“مش الحق على المواطن، الحق على الدولة اللي بتسمح للناس بالعمل من دون نمرة” يقول أبو علي شعيتو المسؤول عن موقف الفانات الشهير عند السفارة الكويتية والذي وجدناه هناك مرتاحاً الى مقعده الذي يراقب منه حركة فاناته. فانات السفارة الكويتية تسيّر خطوطاً الى صور، النبطية، صيدا وبنت جبيل. وقد يصل عددها في نهاية الأسبوع الى مئتي فان باليوم.


يقول شعيتو إن الموقف منظم وتابع لنقابة السائقين العموميين «بس يصير في مشكلة، منروح لعند الحاج بسام طليس رئيس اتحادات السائقين العموميين، هوي يلي مأمنلنا الموقف». ينطلق الفان بعدما اكتمل عدد ركابه. ما إن ينطلق حتى يستل شعيتو هاتفه ويرسل على ما يبدو إشارة لفان آخر ليحل محله. دقائق ويصل الفان الآخر ليركن مكان الذي غادر. «شفتي! كل شي منظم، يصرخ أحد السائقين وهو يشير الى الفان الأبيض». «على مهلك هالمرة ايه؟» يصيح أحد الركاب بالسائق ويرمقه بنظرة تتأرجح بين الغضب والتعب. فلطالما تذمر ركاب الفانات من سرعتها. إلا أنه بالرغم من تأفف الركاب، فإنهم لا يستغنون عن الفان، الذي يحل بسعر تعرفته وأماكن خدمته محل النقل العام المشترك.
هكذا، تقول خديجة، التي تضطر للمجيء الى بيروت من النبطية ثلاث مرات أسبوعياً على الأقل، بينما كانت تنفض الغبار عن بنطالها، «صحيح بيسوقوا بسرعة، بس الواحد يدفع 5 آلاف ليرة أحسن من عشرة... بتصير كسرة».
يؤكد أبو على مسؤوليته والسائق عن ركاب فانات هذا الموقف. فإذا تعرض أحدهم للمضايقة، وخاصة الفتيات «فالموضوع ما بيمرق هيك»، يقول منفعلاً.
يعتبر سائقو الفانات أن النقل العام المشترك لا يستطيع تلبية حاجات المواطنين. أما بقية النقل العام، فكل خط «محسوب على ناس»، يقول ذلك رافعاً حاجبيه مستدرجاً تواطؤنا. يستذكر أبو علي أنه في الماضي كانت «شركة زنتوت» لا تسمح لباص الدولة بالوصول الى صيدا، مضيفاً على طريقة اللبنانيين المستقيلين من مسؤوليات مواطنيتهم «كلها مصالح سياسية».


