لا يتوجّه الى موقف «البص» في صور إلا من يريد النزول الى بيروت أو صيدا. لذلك عندما تصل الى الموقف، يتقاطر السائقون والمنادون ليشكلوا حلقة حولك، متسائلين عن وجهتك. قد تجيبهم أنك لا تريد الذهاب الى أي مكان، فينصرفون عنك دون عيونهم التي تبقى تلاحقك متسائلة عن غايتك الى أن تغيب.

خبرية السائق الذي «أكل قتلة» لأنه تجرأ وأقلّ زبوناً من أمام الموقف ليست وحيدة. «التعليمة» يعرفها الجميع. فكل «قتلة» يتعرض لها سائق «متطفل»، أي لا يدفع «المعلوم» للمافيا، هي بمثابة «درس» للبقية.

يصرخ رجل خمسيني ممتلئ يضع نظارات شمسية، طالباً من السائقين أن يقتربوا صوبه ليستطيع المشاركة في الحديث... كيف لا وهو المسؤول هنا بغياب «البوس» (المعلم) بلال فرج.
«بأمرك ديب» يجيبونه جماعة. عند طرح الأسئلة الحسّاسة، كالسؤال عن إمكانية دخول سائق عمومي الى الموقف وأخذ دور على اللائحة أو عمن يحدد إذا كان الموقف يستوعب أم لا؟ يرمقك ديب بنظرة ماكرة تستخف بمحاولتنا «التسلل» الى أسرار المهنة، ثم يقول «الشوفيرية مش مخوّلين يحكوا عن الموقف، خلي المسؤول عن الموقف يحكيكي». ثم يلتفت الى السائقين ويقول لهم «مين معو رقم بلال فرج». وكأنه قال لهم افرنقعوا»! يبتعد السائقون عنك فتبقى وحيداً لا ترافقك إلا رائحة «المشاوي» المنبعثة من الملاحم المجاورة، مختلطة بروائح المازوت وأصوات تلعلع بأغاني المرحلة من نوع «تيرش رش».
يعود ديب، فتظن أنه الفرج، وإذ يعطيك رقماً تكتشف بمجرد تجريبه أنه غلط. محاولة «التذاكي» هذه من نائب المسؤول عن الموقف، لا تذكر إلا بمعشر النواب! فهو ليس إلا شرطياً في... مجلسنا الكريم!
نعم. الشرطي في مجلس النواب يملك فانين في موقف البصّ، فهو من رجال بلال فرج، «صاحب» الموقف الأساسي والذي ينوب عنه في إدارته خلال الأيام التي لا «يخدم» فيها. فالموقف «كالبيت، لا يُترك بدون رقيب» هذا ما يقوله أسامة، وهو «المناوب» الآخر لإدارة الموقف. للأمانة، فإن الشاب الضخم يبدو لطيفاً، على عكس ما يوحي به مظهره. يدعوك «ذراع فرج» الى «النسكافيه» في قهوة الموقف ويبدو متجاوباً. «البلدية مش هبلة، البلدية بتعرف مين بدها توكّل، حدا يكون إلو هيبة على الشوفيرية ويعملولو حساب». وعلى الرغم من أن «هذا الموقف يُدار بعلم البلدية» حسب ما يؤكد رئيسها حسن دبوق، إلا أنها (البلدية) لا تحصل على أي إيرادات منه، باعتراف دبوق نفسه الذي «يلتقي» وأسامة على «تنميق» المصطلحات لإقناعك بأن فرج «أهل» لإدارة الموقف. فكما يحدثك أسامة عن محاسن الرجل الذي يملك «مونة» على السائقين «لأنه يتوسط لهم عند الدركي كي لا يحرر لهم ضبوطة»، يقول دبوق إن «الجماعة عم يريحوني من موظفين»، مشيراً الى أن «عيون» البلدية تراقب الموقف من بعيد وأنه «يدار بعلمها الى حين انتهاء وضع خطة كاملة تلزم السائقين بالانتساب إليها». لا تخلو «لهجة» دبوق من الحدة والانفعالية عند سؤالك إياه تفاصيل عن الرسوم وعن رخصة الموقف، يجيبك أن «موقف البص يحتاج الى قرار بمستوى أمني»، ويستطرد أن «البلد فيها قضايا أهم وأكبر»!
إذاً، بلال لا «يمون» على السائقين وعلى «الدركي» فحسب، بل «يمون» على البلدية أيضاً! والحقيقة أن هذه «المونة» تأتي من تهديد بلال للدركي «بنقله» تأديبياً إذا ما حرر ضبطاً لأي فان عمومي يقف أمام دوار البص ولا يعمل في الموقف. أما هيبته على السائقين فيعززها السلاح «المرخّص». أما مونة البلدية فيصعب معرفة سببها!

