك المصدر تصرفات «حماس» قائلاً: «بدأنا نشعر بملامح خطر من عملية تفكيك حالة الوحدة الوطنية، وتأكد لنا من خلال متابعتنا الدقيقة لخطاب حماس الإعلامي حرصها على تمييز نفسها عن الوفد الموحد عبر تسريب أخبار وروايات خاصة لقناة الجزيرة، وأخرى مساندة لها، رغم الاتفاق على ألا يدلى بتصريحات لوسائل الإعلام في المرحلة الحالية»، ما دفعه إلى التعبير عن قلقه «من أن يؤدي الخطاب الإعلامي الموجه من حماس إلى استفزاز مصر وإحباط جهودها لإيقاف العدوان نهائياً، وذلك لمصلحة قوى إقليمية كانت قد حاولت استخدام الدم الفلسطيني لتأكيد حضورها وفعاليتها في الإقليم ومن أجل تصفية حساباتها مع مصر، والمتاجرة بدماء أطفال ونساء غزة مقابل ملايين الدولارات المدفوعة لقياداتها المستريحة».
على الجانب المصري (القاهرة، إيمان إبراهيم)، تنبه مصادر أمنية مصرية، «الأخبار»، إلى محاولات «حماس» دخول المفاوضات كأنها لاعب رئيسي في حال توقيع أي اتفاقية أمنية مع إسرائيل. وتضيف إن «انقسام الفصائل الفلسطينية ساعد على إحباط المفاوضات أكثر من مرة، وهو ما استغلته إسرائيل للإعلان أنها ستؤمن المستوطنات وتنسحب، ما يعيد الجهود إلى مربع الصفر».
إسرائيلياً، (علي حيدر)، قالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير الجيش موشي يعلون أعطيا أوامرهما للجيش من أجل الاستعداد جيداً لأي سيناريو محتمل بعد الثامنة صباحاً. ووفقاً للصحيفة، فإن جيش الاحتلال «سيرد بكل ما أوتي من قوة إن أطلقت المقاومة الفلسطينية الصواريخ بعد انتهاء التهدئة»، وهو التحذير نفسه الذي نقله وزير الإعلام الإسرائيلي وعضو الكابينيت، غلعاد أردان.
وبموازاة رفع مستوى التهديدات المتبادلة بين إسرائيل والمقاومة في غزة، سربت تل أبيب مواقفها من القضايا المطروحة على طاولة التفاوض في القاهرة. وفي محاولة لخفض سقف الرهانات لدى الطرف الفلسطيني، ووضع سقوف لمآل المفاوضات، ذكرت القناة الأولى في التلفزيون الإسرائيلي أن القيادة الإسرائيلية على استعداد للموافقة على توسيع منطقة الصيد البحري وإدخال الأموال إلى القطاع من أجل دفع الرواتب، مع منح تسهيلات لحركة الأفراد فقط، عبر معبر إيرز. أيضاً في السياق نفسه، عبرت تل أبيب عن رؤيتها، وفق القناة العبرية، بأن معبر رفح هو قضية فلسطينية ـــ مصرية، ليس إلا. ولجهة مواد البناء، ذكرت القناة الأولى أن هناك موافقة على إدخالها لإعادة بناء القطاع، لكن تحت إشراف دولي فقط، وحذرت من إدخال مواد متعددة الاستخدام. وأوضحت القناة أن إسرائيل ترفض مطلقاً بناء ميناء بحري ومطار. وفي ما يتعلق بالأسرى، شددت إسرائيل على رفضها إطلاق سراح أسرى صفقة غلعاد شاليط، فيما أعربت عن استعدادها للإفراج عن أسرى الدفعة الرابعة كبادرة حسن نية، تجاه أبو مازن فقط. في سياق متصل، رأى العدو أن من حقه العمل مستقبلاً ضد الأنفاق، ومواصلة الاغتيالات.
وجاءت تصريحات أمس المتبادلة لتكشف زيف الصورة التي حاولت إسرائيل تسويقها، وفيها أن فصائل المقاومة عادت ورضخت للمبادرة المصرية التي نصت على الالتزام بوقف النار، من دون أي التزامات، وثبت أن المقاومة أبدت قدراً من المرونة من دون أي تنازل على مستوى المضمون المتصل بمطالب الشعب الفلسطيني.
وتجلت أهمية رسائل المقاومة لكونها أثبتت جديتها واستعدادها الفعلي للعودة إلى خيار القتال، وهو أمر على قدر من الأهمية لمنع أي محاولة تسلل تهدف إلى الالتفاف على المطالب، ثم تحويل المفاوضات إلى ساحة ابتزاز للشعب والمقاومة في غزة، وذلك استناداً إلى رهانات وتقديرات بأن يكون لحجم التضحيات التي تسبب بها جيش الاحتلال مفعولها على قرار قيادة المقاومة. كذلك، يشكل الاحتفاظ بورقة استئناف المقاومة العسكرية جزءاً من أدوات الضغط التي تحتاج إليها المقاومة في مواجهة الرهانات الإسرائيلية والعربية والدولية، ومع التأكيد على حرص الطرفين على وقف المواجهات العسكرية ابتداءً، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنها مستبعدة في كل الظروف ومهما كانت نتائج المفاوضات.
وقبل الحديث عن المبادرة الأوروبية لإعادة إعمار غزة، ينبغي التمييز بين طرح يدعو إلى إجراءات تهدف إلى منع تسليح المقاومة وتعزيز قدراتها العسكرية والصاروخية، وبين شعار تجريد غزة من السلاح، رغم أن الهدف من الصيغة الأولى هو الوصول في نهاية المطاف إلى هدف التجريد.
في هذا السياق، عرضت ألمانيا وفرنسا وبريطانيا مبادرة تنص على إعادة إعمار القطاع تحت إشراف دولي يمنع تسلح وتعزيز قوة «حماس» والفصائل الأخرى. ووفق صحيفة «هآرتس»، نقلاً عن مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى ودبلوماسيين أوروبيين، سلم سفراء برلين وباريس ونائب السفير البريطاني مستشار الأمن القومي لرئيس الوزراء الإسرائيلي، يوسي كوهين، وثيقة المبادئ والتفاهمات الدولية بشأن غزة. وتشمل هذه الوثيقة إعادة السلطة والرئيس محمود عباس إلى غزة. وإمكانية إعادة قوة المراقبين الأوروبيين إلى معبر رفح بجانب قوات الرئيس. وورد في الوثيقة أيضاً أن الدول الثلاث معنية بتحويل الوثيقة إلى قرار دولي يصادق عليه في مجلس الأمن.
(الأخبار)