تدرك المقاومة الفلسطينية جيداً أن قطاع غزة المنهك منذ ثماني سنوات من الحصار الخانق، وثلاث حروب في ستة أعوام، لا يحتمل ألا يحصّل شروط الحياة اللازمة في هذه الحرب، وأنه لا مجال بعد عام أو أكثر لخوض مواجهة أخرى مع استمرار الاستنزاف. تحت هذه الرؤية تعمل الوفود الفلسطينية «المفاوضة» في القاهرة، لكنها تنافح أكثر من محور في المواجهة السياسية.


المحور الأول هو فلسطيني ويمثله خط التسوية السياسي، وعلى رأس هرمه رئيس السلطة محمود عباس الذي بكل تأكيد لا يخفي أنه يعارض إعطاء إنجازات ملموسة على يد غريمته «حماس»، حتى لو كان قد تصالح معها، لأنه عجز عملياً عن تحقيق جزء بسيط من الشروط التي تطالب بها الفصائل لتحسين الحياة في غزة، ويغلف ذلك بتمسكه بالمبادرة المصرية التي أعلنت قبل أيام على أنها «ممتازة ومنطقية».
الخط الثاني في المواجهة هو بين «حماس» و«مصر السيسي»، وإن حادت عنه بعض الفصائل فإن تأثيره واضح ويجعل من القاهرة في أحسن أحوالها ناقلاً لما تسلمه الوفود أكثر من كونها وسيطاً. أما الوجهة الثالثة فهي الأنظمة العربية والإسلامية التي تنقسم إلى قسمين: الأول متمثل في قطر وتركيا الداعمتين لغالبية مطالب «حماس»، ومن بعيد إيران التي بادر أمس رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني إلى الاتصال برئيس مكتبها السياسي خالد مشعل بمجرد إعلان إسرائيل الحرب البرية. لكن القسم الثاني المتمثل في غالبية الدول العربية، إن لم يكن على الحياد، فهو مع إتمام حصار غزة بل طحنها، إلى حدّ صارت فيه محامياً عن المطالب الإسرائيلية، ما دعا قيادياً في حركة الجهاد الإسلامي إلى وصف المشهد بالقول أمس إن «الأنظمة العربية باعت غزة».


