غزة | المعركة البرية هي المعنى الحقيقي للحرب، ولا سيما إذا اعتمد الطرفان فيها على عنصر الاشتباك المباشر. لكن للمقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي في غزة مآرب مختلفة، فالمقاومة غايتها بعد إيقاع الخسائر في العدو أن تحقق عملية أسر للجنود، في حين أن شغل إسرائيل الشاغل على المستوى العسكري هو تدمير الأنفاق الأرضية ومحاولة منع إطلاق الصواريخ كما توضح توجيهات قيادتها السياسية والعسكرية التي تدير المعركة من خلف شاشات الحاسوب والخريطة الميدانية. بالحديث عن الخريطة الميدانية، فإن لدى المقاومة تكتيكاتها وحساباتها الخاصة في التعامل مع الواقع الميداني، وخاصة أنها استحدثت نظاماً من الأنفاق الأرضية الداخلية المزودة بما يلزم للصمود لأشهر، إضافة إلى شبكة اتصالات خاصة، وأخرى استراتيجية خلف «خطوط العدو»، وفق تأكيد مصادر ميدانية.


ما جرى من بعد إعلان العملية المحدودة يمكن وصفه بأنه جسّ نبض وضغط نفسي وسياسي على المقاومة وجمهورها؛ ففي الليلة الأولى، لم تجر أي محاولات اقتحام واسعة كما كان متوقعاً مع الأخبار الواردة بتجنيد 18 ألفاً آخرين من جنود الاحتياط في الجيش الإسرائيلي. كل ما جرى دخول من ثلاثة محاور شمال القطاع (بيت لاهيا وبيت حانون) والجنوب (مطار رفح المدمر)، وأخرى في المنطقة الوسطى. أما وحدات الرصد الميدانية التابعة للأذرع العسكرية، فتقول إن تحركات الآليات تلك الليلة على تخوم القطاع لم تتغير بصورة توحي بعملية واسعة كما جرت العادة في الاحتياجات البرية خلال السنوات الماضية.
ورصد أمس اشتداد القصف براً وبحراً وجواً خلال هذه التوغلات الموضعية، فلا يمكن التفكير في أن إسرائيل تريد تنفيذ عمليتها البرية في غزة، بعيداً عن نيران المدفعية المستمر ووهج البالونات الحرارية ليلاً، وهو أمر في منتهى التعقيد، في ضوء إعداد المقاومة شبكة أنفاق أقرب في شكلها إلى شبكة العنكبوت، ما دعا بعض وسائل الإعلام إلى وصف المعركة بأنها «حرب أشباح لا يرى فيها من يطلق النار ومن أين»، وفق المصادر نفسها.
وتؤكد المصادر التي تحفظت عن هويتها، أن المقاومة منذ سنوات وهي تعدّ نفسها لهذه المرحلة المتقدمة من المواجهة، «على صعيد التكتيك أو المباغتة أو حتى إعداد الكمائن»، مشيرة إلى أن بيئة غزة المكتظة بالسكان لن تسعف الاحتلال في التحول من عملية محدودة إلى الدخول في قلب المدينة.
ويقرأ مراقبون عسكريون في إعلان إسرائيل أن عمليتها محدودة وستستمر من أسبوع إلى عشرة أيام، وأن «الاحتلال يدرك تماماً صعوبة الطبيعة الجغرافية في القطاع واستحالة انجراره إلى حرب شوارع داخل المدن والمخيمات». ما يزيد الأمور تعقيداً على الاحتلال، وفق هؤلاء المراقبين، أن القاطنين في المناطق الحدودية رفضوا مغادرة منازلهم استجابة للمنشورات التي ألقتها الطائرات الحربية منذ أيام، وهو ما سيصعّب على الجيش الإسرائيلي التعامل مع الميدان كأرض محروقة.
وتعود المصادر الميدانية لتقول لـ«الأخبار» إن تماسك الجبهة الداخلية في غزة وصمود السكان بغض النظر عن إخلاء الحالات الإنسانية بعض المنازل «جزء مهم من مواجهة الاحتلال الذي يرمي إلى تدمير البيوت وإجراء عمليات تجريف واسعة في ما يشبه سياسة الأرض المحروقة التي يستخدمها لتنظيف المساحات أمامه حتى يتمكن من تحديد الأنفاق واكتشافها».
ما قالته المصادر يتقاطع مع ما صرح به قائد جيش الاحتلال، بني غانتس، الذي قال إن هدف عمليته في هذه المرحلة «السيطرة على مناطق لنتمكن من كشف الأنفاق». لهذا شددت المقاومة على ضرورة أن يصمد الناس قدر المستطاع، في حين أنها تتوكل حتى جبهات متقدمة بتوجيه ضربات إلى الاحتلال وإيقاع الخسائر في جنوده.
