كما في أي بورصة تتقلّب فيها الأسعار نزولاً وصعوداً، تتبدّل طروحات وزير المال يوسف الخليل بشأن تسعير الدولار الجمركي. مرّة يروّج سعر الـ20 ألف ليرة، ثم ينكفئ، نحو سعر أدنى بكثير، ليعود ويرفع قليلاً نحو 14 ألف ليرة... لا هو يحدّد معايير التسعير والأهداف المتوخاة منها، ولا هو يدرك ما سيكون رد فعل أقطاب السياسية بشأن كل هذه الأسعار. هو ضائع مثلهم تماماً. ففي الاجتماع الوزاري الذي عقد الأسبوع الماضي ووافق فيه الجميع، وأولّهم وزير المال، على سعر الـ20 ألف ليرة للدولار الجمركي، إلا أن الخليل حمل إلى لجنة المال والموازنة سيناريو يحدّده بـ12 ألف ليرة، إنما أثناء النقاش رفعه إلى 14 ألف ليرة، ووعد بإرسال دراسة عن نتائج الرقم الجديد يوم الاثنين المقبل.

لم يبرّر الخليل كل هذه الأرقام، سوى بنتائجها على الخزينة، أي بالمنطق المحاسبي الذي كان يقوده فؤاد السنيورة في السنوات الماضية. لا بل أطاح بكل أرقام الموازنة عبر احتسابه الإيرادات وفقاً لدولار جمركي يوازي 20 ألف ليرة، فيما الضرائب والرسوم المحصّلة في الأشهر التسعة الأولى من السنة الجارية، احتسبت على أساس السعر الرسمي أي 1500 ليرة لبنانية. إلا أن خليل استلحق نفسه خلال الاجتماع بإبلاغ النواب عن قدرته على تحسين رواتب موظفي القطاع العام في الأشهر الأربعة المتبقية من العام، وفور الموافقة على زيادة الدولار الجمركي، بزيادة الرواتب 3 أضعاف أي الإبقاء على التحفيزات نفسها التي جرى الاتفاق عليها من دون أن تطبق بالفعل بعد.
هكذا، ربط خليل ما بين الاستجابة لمطالب الموظفين المحقّة وبين رفع الدولار الجمركي كوسيلة لتأمين الإيرادات للخزينة. من دون أن يحسب تأثير الدولار الجمركي على الانكماش الاقتصادي والتضخم، وعلى القدرة الشرائية لهذه الرواتب بعد رفع التجار الأسعار.
وعلى النحو نفسه، سار الاجتماع الذي دعا إليه وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال القاضي هنري الخوري مع رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود، رئيس ديوان المحاسبة القاضي محمد بدران، النائب العام المالي القاضي علي إبراهيم، رئيس مجلس شورى الدولة القاضي فادي الياس. فخلال البحث في إضراب القضاة والحلول المطروحة، جرى تأكيد الطرح السابق المتوافق عليه بين وزير المال ورئيس الحكومة، والقاضي بصرف «بدل إنتاجية». يومها تقرّر تحويل مساهمة من الخزينة في صندوق تعاضد القضاة بقيمة 35 مليار ليرة توزّع على شهرين، لحين تثبيت هذه الزيادة بعد بدء العمل بالدولار الجمركي الجديد. ولأجل ذلك، تواصل وزير العدل مع وزير المال يوسف الخليل ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي، للإسراع بتحويل المساهمة لإعادة القضاة إلى العمل. المشكلة أن خوري لا يعرف إذا كان هذا الأمر سيرضي القضاة، بل يراهن على تحفيزهم بمجرد ضخّ الأموال في الصندوق.
القضاة يرون أن المسؤولين يصمّون آذانهم عن مطالب تصحيح الأجور. بعضهم يقول إن «اقتراحات الحلول تأتي مجتزأة ولا تتسم بطابعي الاستمرارية والديمومة وكأنّ المطلوب دفعهم للرجوع عن قرار التوقف عن العمل لتركهم مجدّداً يواجهون المجهول على الصعيد المعيشي، فضلاً عن عدم الاكتراث إلى المطالب المعنوية التي تفوق بأهميتها المطالب المادية». لذا يرى هؤلاء أن الاستمرار في التوقف عن العمل هو تعبير عن رفض لأنصاف الحلول.

هل سيرضى القضاة بمساهمة الخزينة في صندوق التعاضد بلا هندسات الحاكم؟


في الواقع، ثمة خلاف بين مجلس القضاء الأعلى، وبين اللجنة المكلفة متابعة شؤون القضاة، وبين القضاة أنفسهم. فالمطالب تعدّدت حتى بات كل طرف يزايد على الآخر. إلا أن الثلاثة يجتمعون على رفض مساواتهم بموظفي القطاع العام ضمن سلّة واحدة وشاملة بحجّة أن القضاة «سلطة مستقلة». إلى أن هذه السلطة، لم تجد سوى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، المشتبه فيه داخلياً وخارجياً، لتلتجئ إليه في سياق سعيها لتصحيح أجورها، بل يبدو أنها مصممة على إعادة العمل بآلية تقاضي الرواتب على أساس سعر صرف مختلق يعادل 8 آلاف ليرة لبنانية، أو بسريان خطّة القاضي علي إبراهيم وحاكم مصرف لبنان وبلوم بنك، لإجراء هندسة مالية على مبلغ 35 مليار ليرة الذي سيصرف في صندوق التعاضد، ما يرتّب مزيداً من أعباء ضخ السيولة التي تزيد التضخّم وتؤثّر سلباً في سعر الليرة.
وفي المحصلة، أصبح القضاة جزءاً من بازار الدولار الجمركي: يضغط خليل لإقرار الدولار الجمركي من خارج أي إصلاح اقتصادي أو خطة مالية شاملة أو دراسة جدّية توضح أرقامه مستخدماً مطالب القضاة في وجه من يعارض رفع الرسم الجمركي، فيما يستخدم القضاة قدرتهم على تعطيل قصور العدل والنيابات العامة لرميها في وجه السلطة السياسية والناس. حتى بات حماة القانون والحريصون على تطبيقه يقحمون مبدأ تصحيح الأجور الضروري في أتون مخالفات مصرف لبنان والمصارف. عوضاً عن محاسبة هؤلاء على الموبقات التي قاموا بها والتي أودت بالسلطات القضائية لتوسل حقوقها على أبواب مغتصبيها.