عباس والسيسي
يؤكدان الانطلاق من بنود المبادرة التي رفضتها المقاومة


مصر تحمل
«حماس» مسؤولية إحباط مبادرتها
بمؤامرة قطرية
من خلال هذه المقاربة فقط يمكن فهم ما دار خلال المباحثات مع الطرف الأساسي في المواجهة العسكرية والسياسية، ألا وهو إسرائيل التي أعلنت حكومتها أمس قرارها بشن عملية برية محدودة الأهداف في غزة، بعد عشرة أيام من الحرب الجوية.
جاء ذلك عبر قرار من مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي قال إنه بأمر من «رئيس الوزراء ووزير الدفاع، على الجيش بدء عملية برية والدخول إلى قطاع غزة لتدمير الأنفاق التي تستخدم لأنشطة إرهابية» مع تعبئة آلاف جدد من قوات الاحتياط، ومطالبة سكان غزة بمغادرة الأماكن التي يقترب منها جيش الاحتلال، بعد أن دمّر الخطوط الرئيسية للكهرباء، ما أوقع 80% من القطاع في الظلام.
من الفور، ردّت فصائل المقاومة، وفي مقدمتها «حماس» التي قالت عبر المتحدث الرسمي باسمها، فوزي برهوم، إن «بدء الجيش الإسرائيلي هجوماً برياً على غزة هو خطوة خطيرة وغير محسوبة العواقب، وسيدفع ثمنها الاحتلال غالياً والحركة جاهزة للمواجهة». ورأت أن هذه الخطوة «من أجل ترميم حكومة الاحتلال معنويات جنودها وقيادتها العسكرية المنهارة جراء ضربات المقاومة النوعية والمتواصلة».
لكن كيف تفاقمت الأحداث ووصلت إلى حدّ العملية البرية التي أظهرت إسرائيل تجنّبها هذا الخيار، بدلالة أنها لم تعلن عن عملية موسعة بل محدودة الأهداف، وهي تدمير الأنفاق، خاصة بعد تنفيذ كتائب القسام (حماس) عملية فجر أمس في موقع عسكري قرب غزة باستخدام الأنفاق الأرضية.
في الظاهر، أعلن بيان مشترك لرئاسة الجمهورية المصرية أن الرئيسين عبد الفتاح السيسي ومحمود عباس اتفقا على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار حقناً لدماء الشعب الفلسطيني، «استناداً إلى المبادرة المصرية وعلى أساس ما تضمنته من إجراءات وما تناولته بشأن تفاهمات عام 2012». وأوضح البيان أن بحث باقي القضايا سيجري فور تثبيت وقف إطلاق النار خلال محادثات تجرى في القاهرة مع كل طرف على حدة، للعمل على تحقيق التهدئة، أي إن العرض هو نفسه الذي رفضته المقاومة قبل إيفاد الفصائل قياداتها إلى العاصمة المصرية.
رغم ذلك، قالت مصادر مطلعة لـ«الأخبار» إن ما جرى أمس كان جولة أولى في المباحثات سلمت فيها الفصائل مطالبها وشروطها للوسيط المصري الذي سلمه بدوره للوفد الاسرائيلي المشارك في المباحثات، علماً بأن الجانب الفلسطيني يمثله عن «حماس» موسى أبو مرزوق، وعن الجهاد الاسلامي زياد النخالة، وعن السلطة مدير المخابرات العامة اللواء ماجد فرج الذي غادر إلى تركيا مساءً مع عدد من المساعدين.
أما عن الجانب الإسرائيلي، فكان حاضراً مبعوث رئيس الحكومة الإسرائيلية للمفاوضات المحامي اسحاق ملوخو، ورئيس جهاز المخابرات الإسرائيلية «الشاباك» يورم كوهين، ورئيس الشعبة الأمنية السياسية في وزارة الدفاع عاموس جلعاد، وهذا الوفد غادر بدوره إلى إسرائيل بعد ساعات من التفاوض من أجل عرض ما توصلوا إليه على الحكومة الأمنية المصغرة، معطياً إيحاءً إيجابياً للقاهرة جرى بناءً عليه الحديث عن هدنة تبدأ من صباح اليوم، لكن سرعان ما جاء القرار بالعملية البرية مساءً.
هذه الأجواء الإيجابية، وفق المصادر، انخفضت تدريجياً بسبب إصرار الفصائل على مطالبها ورفض إسرائيل تنفيذ أيّ منها، مشترطة ضرورة تجريد «حماس» مما سمتها «أسلحتها الثقيلة»، وهو ما يعني أن الإسرائيلي قرر خوض المفاوضات، التي لم يعلن عن توقفها، بقاعدة «فاوض مع إطلاق النار»، وهدفه في ذلك الضغط على المقاومة لخفض مطالبها.
وتقاطعت عدة مصادر في إيضاح أن المطالب الرسمية للمقاومة هي «وقف العدوان على الضفة المحتلة وغزة فوراً، وفتح المعابر الرابطة بين إسرائيل والقطاع من دون أي معوقات، وحرية حركة المواطنين». أما من مصر فالمطلوب فلسطينياً «فتح معبر رفح مع سيطرة كلية للسلطة وحكومة التوافق عليه، وأن على مصر إتمام ضمانها تنفيذ بنود صفقة 2011 الخاصة بالأسرى، والعمل على الإفراج عن المحررين الذين اعتقلتهم إسرائيل من دون قيد أو شرط». كذلك حرصت وفود الفصائل على تأكيد أن مطالبها «ليست جزءاً من التهدئة، بل هي من الأساسيات التي يجب أن تتم دونما نقاش».
الوجهة الآن نحو أنقرة في محاولة لإقناع خالد مشعل بالتعديلات المقترحة على المبادرة المصرية، وفي سبيل ذلك سيلتقي محمود عباس هناك رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، في محاولة للتوصل إلى مبادرة كاملة بناءً على مبادرة القاهرة. ويصف المصدر المشهد بـ«أنّ الأنفاس حُبست في اللحظات الجارية انتظاراً لرد حماس القادم من مشعل، وانتظاراً للرد الإسرائيلي الرسمي».