«خوّات» و«صلبطة»

يضمّ موقف البص أكثر من 60 فاناً، 32 فاناً لها الأولوية على باقي الفانات، إذ يحق لسائقيها «المدعومين»، وهم غالباً أقرباء فرج من إخوته وأقارب زوجته وغيرهم، عدم الالتزام باللائحة وانتظار أدوارهم». «الساعة اللي بيوصلوا فيها بيعبوا»، في الوقت الذي يضطر فيه غيرهم الى الانتظار ساعات كي يحين دورهم، وفي كثير من الأحيان يعود بعضهم الى بيوتهم من دون أن يصلهم الدور.
يُفرض على كل فان دفع خمسة آلاف ليرة عند انطلاقه من الموقف، أما في الأيام التي يكثر فيها الركاب كيوم الاثنين فإن السائق (سواء كان مستأجراً أو مالكاً للفان) يدفع 30 ألف ليرة... فضلاً عن بعض السائقين غير المُرضى عنهم الذين يضطرون الى دفع 20 ألفاً في الأيام العادية. إلا أن «البلطجة» تبلغ أوجها في الاتفاق الذي يجري مع بعض السائقين ويتمثل بقيام السائق بنقلتين: الأولى لحساب فرج (70 ألفاً للنقلة)، أما النقلة الثانية فيأخذها السائق.
لا تقتصر أعمال «الصلبطة» على مشاركة السائقين رزقهم، بل على «اغتصاب» أرزاق الدولة والملك العام.

موقف السفارة وأملاك فرج

قبل مدّة، عمدت بلدية الغبيري الى إزالة كشك صغير على الكورنيش المقابل للسفارة الكويتية. كان يصطف الى جانب فانات صور. صاحب هذا الكشك كان يدفع 1000$ لفرج كرسم تأجيره الرصيف!! علماً بأن الرسم الذي تطلبه البلدية لتأجير مساحة ملك عام بحجم الكشك أو الكوخ «هو رسم ثانوي زهيد» حسب ما يؤكد رئيس البلدية محمد الخنسا. كما يؤكد الخنسا أن «البلدية لا ترخص موقفاً، بل تحدد عدد السيارات (الفانات) التي يسمح لها بالوقوف». وبالتالي، فإن البلدية لا تحصل على أي رسوم من الفانات. إذاً، لا يختلف المشهد في البص عن السفارة، فـ«الرّيس» واحد والمنهجية واحدة. وكما يسيطر فرج على الفانات التي تعمل على خط صور _ صيدا، يسيطر على تلك التي تعمل على خط بيروت _ بنت جبيل، ويحصل على 15 ألف ليرة لبنانية على كل نقلة عدا يوم الاثنين الذي يرتفع خلاله سعر «التعرفة»، فضلًا عن فرضه على سائقي النبطية إدراج دورين (فانين) في لائحة الانتظار يومياً، ويقوم بتأجير الدور للسائق بمليون و200 ألف ليرة شهرياً. وقاحة فرج لا تقف هنا، بل تصل الى هيمنته على عبّارة تحت جسر أبو الأسود واستثمارها كمزرعة صغيرة!
من يبحث في تاريخ الرجل، يسهل عليه مقارنة وضعه المادي حالياً بما كان عليه قبل عشر سنوات، عندما كان يساعد السائقين على «تجميع» الركاب، قبل أن يستولي بالقوة على موقف السفارة بمساعدة إخوته... لا يمكننا الحديث عن بلال فرج من دون الإشارة الى الجهة التي تحميه. الجميع يعرف أن «حركة أمل» تحميه، في حين أنك تسمع كلمة «أبو خشبة» من معظم من تسأله عن «السند» الذي يدعم فرج. أما السلاح المرخّص الذي يحمله بعض «الزعران» فمنه ما هو مرخّص لمرافقي بعض نواب «حركة أمل».




