تنتظر رزان فرحات على رصيف من الأرصفة المكتظة بالسيارات هنا في ساحة النجمة في صيدا. تضطر الطالبة التي التحقت بجامعة في بيروت، أحياناً، الى الوقوف في وسط الطريق، حيث السيارات المسرعة تخرج من كل حدب وصوب. يصل «الصاوي زنتوت»، أي الباص التابع لـ«مؤسسة أحمد الصاوي زنتوت» (وليس كما يظن البعض أنهما شخصان شريكان) التي تعمل على خط صيدا _ بيروت منذ أكثر من 60 عاماً.


تنتظر رزان تحت أشعة الشمس صيفاً والأمطار شتاءً باص الإكسبرس، وهو باص لا يتوقف على طول خط أوتوستراد صيدا _ بيروت إلّا في محطتي انطلاقه ووصوله.
تصعد الفتاة على متن باص تآكله الصدأ لغياب الصيانة. فتدفع للسائق 2500 ليرة قبل أن تستقر في مقعدٍ مهترئ لم يبق من فرشه سوى قطعة قماش، بالكاد تغطّي الحديد تحتها. وبعد أن يمتلئ الباص بالركّاب تبدأ الرحلة باتجاه بيروت.
يعتز «الصاوي زنتوت» بتقديم خدمات التكييف، ولكن رزان كغيرها تقول إن المكيفات غير صالحة للعمل معظم أيام فصل الصيف. «بالصيفية منفطس وبالشتوية منتحمم». تقول الفتاة العشرينية، ففي الشتاء الأمطار تتسرب عبر ثغر في السقف والنوافذ غير الضابطة «لدرجة لازم افتح الشمسية أنا وقاعدة جوات الباص!».


