غزة | حمل المواطن الفلسطيني باسم صيام «غالونين بلاستيك» وهو خارج من البناية التي يقيم فيها في حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، متجاهلا القصف المكثف والتحليق المتواصل للطائرات الحربية. اتجه صيام نحو جيرانه ممن يملكون مخزونا قليلا من مياه الشرب حتى يرطب جفاف حلقه وأبنائه، وليعين زوجته على غسل الأواني المكدسة ليومين متتاليين في المطبخ بفعل انقطاع المياه. احتضن الرجل وهو في العقد الثالث من عمره الغالونين وعاد مسرعا بالتزامن مع قصف الطيران أرضا زراعية في محيط مسكنه، ولما دخل البناية زفر عميقا بعدما نجا من شظايا الصاروخ المدمر.


وأضحى الآلاف من المواطنين في غزة يعيشون تحت طائلة تهديد شح المياه بفعل قصف الطيران الإسرائيلي آبار المياه، التي تغذي مناطق سكنية كثيرة ومتعددة في القطاع، وهو أمر ترجعه البلديات القائمة على تلك الآبار إلى رغبة الاحتلال في تدمير البنية التحتية، إضافة إلى المس بمقومات صمود الناس. وفي التفاصيل أن الطيران استهدف بئرا تقع إلى حي النصر غرب مدينة غزة، وتغذي نحو 20 ألف نسمة، إضافة إلى بئر «علي» في منطقة الزيتون جنوب المدينة، التي تغذي أيضا نحو 7 آلاف نسمة، بجانب ثلاثة خطوط رئيسية أخرى تزود حيي الشجاعية والصبرة، وتغذي كذلك ما مجموعه 21 ألف نسمة.


استشهد موظف
من مصلحة المياه برغم التنسيق لأداء مهمته
هذا الاستهداف يبدو في نتيجته منهجيا وله أهدافه الواضحة في حرمان الناس أهم عنصر يومي للحياة، وخاصة في شهر رمضان.
في السياق، يقول مدير الإدارة العامة للمياه والصرف الصحي في بلدية غزة، سعد الدين الأطبش، إن من الصعوبة إجراء إصلاحات للآبار المدمرة في ظل ظروف الحرب، فضلا عن أن كل واحدة منها تحتاج إلى مبلغ 120 ألف دولار حتى تعود إلى العمل بالطاقة التي كانت عليها، «فيما تصل تكلفة إصلاح الخطوط الثلاثة التي أصيبت بالضرر إلى نحو 6 آلاف دولار، لكل منها».
في ظل الحرب والحصار، يصعب على فرق البلدية ترميم تلك الآبار والخطوط، وفق الأطبش، الذي أشار إلى أنه جرى حرق الكوابل الكهربائية المشغلة لمضخات بئر المياه المغذية للمنطقة الصناعية المقامة شرق مدينة غزة (ما تعرف باسم كارني)، وتمد تلك المضخات نحو 5 آلاف مواطن بالمياه. وأكد في الوقت نفسه أن طواقمهم العاملة في الميدان أصلحت ما يمكن إصلاحه لإعادة توزيع المياه، حتى لو على مدد متقطعة، منبها إلى أن تلك الطواقم تعمل في أجواء غير آمنة على ضوء استهداف الاحتلال طواقم الطوارئ العاملة.
وبدأت شكاوى المواطنين تتعالى من جراء انقطاع المياه عن منازلهم لأيام متتالية، الأمر الذي اضطر بعضهم إلى اللجوء إلى المياه المحلاة لتعبئة خزاناتهم المنزلية، حتى يتمكنوا من تغطية احتياجاتهم من المياه للشرب والطهو والغسل والتنظيف في آن واحد، علما بأنه في الحرب الأولى عام 2008 جرى استهداف موزعي المياه المحلاة بصورة مباشرة أكثر من مرة. هناك مشكلة أخرى، فبعيدا عن التكلفة الإضافية التي تضاعف فاتورة الاستهلاك على كاهل المواطن، اعتذرت عدد من محطات تنقية المياه عن عدم توصيل خدماتها إلى منازل المواطنين، وخاصة القاطنين منهم في الأماكن الحدودية.
فادي عمران أحد موزعي المياه المحلاة، يقول لـ«الأخبار»: «لا يمكن أن نجازف بأرواحنا ونخرج خلال ساعات المساء، نحاول أن نستمر في العمل خلال النهار لكن الوقت لا يكفي لتلبية احتياجات الناس». وأوضح عمران، الذي يقود شاحنة ضخمة أن الطيران الإسرائيلي لا يفرق بين المواطنين والمقاومين، «فهو يستهدف كل متحرك في ساعات الليل»، وأشار إلى أن خشيتهم على أرواحهم تجبرهم على التأخر في توصيل الطلبات إلى الزبائن، «إضافة إلى أن محطته تعمل في أوقات مجيء التيار الكهربائي فقط».
هذا الوضع دعا مدير دائرة المياه في بلدية غزة، إلى توجيه مطالبة للمواطنين بضرورة ترشيد استهلاك المياه «حتى الانتهاء من عمليات إصلاح الخطوط المتعطلة والآبار المدمرة»، مشددا على أهمية تدخل المؤسسات الدولية لردع الاحتلال وثنيه عن قصف البنى التحتية في القطاع.
وكانت طائرات الاحتلال قد استهدفت سيارة تابعة لمصلحة مياه بلديات الساحل (غير حكومية) مساء السبت الماضي بالقرب من بئر المياه التابعة للمصلحة والواقعة غرب رفح (جنوب)، الأمر الذي تسبب في استشهاد الموظف زياد الشاوي (42 عاما)، وتدمير سيارته بالكامل، فيما تعرض اثنان من زملائه لإصابات خطرة.
بناء على هذا الحدث، أعلن المدير العام للمصلحة، منذر شبلاق، توقف عمل مصلحة المياه الميداني بصورة كاملة، إثر استهداف فريق الموظفين، «وذلك برغم التنسيق القائم مع الجانب الإسرائيلي، وسيظل تعليق المهمات حتى تتوافر للموظفين الحماية الميدانية الملائمة»، مؤكدا في الوقت نفسه التزام مصلحته الاستمرار في واجباتها الحيوية اتجاه الجمهور، وتنفيذ واجبها في خدمات المياه والصرف الصحي بأقصى استطاعتها.
ودعا شبلاق، في بيان صحافي، المؤسسات الدولية ذات العلاقة بالعمل الإنساني، ولا سيما اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومكتب تنسيق العمليات الإنسانية التابع للأمم المتحدة، إلى تحمل مسؤولياتها والتحرك لحماية فرق مصلحة بلديات الساحل، والضغط على الجانب الإسرائيلي من أجل وقف استهداف طواقمهم أو طواقم البلدايات.
ويجري التحذير، وفق مراقبين، من مغبة تعرض الفلسطينيين في غزة لكوارث صحية وبيئية على ضوء قصف الطيران مضخة الصرف الصحي (الرقم 1) التي تخدم منطقة غرب مدينة غزة. وهي تعالج نحو 15000 متر مكعب يوميا من المياه العادمة، ما يُبعد الضرر عن نحو 200 ألف نسمة من سكان المدينة.