«موقف مي»

تتنقل بخفّة بين الفانات، تصرخ على سائق هنا وتؤدب آخر. «تجهد» في سحب الألف ليرة من كل فان يقف أمام «موقف أبيها». معظم السائقين يحبونها، يتأففون منها حيناً، لكنهم يضحكون معها أحياناً. مي قصاب (63 عاماً)، هي «الجدعة» التي تقف في وجه «الزعران» ممن استولوا على موقف «البص» والطامعين بالاستيلاء على الموقف الذي «ورثته» عن أبيها. «موقف مي» هو عبارة عن مجموعة مقاهٍ متراصة الى جانب الموقف الرئيسي، تتوقف أمام هذه المقاهي بعض «البوسطات»، فضلًا عن بعض الفانات التي «تسرق» الركاب خلسة تهرباً من ملل انتظار الدور في الموقف «الأساس». هذه «البوسطات» والفانات تشكل مصدر الرزق الوحيد للمرأة الستينية التي تعمد الى استيفاء «رسوم» من سائقيها. لذلك تراها «مستشرسة» في وجه «زعران فرج» الذين تعرّضوا لها مرات عدة، كان آخرها عندما أدخلوها المصح العقلي، لتخرج منه بعد إثبات التقارير الطبية سلامتها. «مرة فقعوني بالكرسي، مرة كسّرولي الأركيلة، ومرة رشوني بالبيض، ومرّة بقنينة الإطفائية»، تعدد مي «أفلامهم» من دون أن تأخذ نفساً بين الجملة والجملة، لكنها سرعان ما تستطرد «إي بس الفيلم إلو نهاية». ونهاية «الفيلم» كانت «مأسوية» على بعض الزعران، إذ عمدت مي الى إحراق «جيب» أحدهم وإلى تكسير زجاج بعض فاناتهم، أي أنها تحدثت إليهم بلغتهم. تحدثّك مي بلكنة لا تخلو من «الفخر» عن إمكانها دفع شر «الزعران» عنها. لا تفاجئك بصلابتها وبشجاعتها و«مونتها» على السائقين فحسب، بل يفاجئك جمال وجهها العصيّ على الزمن وعلى «السبعين قتلة اللي ماكليتها» كما تقول ساخرة. لا تجاعيد تذكر على بشرتها الشاحبة وعيناها لا تزالان حادتين، تماماً كمزاج صاحبتهما التي «تزعب الزعران بالعصاية» كما يقول الجيران. لا تصغي مي لمعارضة أبنائها نزولها الى الموقف، لا لأنها لا تريد الاتكال على أبنائها الشباب «اللي بدّن يأمّنوا حالن» فحسب، بل لأنها تعيل أيضاً أخاها المقعد. «تداوم» مي في الموقف منذ أكثر من عشرة أعوام، «بعدما تطلقت، ضاقت فيي الدنيا. مين بدو يعيّش هالولاد؟». وتضيف إنها لم تتعرّض للمضايقات إلا عندما تسلّمت الموقف «جماعة فرج الفجعانين». «بتعرفي قديش بيعملوا بالشهر؟» تسألك مي، «أكثر من 15 مليون ليرة» تجيب عنك، وتضيف «لأنهم مدعومون، ما حدا فيه ليهن»، «بس أنا طلعت خرجن» تستطرد ضاحكةً. تقول مي إنها كثيراً ما لجأت الى نواب «حركة أمل» كي تشتكي فرج و«زعرانه»، إلا أنهم رفضوا لقاءها.
«بدي اطلع عالتلفزيون» تقول مي، فهي تنوي أن «تفضحهم»، برأيها أن التلفزيون لا يعرف محسوبيات وكفيل بأن «يقبعهم من شروشن».
وحدها مي اليوم، استطاعت أن تقف في وجه فرج، بالرغم من أنها «أكلت نصيبها»، لم تخشَ «الكلاشن» ولا الضرب المبرح بخلاف عشرات السائقين الذين يكتفون يومياً بشتم «الزعران» سراً والدعاء لهم ولزعمائهم في وجوههم!