ويفسر العميد العسكري المتقاعد، يوسف الشرقاوي، لجوء جيش الاحتلال إلى الحرب البرية بناءً على إخفاق سلاح الجو في حسم المعركة، وخاصة إطلاق الصواريخ، مؤكداً أن هذا القرار «قد يجعله يدفع ثمناً أكبر مما كانت عليه الحال خلال الأيام العشرة الأولى من الحرب». ويتوقع الشرقاوي، في إطار تعليقه لـ«الأخبار» على بدء العملية، أن «الاحتلال لن ينجح في تحقيق أهدافه المعلنة والمتعلقة بالقضاء على الأنفاق، أو حتى الخفية ذات الصلة بالقضاء على المقاومة في ظل ساحة عمل تبلغ مساحتها 365 كلم مربع، ويقطنه نحو مليوني نسمة».
ومضى يقول: «الاحتلال يخشى كثيراً الكثافة السكانية التي تحول بينه وبين تحقيق إنجازات على الأرض»، لكنه لم يسقط في الوقت نفسه إحراز إسرائيل تقدماً نوعياً من البر والبحر «حتى تحاول أن تصنع نصراً على المقاومة».
بالإشارة إلى المناطق الحدودية التي من المقرر أن يتعامل معها الاحتلال، يرى الشرقاوي أن الأرض المفتوحة لا تمثل معركة حقيقية، لكنه عوّل على أن يكون أحد طرفي النفق (الهدف) في الأرض المفتوحة، «لذلك يمكن المقاومة تحقيق عملية أسر». أما عن عمر العملية، فهو ربطها بعوامل النجاح والإخفاق بالنسبة إلى الاحتلال، «وخاصة إن كان المقصود بالعملية البرية هو الوضع القائم، أي الاعتماد على القذائف المدفعية وسلاح الجو بعيداً لتغطية التوغل المحدود (عملية توغل بالنار)».
وحتى كتابة التقرير، ظهر أن المقاومة استعملت أسلوب الكمائن (العبوات) الذي أوقع قتيلاً وأربعة إصابات في جنود الاحتلال أمس خلال توغلهم في بيت لاهيا (شمال)، وفق اعتراف إسرائيلي. وأعلنت المقاومة استهدافها جندياً جنوبي القطاع بعد قنصه من على ظهر دبابته.
ومن وجهة نظر الخبير في الشأن الإسرائيلي صالح النعامي، تهدف إسرائيل من وراء عمليتها البرية إلى دفع حركة «حماس» وباقي الفصائل نحو الموافقة على المبادرة المصرية في الجانب السياسي، وعسكرياً «تقليص قدرة الحركة على إطلاق الصواريخ».
ووفق تقديرات النعامي الذي تحدث لـ«الأخبار»، فإن الجيش الإسرائيلي يرمي إلى ممارسة ضغط على المقاومة يمكن أن يشغلها عن إطلاق الصواريخ، «ثم تتفرغ لتحديد أماكن الأنفاق التي يبدو أن بعضها معروف للاحتلال وأخرى يبحث عنها». وأوضح أيضاً أن الاحتلال يتطلع إلى اعتقال عناصر من المقاومة والتحقيق معهم لجلب معلومات تفيده «بمشاركة وحدات خاصة إلى جانب سلاح البحرية».
كذلك، ذكر أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، اختار «أسهل الطرق للتعامل مع غزة، وهي استهداف الأنفاق، لذلك لن يكون مطلوباً من جيشه التوغل في المناطق السكنية والتعرض للمخاطر»، لافتاً إلى أن العملية البرية تأتي تحت ضغط اليمين الإسرائيلي «لتحسين صورة نتنياهو التي تآكلت كثيراً».
يشار إلى أن المحلل السياسي والأمني في صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، رون بن يشاي، قال إن العملية البرية تهدف إلى تحقيق ثلاثة أمور: زيادة الضغط على «حماس» من أجل الموافقة على اتفاق وقف النار، وثانياً تقليص عمليات إطلاق الصواريخ نحو إسرائيل بالضغط المتواصل على أفراد «حماس» الذين سيضطرون إلى الفرار بدلاً من انشغالهم في إطلاق الصواريخ، والأمر الثالث يتعلق بالبحث عن الأنفاق استناداً إلى تقديرات الشاباك والاستخبارات العسكرية.