مرة أخرى، تعفّر تراب عرسال بدماء شهداء الجيش اللبناني، في مشهد أعاد إلى الذاكرة حادثة وادي حميد بداية شباط من العام الماضي. حينها كمنت قوة من فوج المجوقل للمطلوب خالد حميد وحصل تبادل لإطلاق النار أدى إلى مقتله، ليتطور الأمر إلى كمين لأفراد القوة العسكرية واستشهاد ضابط ورتيب وجرح باقي أفراد القوة.


المشهد الذي لا تزال الذاكرة تختزنه، يكاد لا يختلف في تفاصيله عن مشهد يوم السبت الفائت. توقيف أحد قادة المجموعات المسلحة في «داعش»، عماد أحمد جمعة، تبعه هجوم كبير من مسلحي «داعش» و«النصرة» على مراكز الجيش وفصيلة درك عرسال، واستشهاد عشرة عسكريين وفقدان الاتصال بـ 13 آخرين، إضافة إلى جرح 26 بينهم ضابطان برتبة ملازم وملازم أول.
وبحسب مصادر في عرسال، فإن جمعة يتحرك باستمرار وبسهولة بين البلدة وجرود السلسلة الشرقية، حيث المعارك بين الجيش السوري وحزب الله، في جرود الجبّة ورأس المعرة من الجانب السوري. وإثر إصابة أحد عناصره، توجه برفقته إلى البلدة فأوقفه عناصر حاجز وادي حميد، وسمح بمرور الجريح إلى المستشفى الميداني لتلقي العلاج. وما إن وصل خبر توقيفه إلى مجموعته المسلحة التي يقدر عددها بـ 400 مسلح، بايعوا مؤخراً أمير «داعش» في عرسال «أبو حسن الفلسطيني»، حتى شنّوا هجوماً واسعاً على البلدة وغزاها من الجرود المسلحون بواسطة دراجات نارية وسيارات محملة بالمسلحين وبأسلحة رشاشة متوسطة، فضلاً عن مسلحين خرجوا من مخيمات النازحين، بحسب ما أكد عدد من أبناء البلدة لـ«الأخبار». استباح المسلحون ساحات البلدة وشوارعها، وحاصروا نقاط وجود الجيش في وادي حميد ووادي الحصن ومحلة المصيدة، وقطعوا مداخل البلدة بالعوائق والشاحنات، وخطفوا جنديين كانا في آلية عسكرية لنقل المياه. وطالب المسلحون بإطلاق جمعة، مهدّدين بمهاجمة سائر المراكز الأمنية في عرسال. الجيش الذي أدرك مدى أهمية الموقوف لديه سارع إلى نقله خارج عرسال، وسط إصرار على عدم الرضوخ لطلب المسلحين. وبالفعل لم يدم الإنذار طويلاً حتى شن المسلحون عصر السبت هجوماً واسعاً على المراكز العسكرية في وادي الحصن ووادي حميد والمصيدة.


مدفعية الجيش
في النبي عثمان واللبوة وحربتا استهدفت منصقة صواريخ للمسلحين

كما حاصر المسلحون مبنى فصيلة الدرك في البلدة، وحين حاول عدد من أبناء البلدة منعهم من اقتحامها تعرضوا لإطلاق نار أشبه بعملية إعدام، فاستشهد كمال عز الدين، ومحمد نوح، وأصيب حسن عز الدين برصاصة في الرأس، نقل على أثرها إلى مستشفى دار الأمل الجامعي لخطورة وضعه الصحي.
وتمكن المسلحون من خطف 21 عنصراً من قوى الأمن الداخلي توزعوا بين عناصر الفصيلة والقوى السيارة، ونقلهم المسلحون إلى مسجد الفاروق العائد للمدعو مصطفى الحجيري المعروف بـ«أبو طاقية». وعلمت «الأخبار» أن أحد العناصر وهو من أبناء عرسال ويدعى عبد الرسول كرنبي تمكن من الفرار من المسجد، في وقت نشر فيديو تحدث فيه المخطوفون عن «انشقاقهم» عن الأجهزة الأمنية اللبنانية.
الجيش سارع إلى استقدام تعزيزات من فوج المجوقل، ونفذ عملية إنزال ناجحة في الجرود، تمكن على أثرها من تحرير العسكريين المخطوفين، وتعزيز نقاطه عند أطراف البلدة.
ليل عرسال لم يختلف عن ساعات ما بعد ظهر يوم السبت، فبعدما صدحت مئذنة مسجد الفاروق بالدعوة إلى «الجهاد»، كما أكد عدد من النازحين من أبناء البلدة، اشتدت وتيرة الاشتباكات وتمكن الجيش من استعادة السيطرة على نقطة وادي حميد، لتتصاعد وتيرة الاشتباكات في الجرود المحيطة بمحلة وادي الحصن والمصيدة، والتي استمرت حتى الساعة الرابعة من فجر أمس. هذه الاشتباكات ترافقت مع معارك عنيفة في جرود السلسلة الشرقية في الجبة ورأس المعرة، شن خلالها الطيران المروحي السوري غارات عدة على مجموعات المسلحين.
ساحات عرسال وشوارعها خلت من الأهالي، وأقفلت المحال التجارية أبوابها، والتزم الجميع منازلهم، ما خلا عائلات اتخذت قرارها منذ الصباح الباكر بالنزوح من البلدة. وأكّد عدد من هؤلاء لـ«الأخبار» أن المسلحين ينتشرون في البلدة بكثافة. حركة النزوح ارتفعت وتيرتها مع عودة الاشتباكات في محلة عين الشعب بالقرب من مبنى المهنية، حيث هاجمت مجموعة من المسلحين ثكنة الجيش التابعة للكتيبة 83 في اللواء الثامن، وقد تمكن الجيش من صدهم وقتل عدد من أفرادها. وعلمت «الأخبار» من مصادر مطلعة أن المسلحين انكفأوا إلى أطراف منازل عند تلال عين الشعب المطلة على اللبوة والنبي عثمان، وحاولوا نصب منصة لإطلاق الصواريخ، إلا أن مرابض مدفعية الجيش في كل من النبي عثمان واللبوة وحربتا تمكنت من استهدافها، لتدور بعدها اشتباكات بالرشاشات المتوسطة. كما شن المسلحون هجوماً على محلة وادي الكوارة، من الجهة الشمالية الغربية لعرسال، وهي المحلة التي اعتمدها الجيش لإيصال تعزيزاته إلى نقاطه في وادي حميد والحصن والمصيدة، بعد إقفال المسلحين المدخل الرئيسي للبلدة. وقد حرص الجيش على منعهم من السيطرة عليها وكبّدهم خسائر كبيرة. واستقدم المسلحون سيارات محمولة وأعداداً كبيرة من المقاتلين وعاودوا الهجوم بشكل أعنف بعد الظهر على ثكنة الجيش (الكتيبة 83)، حيث دارت اشتباكات عنيفة تمكن المسلحون بعدها من السيطرة على المبنى، واستشهد مؤهل وجرح سبعة عسكريين، في وقت ترددت فيه معلومات عن قتل عدد من عناصر الجيش بطريقة بشعة.
وقد سارع الجيش إلى استقدم تعزيزات إضافية وشرع في حملة عسكرية على تلال عين الشعب، استمرت ساعات، استخدمت فيها الراجمات والمدفعية، وتمكن من إعادة السيطرة على ثكنة الجيش قرب مهنية عرسال، موقعاً عدداً كبيراً من المسلحين بين قتيل وجريح.