على الرغم من تأفف
الركاب، إلا أنهم لا يستغنون عن الفان الصاعد الى البقاع

غالباً ما تحصل مشادات بين سائقي الفانات في الموقف نفسه بسبب النزاع على الركاب «هيدا شي عادي» بالنسبة للسائقين، إذ إنهم يستغربون سؤالاً من هذا النوع. ينفي أبو علي حصول أي عراك على الطريق بين فاناته. ويشير الى ان الوضع في مناطق أخرى ليس مشابهاً «مثل فان رقم ٤ إذا فان دوبل عن فان بينزل بيكسرلو اياه». مشيراً الى أن ذلك الفان معروف لأي عائلة أو عشيرة يتبع.
في ظل الأوضاع الأمنية والسياسية الحالية، هناك خوف دائم لدى المواطنين من الفانات «المفروزة» مناطقياً، وخاصة بعد نبأ التعدي على فانات بعينها نظراً إلى غالبية ركابها المذهبية في طرابلس أو بيروت. ولكن ذلك لم يمنع الناس من ركوبها، ما يثبت أن المصلحة الاقتصادية فوق كل اعتبار. كما أن هناك اجراءات أمنية يتخذها أصحاب الفانات في محاولة لحماية أنفسهم وركابهم من الانتحاريين! «بالنقابة ما حدا عم يطلب أنو نفتّش... بس نحنا أكيد عم نفتش كل واحد قبل ما يطلع» يضيف أبو علي.
وعند سؤاله عما إذا كان موقف المشرفية تابعاً للجهة نفسها التي يتبع لها موقف السفارة، يأخذ الرجل الخمسيني نفساً عميقاً، ثم يبتسم قائلاً «هونيك غير شي. هونيك حارة كل مين إيدو إلو»!
تتعالى صيحات الركاب في موقف المشرفية/ الهرمل «يلا عجل... الطريق طويلة. بدنا نوصل قبل الليل» .
«القصة مش قصة الحق على الدولة، أصلاً عنا ما في دولة! نحنا دولة لحالنا فوق!»، يقول أحد سائقي الفانات الجالس على الرصيف وبيده نبريش نرجيلة يلوّح به يميناً وشمالاً. المسؤول عن الموقف هو من آل زعيتر، لكنه حالياً مسافر «ما مننصحك تشوفي المسؤول اللي مستلم بغيابو (يبتسم) لأنو بيحب النسوان كتير!» يقول ضاحكاً وهو يتغامز مع سائق آخر يجلس بجانبه. لكنه يستدرك «بس إذا بنت تعرضت لمضايقة لا سمح الله بالفان من أحد الركاب بنزلو بنص الطريق وبمشي». طبعاً لم يتحدث عن نفسه!
«أكثر من نص الفانات الي عم تشتغل بلبنان مش قانونية... الدولة مش عم تحمي حقوقنا. فكل واحد بياخد حقو بإيدو» يقول السائق المسؤول في الموقف ويأخذ «شفطة» من النرجيلة، بينما يضحك السائق الجالس بجانبه. لا ينكر سائقو المشرفية أنهم ينتمون الى نقابة، الا أنهم يؤكدون أن النقابة لا تفيدهم بشيء «بس بتجدد الدفاتر وبتاخد المصريات» يقول وهو يفرك السبابة بالوسطى. «صفر على الشمال لا بتقدم ولا بتأخر» يضيف.
هناك بطاقات تلصق على مقدمة الفان، خصصتها الدولة لمساعدة الراكب على التمييز بين الفان المرخص والفان غير القانوني. «هوهووووو... هودي من زمان عم نعمل متلهم! لك هودي بيطلعو دغري!» يقول ضاحكاً على طريقة الشبيحة. ثم يضيف «عم قلك نحنا دولة مستقلة فوق!». أما بالنسبة لمخالفاتهم القانونية والسؤال عن التزامهم بقوانين الدولة: «تلفولنا الحشيشة وما عطونا بديل. شو؟ منموت من الجوع؟!»
«الباص أوفر من غيرو. مش بالضرورة أريح، بس أوفر» يقول حسين الذي يصعد مرة على الأقل الى بريتال كل أسبوع بـ ٥ آلاف ليرة. لا يذكر حسين أي إشكال قد يكون حصل بين فانات على الطريق «أنا بروح كل نهاية أسبوع على بريتال، بيتخانقوا على الراكب مش أكتر». يشير سائقو الفانات الى ان الركاب أصبحوا يعرفونهم ويقصدونهم بشكل خاص.
من المتعارف عليه ان الباصات المتجهة نحو البقاع تتميز بمكبرات الصوت وتشغيل الأغاني الشعبية مثل أغاني علي الديك ونعيم الشيخ. «الركاب الرايحين الى البقاع وخاصة بعلبك بينبسطوا بهالأغاني، بس مش كل العالم مثل بعضها». تقول راكبة تذهب الى البقاع مرة في الأسبوع. وتتابع «أنا ما بحبها. بس شو بدي إعمل؟». يعتبر السائقون أن هذه الأغاني هي جزء من «الجو اللي بيحبوه أهل البقاع. ما نكذب على بعض. كل واحد ابن بيئتو، مش بس بالأغاني والرقص حتى بس بدو يدافع عن حقو، بيوقف مع ابن منطقتو»، يقول السائق.
“نحنا مش ضد انو الدولة تفرض سيطرتها، بس مش بس علينا! ناس بسمنة وناس بزيت” يقول احد السائقين. يؤكد مسوؤل الموقف ان كل السائقين على خط البقاع من هذا الموقف لبنانيون فقط. ويضيف هازئاً: «مش ناقصنا الا السوري»!