عرسال على خط النار مجدداً. وكأنها الصورة نفسها تتكرر كل فترة: الجيش يعتقل إرهابياً. تنظيمه يشن معركة. تسيل الدماء وتحاصر المنطقة مجدداً. فالعملية الأمنية التي نفّذها الجيش أول من أمس في عرسال لم تنته عند حدود اعتقال أحمد جمعة، العضو السابق في «جبهة النصرة»، والمسؤول في ما سمّي «لواء فجر الاسلام» الذي بايع الخليفة أبو بكر البغدادي وانضم الى تنظيم «داعش».


طوّقت المراكز العسكرية، سقط شهداء وجرحى للجيش، وأسر آخرون. لا يمكن سياسيي فريق الرابع عشر من آذار، أمام هذا المشهد، إلا التضامن مع الجيش في وجه ما يتعرض له، من دون أن يستعيدوا خطابهم القديم ـــ الجديد بأن ما يحصل سببه تدخل حزب الله في الحرب السورية. مستشار رئيس حزب القوات اللبنانية وهبي قاطيشا ذهب أبعد من ذلك، إذ رأى في حديث تلفزيوني أن «المسلحين دخلوا الى لبنان مع اللاجئين من دون وضع خطة شاملة لحصرهم على الحدود، لذلك نشهد اليوم تداعيات الإهمال».
بيانات التضامن الكثيرة مع الجيش خرقها بيان نواب طرابلس محمد كبارة ومعين المرعبي وخالد الضاهر، الذي تحدث عن «حلقة من المؤامرة الأسدية الإيرانية تتعرض لها عرسال السنّية». عضو الأمانة العامة لـ14 آذار مصطفى علوش رأى أن هؤلاء هم «نواب الأمة ولهم رأيهم الذي يعبّرون عنه. وليس بالضرورة أن يتناسب بيانهم مع موقفنا بالكامل». الهجوم على الجيش كان كافياً ليتأكد «حكيم» المستقبل من أن «تدخل حزب الله في سوريا وكلام (الأمين العام لحزب الله) حسن نصرالله أنه بذلك سيحمي لبنان من الإرهاب وهم.
فهو أكد فشله». يقول إن «الحزب» يدفع المسلحين باتجاه لبنان، «من أجل الإيحاء بأنه ضرورة لمواجهة أي تطرف». وهو بهذا الأمر «زج الجيش، غير مباشرة، في معركة عرسال. فنحن نترك الحدود سائبة، ونضع المؤسسة العسكرية متراساً، مجبرين إياها على مواجهة الإرهاب، الأمر الذي أدى وسيؤدي الى سقوط عدد من الابرياء، ما سيزيد من الشرخ». هذا لا يعني أن الجيش ممنوع عليه مواجهة هذه الجماعات، «بيد أن من واجبه أن يقف سداً منيعاً على الحدود مانعاً حزب الله من الذهاب الى سوريا والمسلحين من الدخول الى لبنان. هذا هو دوره». الغطاء السياسي لعمل الجيش على الارض «موجود داخل 14 آذار فقط، خاصة أن حزب الله يريده درعاً لمشروعه السياسي».
حزب القوات اللبنانية يفضل عدم الاستفاضة في الحديث عن عرسال، «نحن متضامنون مع الجيش»، ولكن «نحن ندعو حزب الله الى الانسحاب من سوريا، لأن مشاركته في القتال هناك أدخلت لبنان في هذا النفق».
في تيار المستقبل معتدلون فضّلوا عدم الانجرار في لعبة التجييش وتحميل المسؤولية ما دامت الدماء في عرسال لم تجف بعد. مصدر نيابي في «التيار» يصف نفسه بـ«الحزين. المعركة طويلة وستستنزف الجيش». حالياً، ليس الزمن «مناسباً لمحاسبة أي فريق، نحن ندعم الجيش في معركته ضد الارهابيين، ولا قيمة لأي كلام آخر». يرى أن كلام رئيس جبهة النضال الوطني وليد جنبلاط عن أن تدخل حزب الله في سوريا لم يستحضر داعش الى لبنان «هو الأقرب الى الحقيقة، ولا يمكن لأحد الاعتراض عليه». الكلام عن أن هدف المعركة في هذا التوقيت هو تعبيد الطريق أمام قائد الجيش جان قهوجي لانتخابه رئيساً للجمهورية «سخيف». كذلك فإن الأكيد، حسب النائب، أن «حزب الله لم يزج الجيش في هذه المعركة، رغم أني لا أعرف تفاصيلها جيداً».
حزب الكتائب أيضاً وضع خلافاته السياسية جانباً، «فالمطلوب اليوم موقف وطني لنحمي لبنان»، استناداً الى نائب زحلة إيلي ماروني. المطلوب من فريقي 8 و14 آذار «أن يغضّا الطرف عن مسببات الأزمة، إن كانت تدخّل حزب الله في سوريا أو غيره، من أجل مواجهة المرحلة، والوقوف الى جانب أهالي عرسال، فهم جميعاً ضحايا الإرهاب الآتي من سوريا». ورحّب ماروني ببيان حزب الله الذي يدعم فيه الجيش اللبناني، «كذلك نناشد أهالي عرسال أن يقفوا الى جانب الجيش». ويفصل نائب الكتائب بين زمن الحرب والمعركة السياسية، «كلنا سوا ضد التطرف ومع المواجهة».
مصادر الأمانة العامة لم تيأس بعد من «أسطوانة» قتال حزب الله في سوريا، «أكيد سنلقي اللوم عليه في ما يحصل». تشبّه المصادر ما يحدث بفترة السبعينيات «حين فتحنا الحدود أمام الفلسطينيين لقتال إسرائيل. علينا أن نتحمل مسؤولية فتح الحدود مع سوريا». لم تنأَ عرسال يوماً بنفسها عن الأزمة السورية، فهي التي احتضنت «الثوار»، يقول المصدر، «أصبحنا اليوم في قلب الحدث، ولكن هذا لن يدفعنا الى التقرب من الحزب». مواقف الأمانة لن تتغير، «يجب أن يكون هناك من يصارح الناس. ما يحصل كارثة». تريد الأمانة «إيجاد السبل المناسبة لتطويق ردود الفعل في باقي المناطق. لا نعرف كم ستطول المعركة».