موسكو | انتقلت المواجهة بين روسيا والغرب إلى مرحلة أخرى من التصعيد، على خلفية ما حصل في مدينة بوتشا الأوكرانية، تنذر بتحدّيات لا يزال من المبكر التكهُّن في مآلها. وإن كانت موسكو التي تتسلّح بروايةِ أن ما حصل لا يعدو كونه «استفزازاً» الهدف منه محاصرتها، مشكّكةً بإمكانية حصول تحقيق محايد بالمجزرة المرتكَبة، لم يعد مستغرباً لجوء الغرب إلى زيادة الضغط على روسيا من خلال تشديد العقوبات عليها، في حين وصل السجال بين الجانبين، بطلب من روسيا نفسها، إلى أروقة مجلس الأمن الدولي لمناقشة ما حدث. وفي هذا الإطار، قال المندوب الروسي لدى الهيئة الدولية، فاسيلي نيبينزيا، إن «موسكو تمتلك آلاف الشهادات التي تفنّد صحة فيديوات مدينة بوتشا الأوكرانية. الشهادات تحدّثت عن أن النازيين كانوا يهدّدون المدنيين في بوتشا ويطلقون النار عليهم».

وفي ظلّ تزايد مستوى التوتّر وتركيز الغربيين على إثارة قضيّة بوتشا، أعلن الاتحاد الأوروبي، بعد ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا والدنمارك، طرد عشرات الديبلوماسيين الروس، في تصعيد اعتبرته موسكو، على لسان نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، دميتري ميدفيديف، مقدّمة لتدمير العلاقات الثنائية، متعهّدةً بردّ مماثل. وإلى هذه الخطوة، اقترحت بروكسل، وفق رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، حزمة خامسة من العقوبات ضدّ روسيا، تشمل واردات الفحم، والتخطيط لعقوبات إضافية في مجال النفط. وذكرت فون دير لاين أن «الاتحاد سيفرض حظراً كاملاً على المعاملات على أربعة مصارف روسية رئيسة، بما في ذلك بنك «في تي بي»، إضافة إلى فرض الحظر على السفن الروسية والسفن التي تشغلها روسيا من الوصول إلى موانئ دول الاتحاد». كما أكدت أن الإعفاء من العقوبات «سيغطّي بعض الأمور الضرورية مثل المنتجات الزراعية والغذائية والمساعدات الإنسانية، وكذلك الطاقة»، لافتةً إلى أن الاتحاد سيقترح «فرض حظر على مشغّلي النقل البري في روسيا وبيلاروس. وسيحدّ هذا الحظر بشكل كبير من الخيارات المتاحة أمام الصناعة الروسية للحصول على السلع الأساسية». وعلى خلفية العقوبات التي تتعرّض لها بلاده، ندّد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بالإجراءات المتّخذة ضدّ شركة الغاز الروسية العملاقة، «غازبروم»، في أوروبا، قائلاً، خلال اجتماع متلفز مع مسؤولين، إن «الوضع في قطاع الطاقة يزداد سوءاً نتيجة إجراءات قاسية غير مرتبطة بالسوق، بما فيها الضغط الإداري على شركتنا غازبروم في بعض الدول الأوروبية»، محذّراً من أن التهديدات في أوروبا بتأميم الأصول الروسية «سيف ذو حدّين». ولفت إلى أن الوضع في سوق الغذاء العالمية أصبح أكثر تعقيداً، وبات يتدهور أخيراً بسبب أخطاء الغرب وفرْض العقوبات على روسيا.

قال الرئيس الأوكراني إن بلاده ستصير أشبه بـ«إسرائيل كبيرة»


في الإطار نفسه، نقلت وكالة «بلومبيرغ» عن مصدرَين وصفتهما بالمطلعَين، قولهما، إن «البنتاغون» يخطّط لإرسال 10 مسيّرات من طراز «سويتش بليد» مزوّدة برؤوس حربيّة مضادة للدبابات إلى أوكرانيا، إضافة إلى مسيّرات أقلّ قوّة جرى الإعلان سابقاً عن إرسالها. ولفتت المصادر إلى أن «سويتش بليد- 600» الجديدة، هي جزء من مساعدات عسكرية بقيمة 300 مليون دولار كان «البنتاغون» قد أعلن عنها يوم الجمعة الماضي، على أن يُصار إلى تقديم طلب لشرائها عوضاً عن سحبها من المخزونات.
ميدانياً، عرض الجيش الروسي على نظيره الأوكراني الموجود في ماريوبول إلقاء سلاحه مع الوعد بالإبقاء على حياة الجنود وإخراجهم من الممرات الإنسانية. وقالت وزارة الدفاع الروسية إن موسكو تعوّل على دعم أنقرة لدفع القوات الأوكرانية لإلقاء سلاحها في هذه المدينة. ويأتي هذا التطوّر بالتزامن مع إعلان نائبة رئيس الوزراء الأوكراني، إيرينا فيريشوك، أن سبعة ممرات إنسانية فُتحت أمس، تتضمّن مدينتَي ماريوبول وبيرديانسك التي تسيطر عليها روسيا. من جهته، قال الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، إن بلاده ستصير أشبه بـ»إسرائيل كبيرة» مع تصدُّر الأمن قائمة الأولويات في السنوات العشر المقبلة. وأضاف، في مقابلة تلفزيونية مع وسائل إعلام محلية، أن جهود أوكرانيا لصدّ القوات الروسية عن ماريوبول تواجه صعوبات جمّة، وأن الوضع العسكري في المدينة الساحلية التي تقع جنوب البلاد «صعب للغاية»، مشيراً إلى أن تركيا اقترحت خطّة لإجلاء الجرحى والجثث من المدينة.
في هذا الوقت، قال الأمين العام لـ»حلف شمال الأطلسي»، ينس ستولتنبرغ، إن روسيا تعزِّز صفوفها من أجل «السيطرة على كامل منطقة الدونباس» في شرق أوكرانيا، وإنشاء «جسر برّي مع شبه جزيرة القرم» التي ضمّتها موسكو في عام 2014. ونبه، خلال مؤتمر صحافي عشيّة اجتماع لوزراء خارجية الحلف، من أن الوضع أصبح «في مرحلة حاسمة من الحرب».