غزة | اكتملت فصول التشفي المصريّ بقطاع غزّة، فقد أشهرت أمّ الدنيا سيفاً جديداً من غمده بحق القطاع القابع وحيداً تحت النيران الإسرائيلية. هذه المرّة أخذت المحاربة المصريّة بعداً ناعماً ظاهريّاً، لكنّها ضمنيّاً حملت رسالةً موغلةً في القسوة. إنه سيف الغذاء الذي ظنّت مصر أنّ بإمكانها تسليطه على رقاب الغزيين، لكنهم نجحوا مجدداً في قطع الطريق عليها.


تفجّرت هذه الحكاية مساء أول من أمس حين شحن الجيش المصريّ طروده الغذائية إلى غزّة عبر معبر رفح الحدودي. بعض الغزيين تنفسوا الصعداء بسماع هذا الخبر، فتخيل لهم أنهم على أعتاب مرحلة جديدة ستلتحم فيها علاقاتهم المشروخة والمتصدّعة بالنظام الرسمي، مع الشارع المصري، لكن حدث ما لم يكن وارداً في حسبان أحد.
المعونات التي كُتب عليها «مقدّمة من الشعب المصريّ» تالفة والحشرات تسكنها! صحيحٌ أن أهل غزّة لم يلهثوا وراء المواد التموينية رغم أن الفقر والعوز المادي يحتلّان قطاعهم تحديداً مع هذه الحرب التي ضيّقت الخناق عليهم، لكن هذا التجرؤ المصري على كرامتهم الآدمية عبر بوابة الغذاء خلق حالةً من السخط الشعبي الواسع في صفوفهم. حتى إنّ الغالبية رأت أن هذه الخطوة المصريّة أسوأ ما كان في جعبة الهدنة الإنسانية التي طلبتها الأمم المتحدة من الاحتلال الإسرائيلي وامتدت لخمس ساعات.
في الوقت نفسه، دعت مجموعات شبابية أخرى النظام المصريّ إلى وصد بوابة معبر رفح بمتاريس ثقيلة ضمن خطوة احتجاجية على محاولة تصوير أهل غزّة كمتسولين يرابطون على المعبر لاستقبال المعونات بحفاوة ويسيل لعابهم عند رؤيتها، وإن كانت دون مستوى الجودة المطلوب.
لا يمكن قراءة أبعاد هذه الخطوة بمعزل عن وسائل الإعلام المصرية التي تبتدع أساليب جديدةً في شحن عواطف الشارع على نحو سلبي وتجييشه ضد غزّة كأنه معقل مركزي لعدوّ بلاده اللدود، حركة «حماس»، ولا تنفكّ عن توجيه أصابع الاتهام ضدها بقتل ستة عشر من جنودها العام الماضي دون دلائل، فضلاً عن اتهامها بابتعاث الآلاف من عناصر كتائب القسام لتزويد جماعة «الإخوان المسلمون» المحظورة بالإمدادات العسكرية اللازمة.
كذلك، يستحيل فصل هذه الحالة عن الدور المحوري للنظام المصري الذي أدى إلى انزلاق الأوضاع الإنسانيّة للقطاع نحو الهاوية منذ إزاحة الرئيس محمد مرسي عن الحكم، وهو ما تجلّت مظاهره في قطع شريان الحياة عنه واتّباع أسلوب القطارة في السماح لسكانه باجتياز حدوده معه.
حتى على صعيد وساطات التهدئة بين الاحتلال وفصائل المقاومة، برزت مصر مصطفّةً إلى جانب الأول، ولم تكن وسيطاً يدفع باتجاه تحسين شروط التهدئة لتتناغم مع الثمن الذي دفعه القطاع خلال هذه الأيام العصيبة، لدرجة أنها حمّلت «حماس» مسؤولية ارتفاع وتيرة العمليات العسكرية وشنّ الاحتلال حربه البريّة.
كلّ ما سبق كان من شأنه أن ينتج بيئةً خصبةً لمزيدٍ من المظاهر العدائية ضد الغزيين التي كان آخرها المعونات الفاسدة. كسرت هذه القضية كلّ المقاييس، وأبطلت الحدّ الأدنى من مبادئ احترام الإنسانية، ولا سيما أن المعونات خُصصت لوزارة الشؤون الاجتماعية حتى تتكفّل بها وتوزعها على النازحين والحالات الصعبة التي يتعذّر عليها توفير هذه الاحتياجات الأساسيّة.
ويقول وكيل الوزارة، عمر الدربي: «لم نتوقّع أن تكون المساعدات التي شملت 500 طن من الأدوية والمواد الغذائية بهذا المستوى من التلف والفساد، ومع ذلك اضطررنا إلى أن نستصلح منها ما يمكن، لسد بعض الاحتياجات في ظل العجز التمويني الهائل»، موضحاً أن حجم الطرد الغذائي كان صغيراً، «ويتضمّن 7 كيلوغرامات من السكر والشاي والعدس والمعكرونة».
وأبدى الدربي في حديثه مع «الأخبار» استهجانه الكبير جراء هذا التصرّف الذي ينمّ عن «تشفٍّ غير مسبوق بأهل القطاع بعد أن وصلت أبلستهم عبر الماكينات الإعلامية المصريّة إلى الذروة». ورغم توجيه النظام المصري سهام كرهه إلى «حماس»، فإن الأخيرة حاولت التكتّم على الموضوع بإقصائه عن العين الإعلاميّة. لكنّ بعض العاملين من الشباب في عملية نقل هذه المساعدات الإنسانية الطارئة سرّبوا صوراً ومقاطع فيديو توثّق مظاهر تلف تلك المعونات، وسرعان ما تداولها الفلسطينيون على مواقع التواصل الاجتماعي.


