هل تلبّي عناصر الورقة الفلسطينية الموحدة لمفاوضات الهدنة المطالب الحمساوية القصوى؟ نعم؛ فهي تتضمن السقف المطلوب من الانسحابات ورفع الحصار وحرية الصيد البحريّ وتنفيذ اتفاقات الأسرى الخ. وهذا السقف واقعي إلى حد كبير، ولا يخرق السياق السياسي لاتفاقيات أوسلو وحل الدولتين، ولا يأخذ حماس خارج خط التحالف القَطري ـــ التركي، المرتبط، في النهاية، بالمظلة الأميركية ـــ الإسرائيلية.


لكن الجديد أن السلطة الفلسطينية وجدت أن هذا السقف ممكن في مفاوضات واقعية أيضاً؛ ويعود ذلك إلى ثلاثة أسباب، أولاً، ما أبدته المقاومة الغزيّة من صمود جدي في مواجهة العدوان الإسرائيلي، بما في ذلك بروز منظمات مقاومة أثبتت وجودها الميداني؛ من الجهاد إلى ألوية الناصر صلاح الدين، إلى الشعبية والقيادة العامة الخ، ثانياً، ضغوط المجتمع الفلسطيني والمخاوف من انفلات الضفة، ثالثاً، اكتشاف رام الله ضعفها خارج المحاور؛ فلا هي جزء من محور الدوحة ـــ أنقرة، ولا هي معتمدة لدى المحور السعودي ـــ الإماراتي ـــ المصري. رام الله، في الواقع، لم تعد تملك الشرعية الكافية، بعد انسداد أفق المفاوضات الثنائية من جهة، وتطورات العدوان والمقاومة في غزة من جهة أخرى، للقيام بأي عملية سياسية لاحقة تخوضها منفردة.
بالمقابل، حماس لم تعد تملك مفاتيح الحكم في القطاع، (1) داخلياً، بعد الظهور العسكري المدوّي لـ«الجهاد»، وما أبدته من عقلانية سياسية وما حصدته من مكانة، دفعت بأحد القادة الفتحاويين الكبار إلى أن يُسرّ لأردنيين بأن «المستقبل لحركة الجهاد». والمهم أن الحركة الصاعدة لم تبد حتى الآن ميولاً إقصائية؛ على العكس، فهي تنهج نهجاً جبهوياً، سواء أفي علاقاتها مع حماس أو مع فصائل المقاومة الأخرى، كما أنها، على رغم ارتباطها بمحور طهران ـــ دمشق، فقد أعطت إشارات سياسية إيجابية نحو رام الله والقاهرة، عارضةً تحييد الشأن الفلسطيني والعلاقات مع مصر عن صراعات المحاور الإقليمية، (2) خارجياً، بعد تراجع المشروع الإخواني، وتبلور الموقف المصري الحاد من رفض التعاطي مع ملف غزة على العنوان الحمساوي، وإصرار نظام عبد الفتاح السيسي على تغيير عميق في التركيب السياسي في القطاع، قبل استيعابه والأخذ بمطالبه.
الورقة الموحدة التي أعلنها 12 فصيلاً فلسطينياً لا تتعلق، إذاً، بالهدنة وشروطها في غزة، ولكنها، في العمق، تؤسس لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، وتجديد الشرعية الوطنية الفلسطينية؛ بذلك تكون المواجهة الدامية في غزة قد حققت إنجازاً نوعياً يقطع مع ستاتيكو الثنائية الفتحاوية ـــ الحمساوية، ويضع حداً لمساعي الطرفين للانفراد بالقرار والسعي الدؤوب لإقصاء وتهميش القوى الأخرى، التي ترى أن من مصلحتها الآن ـــ بما فيها «الجهاد» والقوى الحليفة لمحور المقاومة، وكذلك القوى الوسيطة المغيّبة ـــ أن تكون جزءاً من المشهد والقرار.
ضغوط المحورين المتصارعين بين الرياض والدوحة قد تلعب دوراً تخريبياً في عملية تشكّل الإجماع الوطني بين الفصائل الفلسطينية لاستيلاد شرعية جديدة، لكن تلك الفصائل وصلت، كل على حدة، إلى طريق مسدود، بحيث إن الحفاظ على وجودها وحضورها ودورها، بات مرهوناً بتوصلها إلى التفاهم على صيغة وحدوية لنظام سياسي جديد، ينأى بنفسه، إلى هذا الحد أو ذاك، عن المحاور الإقليمية وصراعاتها.
ليس لدى محور طهران ـــ دمشق، عملياً وسياسياً، عائق جدي يحول دون دعم ولادة شرعية فلسطينية جديدة موحدة؛ عملياً لأنه يسمح لهذا المحور بمنح المزيد من طاقاته للمواجهات على الجبهات الأخرى، وخصوصاً في سوريا والعراق الخ، ويحافظ على آليات مشرعنة لدعم تنظيمات المقاومين على الأرض بالسلاح والتقنيات الخ، أما من الناحية السياسية، فإن مشاركة قوى حليفة له أو مقرّبة منه، مثل الجهاد وألوية صلاح الدين والقيادة العامة والشعبية، في النظام والقرار السياسي الفلسطيني، سوف يعطي محور المقاومة حضوراً سياسياً لم يكن يملكه في فلسطين.
الفلسطينيون، إذاً، على أبواب تجديد الشرعية الوطنية الموحدة؛ ومن المرجح أنهم سيتجاوزون، بهذا القدر أو ذاك من العناء وتدوير الزوايا، انفراط عقد يجمعهم وينقذهم، سياسياً، من التهميش والاستهلاك في أتون الصراعات الإقليمية.
إذا جرى تثبيت الإجماع الفلسطيني الموصوف أعلاه، وتحققت تلك الشرعية بلا تشققات؛ فهل سنكون أمام اكتمال اللبنة الفلسطينية في بناء هيكل التسوية الإقليمية؟