هناك الكثير ممن «يتكّسون» على هذا الخط وخاصة بعد تغييب النقل المشترك

وباص الزنتوت، أكل الدهر عليه وشرب، هكذا على الركاب أن يصبروا في المرات الكثيرة التي يتعطل فيها هذا الباص، «لأن الدواليب صرلن 100 سنة عم يعانوا بالنزلة والطلعة»، يقول محمد، الطالب الذي يضطر إلى استخدام هذا الباص.
يتوقف الباص في محطته الاعتيادية في ساحة الكولا. تترجل رزان هناك، وتقف على حافة الطريق لتستقل «سرفيس» الى جامعتها في منطقة الحمرا. «إنت وحظك حتى تلاقي سرفيس يقبل بألفي ليرة» ربما بسبب الزحمة المخيفة التي تعرف بها هذه المنطقة.
تدفع رزان ألفي ليرة أو أربعة آلاف أحياناً لتصل... متأخرة طبعاً. «يعني بدفع حوالى 11 ألف ليرة وسطياً كل يوم. ويا ريت منكون مرتاحين».
لدى الصاوي زنتوت أكثر من 250 باصاً تعمل على عدة خطوط. أكثر من 100 باص تنطلق كل 20 أو 30 دقيقة من صيدا الى بيروت، وهي نوعان: اكسبرس لا يتوقف إلّا عند محطتي الانطلاق والوصول، وباصات متكررة التوقف تنفث خلفها سحابة دخان أسود. أما من مجدليون الى جزّين، فباصات الخط تنطلق كل 30 دقيقة. هناك أيضاً باص من صيدا الى شرحبيل المجاورة، وباصات أخرى تسير في معظم طرقات بيروت وضواحيها كالحمرا والضاحية والمرفأ والسوديكو، كما أنه يشغل باصاته على خطوط بيروت/ جبيل وبيروت/ عاليه.
قبل الحرب الأهلية، كان الزنتوت يعمل فقط على خط بيروت _ الجنوب... أمّا اليوم فتُعتبر الشركة من أكبر الشركات المشغلة لليد العاملة الصيداوية.
ولا تتوقف استباحة خطوط النقل المشترك على الصاوي زنتوت، فهناك الكثير من الأشخاص الذين «يتكّسون» على هذا الخط وخاصة بعد تغييب النقل المشترك العام. إلا أن خط صيدا _ الدبية يعاني من احتكار الصاوي زنتوت. هكذا، يتأفف عماد، وهو طالب هندسة في الجامعة العربية في الدبّية من دفع 3500 ليرة لبنانية صباحاً ومثلها مساءً للصاوي زنتوت خمسة أيام في الأسبوع. ولكن أليس هناك من باصات أخرى؟ يؤكد الطالب وزملاؤه أن السبب هو «اتفاق مع الجامعة العربية في الدبيّة، إذ إن الجامعة لا تسمح إلا لباصات الزنتوت بدخول حرم الجامعة»!
«هيدا اسمو احتكار. يعني 35 ألف ليرة بالأسبوع للزنتوت بس مواصلات. بعد لا أكلنا ولا شربنا... الجامعة والزنتوت عاملين اتفاق على حساب الطلاب. حاطين تعرفة على ذوقهم بلا حسيب ولا رقيب» يقول عماد بنبرة يملأها الغضب. لكن، وباتصال مع الجامعة العربية، أكّد عصام قيسي، وهو المعني بالملف، أن بين الجامعة ومؤسسات الصاوي زنتوت اتفاقاً يسمح فقط لباصات الزنتوت بدخول حرم الجامعة ونقل الطلّاب، وليس على قيمة التعرفة!
أما خط صيدا _ صور، فلديه حكاية خاصة. كان الزنتوت يعمل على خط صيدا _ صور بكثافة في الماضي، لكنه تعرّض لـ«مضايقات» كما قال من أهالي صور وضواحيها، فقررت الشركة حصر العمل على هذا الخط بباص أو باصين فقط.
في صيدا، لا يواجه الزنتوت منافسة حقيقية من قطاع النقل المشترك. أصحاب الفانات والحافلات الأخرى لا يملكون قدراته المالية أو نفوذ أصدقائه وشركائه. فالقنصل الفخري لجمايكا أحمد الزنتوت لديه نفوذ في صيدا وكل لبنان.
وماذا عن جحش الدولة؟ «مبلى... بعتقد في!» بهذا يجيب أحد المارة عمّا إذا كان هناك من باص تابع للدولة. الإجابة معبرة بحيرتها وعدم تأكدها. «بعتقد... مش مأكّدة. تقول إحدى السيدات وهي تحاول التفكير كمن يتذكر شيئاً من الماضي السحيق! ثم تضيف «ليكي اسألي حدا غيري أضمن». «ليه في باصات للدولة بالأول؟». بهذا السؤال المعبر يجيب أحد الصيداويين الواقفين بانتظار حافلة الصاوي زنتوت. مضيفاً «ما في. من الأساس ما في!».
على «دوّار العربي»، مقابل السرايا في صيدا، وفي زاوية نائية يقف باص الدولة... خالياً، وحيداً، مهمشاً لا يقرب الركاب ولا يقربونه.
عند سؤال سائقه عن سبب وجوده في هذه «القرنة» المخفية لم يعط جواباً. اكتفى بمراقصة كفيه، إشارة الى أنه ليس بيده شيء. فالنقل المشترك الخاص يحتل النقل المشترك العام بتغطية وتواطؤ من وزراء عدة تعاقبوا على وزارة النقل. تركيبة ذات أبعاد طائفية ومذهبية وسياسية تحرص على تهميش قطاع النقل العام منذ ما قبل الحرب الأهلية حتى يومنا هذا.
هكذا، وفي ظل غياب قرار جدّي بتوفير مواصلات تربط المناطق اللبنانية كافة، وتعمل على الخطوط الداخلية التي تربط الجامعات في بيروت بالمدن والمحافظات المجاورة، سيظل النقل المشترك المخصص بالأمر الواقع، من أكبر الأعباء على المواطن اللبناني.