فضلت «حماس»
التكتّم على قضية المساعدات الفاسدة

من جهتها، لم تُقدم المؤسسات الحقوقيّة المحليّة على إصدار بيانات في هذا الخصوص، لكن مدير المركز الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، رامي عبده، لفت إلى أنّ حجم انتهاكات الاحتلال في القطاع خطف الأضواء من التصرّف المصري. وأضاف عبده: «بعض الحقوقيين تعتريهم الخشية من التعرّض لمصر، لأن بإمكانها إدراجهم على القائمة السوداء ومنعهم من السفر».
أيضاً أرخى التطوّر النوعي في أداء فصائل المقاومة بظلاله على قضية المعونات الفاسدة، إذ شعر الغزّيون بأن المقاومة عوّضتهم عن الحصار السياسي والجغرافي المرّ طوال هذه السنوات وأشبعتهم كرامةً لا نظير لها. ويقول المواطن كريم أبو ضاحي بلهجته المحكيّة: «ما حد بيموت من قلة الأكل. الجوع بس من الكرامة. إحنا شبعانين وبنوزع كمان على أي حد ناقصه كرامة. المقاومة رفعت راسنا». وتساءل أبو ضاحي باستنكار: «شو منتظرين من نظام بتعامل مع شعبه ومعارضينه كمواطنين درجة تانية؟ أكيد مش رح نكون عنده أحسن». وهو الأمر نفسه الذي ذهبت إليه سامية أبو ندى التي قالت إن النظام المصري «نجح إلى حد كبير في تخدير شارعه وحرفه عن البوصلة المركزية»، مضيفة: «هناك فرق شاسع بين حالة الإسناد الشعبي المصري لغزّة عام 2012 وهذه المرّة، وما يؤكد ذلك التظاهرات المصرية الخجولة التي لا تتوافق مع معاناة الغزيين».
في المقابل، سارعت الصحف والمواقع الإخبارية المصرية إلى إنكار الخبر عبر الاستعانة بما قالت إنه بيان من الرئاسة الفلسطينية في رام الله ينفي أن المساعدات فاسدة ويقول إنها «حملة تشويه وتشكيك تشنها بعض الجهات المشبوهة ضد الشعب والجيش المصريين اللذين قدما المساعدات من قوتهما ودوائهما». ونقلت عن ناطق باسم الرئاسة قوله: «إننا نعرف كل المعرفة أن هذه المساعدات المصرية هي جزء من التجهيزات التي كانت تعدها القوات المسلحة المصرية لتوزيعها في منافذ التوزيع على الشعب المصري داخل مصر بمناسبة شهر رمضان، وهي حديثة التجهيز والتخزين وبالنوعية نفسها التي يستهلكها المصريون».