تواطؤ القاهرة

بعد هذا التدهور، سارع وزير خارجية مصر، سامح شكري، إلى تحميل «حماس» مسؤولية العدوان البري، على قاعدة أنه كان بوسعها إنقاذ أرواح «أربعين فلسطينياً على الأقل» من سكان غزة لو أنها قبلت وقف إطلاق النار، متهماً محور «حماس ــ قطر ــ تركيا» بمحاولة إحباط الدور المصري الذي هو «حائط صدّ ضد المخطط الرامي إلى تفتيت المنطقة إلى دويلات متحاربة»، مستشهداً على ذلك بما يحدث في ليبيا والعراق وسوريا والسودان. وقال شكري، خلال مأدبة إفطار أقامها لرؤساء تحرير الصحف أمس، إن «هذا المحور يستهدف أن ينزع عن مصر وضعها بصفتها طرفاً فعالاً وقادراً على التأثير في الموقف الإسرائيلي الذي يدرك جيداً دور مصر وأهمية وجودها في المنطقة».
عن علاقة مصر بـ«حماس»، قال وزير الخارجية إن «فيها قدراً عالياً من التوتر والصعوبة نتيجة التوجه العقائدي لحماس»، مضيفاً أن «المشكلة أن سياسة حماس ترتبط بفكر عقائدي يجعل نقطة الاتصال والتلاقي مع مصر شبه مستحيلة». واستطرد قائلاً: «مع ذلك فإن القاهرة تتعامل مع حماس في إطار حماية المصالح الفلسطينية، وفي إطار يصبّ أيضاً في مصلحة مصر، مع الأخذ في الاعتبار أن هناك خطوطاً حمراً لا يمكن أن نقبلها أو نقبل تجاوزها».

... ورام الله

في السياق، كشفت مصادر لـ«الأخبار» من داخل الوفد المفاوض المشترك بين «حماس» و«الجهاد الإسلامي» أن عباس فرض شروطاً تعجيزية على الحركتين، بينها ضرورة الموافقة على المبادرة المصرية بلا شروط لإنهاء الأزمة. ورأت المصادر أن أبو مازن بتشدده في ضرورة الموافقة على المبادرة المصرية تأكيد إضافي على دوره في صياغتها، كما كشفت صحيفة «هآرتس» العبرية، «وهو ما يؤكد سعيه إلى القضاء على الحركتين».
المصادر أشارت كذلك إلى أن رئيس السلطة اقترح على «حماس» الموافقة على المبادرة لقاء ضمانه فتح معبر رفح بوجود حرس الرئاسة. وتابعت أنه «بعد أن وجد الإسرائيلي أن الأطراف الفلسطينية غير متفقة، ارتأى أن ينسحب من المفاوضات ويعود إلى تل أبيب».
وكانت مصادر عسكرية مصرية مسؤولة قد أفادت «الأخبار» بأن «حماس لا تعرف مفهوم السيادة، لأنها اجتاحت الحدود سابقاً والآن تشترط فتح المعابر لقبول المبادرة»، مضيفة: «الحركة تتوهم أنها تستطيع فرض ضمانات دولية لفتح المعبر دوماً، لكن هذا المطلب محاولة لاستفزاز مصر وإقحامها في الأزمة وتحقيق مكاسب سياسية على حساب الأبرياء في غزة وعلى حساب الأمن القومي المصري».

الإجتياح البري

وكان عدد من القيادات الإسرائيلية قد واصلوا أمس التغريد خارج السرب، بتكرارهم مواقف تصعيدية تدعو إلى تكرار نموذج الضفة في غزة. من هؤلاء وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان الذي دعا إلى سيطرة السلطة على القطاع، مدنياً، وأن تتمتع إسرائيل بـ«يد حرة» في مكافحة «الإرهاب» لاقتلاعه.
وتجاوز ليبرمان دوافع المقاومة لرفض المبادرة المصرية لكونها تجاهلت المطالب الفلسطينية الأساسية، واتهم قطر بأنها من خرّب المبادرة. ورأى أن «حماس كانت على استعداد للقبول، لكن القطريين أرادوا توجيه ضربة إلى مصر».
تزامن قرار العملية البرية، أياً كان هدفها ومداها، مع المفاوضات في القاهرة، يغني عن الكثير من المعلومات من أجل استنتاج أن انتهاء «مرحلة الانتظار» والانتقال الى الخيار البري ما كان ليتبلور لولا صمود الوفد الفلسطيني وإصراره على مطالبه وإخفاق محاولات ترهيبه.
ما تقدم يبيّن الفرق الجوهري بين المفاوضات التي كان يمكن أن تجري على أساس المبادرة المصرية بالصيغة التي رفضتها فصائل المقاومة، والمفاوضات تحت النار أو بالنار. في الحالة الأولى، كانت حماس ستوضع بعد تجريدها من ورقة الضغط الصاروخي بين خيارين: إما القبول بأي صيغة اتفاق، أو استمرار الوضع القائم، أي بمعنى استمرار الحصار والتعسف الإسرائيلي.
أما الآن، فإن تسويف الطرف الإسرائيلي، ورفضه المطالب الفلسطينية، سيكون لهما «ثمن مؤلم» متمثل في استمرار الضغط الصاروخي على المدن والمستوطنات المحتلة إلى حين تسليم أحد الطرفين بالوقائع، ما سينعكس على صيغة التفاهم التي ستنتهي على أساسها المعارك.
هذا الواقع وضع القيادة الإسرائيلية بين خيار القبول بصيغة اتفاق كما تطرحها الفصائل. أو مواصلة خيار العدوان الجوي، لكنها اختارت الذهاب نحو الخيار الذي حرصت منذ البداية على تجنّبه. وعكست التطورات الميدانية تصلّب موقف تل أبيب انطلاقاً من تقدير مفترض لديها بأن الموافقة على المطالب الفلسطينية سيظهر إسرائيل وقيادتها راضخة لضغوط المقاومة التي بدت أن يدها هي العليا. كذلك يأتي الإعلان عن عملية برية محدودة «لتدمير الأنفاق» تجسيداً لنفس مبدأ التدرج الذي اعتمدته إسرائيل منذ بداية المعركة، بناءً على أسباب ميدانية وسياسية وردعية.
كما في المراحل السابقة، يمكن أن يكون الرهان الإسرائيلي بأن الانتقال إلى الخيار البري، حتى لو كان محدوداً، سوف تكون له مفاعيل مؤثرة على الموقف الفلسطيني. ونتيجة ذلك وجدت القيادة الإسرائيلية أن من الأجدى ألا تتورط في عملية واسعة. كذلك، تأتي المخاوف الإسرائيلية من سقوط خسائر بشرية في صفوف الجنود من أي عملية واسعة عاملاً أساسياً في بلورة القرار السياسي، حتى تكون العملية محدودة.
ولا يخفى أيضاً أن الأنفاق الهجومية التي تهدف إسرائيل إلى تدميرها هي على مقربة من الخط الفاصل مع الأراضي المحتلة، لذلك ترى أنه لن تكون هناك حاجة إلى التوغل عميقاً، ما قد يخفف من درجة الخطورة التي قد يتعرض لها الجنود.
في كل الأحوال، يأتي القرار بعملية برية محدودة كخيار وسطي بين حدين؛ الأول الذهاب بعيداً في عملية واسعة قد تؤدي الى غرق إسرائيل في مستنقع غزة، مع ما ينطوي عليه ذلك من تداعيات أمنية وسياسية، والحد الثاني مواصلة الامتناع التام عن العملية البرية، وهو ما سيقدم إسرائيل كأنها مردوعة وتتخوف من اللجوء إلى الحرب البرية، مع ما قد يترتب على ذلك من انعكاسات تتصل بالنظرة الى قدرة الردع والخيارات العملانية في حوزة جيش الاحتلال.
يبقى على صانع القرار في تل أبيب أن يجيب عن عدد من الأسئلة هي أقرب إلى المخاوف: ماذا لو أدت العملية إلى سقوط خسائر بشرية مؤلمة؟ وماذا لو بقي الطرف الفلسطيني على موقفه؟.. هل سيتخذ بنيامين نتنياهو قراراً بزيادة عمق التوغل أم سيعطي الجنود أوامر للعودة إلى قواعدهم؟ في حال استمر قصف المدن والمستوطنات، وهذا ما سيكون، هل سيدفع ذلك نتنياهو إلى مواصلة العملية البرية وتوسيعها، ثم إلى أين؟