بغداد | انفضّ ساسة العراق من اجتماعهم الاستثنائي، أول من أمس، من دون الاتفاق على شيء، مع أن الشارع يعول هذه المرة على غير العادة على نتائج ولو كانت شكلية، وذلك للمساهمة في جبر الانكسارات العسكرية أمام تنظيم «داعش»، أو على الأقل إحداث اختراق في مسألة تشكيل الحكومة العراقية. الحال لم تختلف تماماً في الجلسة الطارئة للبرلمان أمس، إذ لم يكتمل النصاب القانوني، ما أدى إلى إحباط التصويت على قانون الطوارئ.


وأناط الدستور العراقي في المادة (58) الموافقة على إعلان حالة الطوارئ بمجلس النواب بعد تقديم طلب رسمي من رئيسي الجمهورية والوزراء، على أن تكون المدة الزمنية للطوارئ ثلاثين يوماً قابلة للتمديد، وتشمل الإجراءات التي يمكن اتخاذها عند تطبيق القانون إعطاء سلطات واسعة لرئيس الحكومة في اتخاذ القرارات العسكرية وتفتيش الأماكن واعتقال المشتبه فيهم، وأيضاً فرض حظر التجوال وإغلاق الطرق البرية والملاحة البحرية والمجال الجوي، وكذلك فرض قيود على الاجتماعات العامة، ومراقبة الاتصالات الحكومية وغيرها من الاتصالات.
ومن بين أهداف الاجتماع الذي عقد في مكتب زعيم التحالف الوطني، إبراهيم الجعفري، إنهاء حالة القطيعة بين رئيس الوزراء نوري المالكي والبرلمان أسامة النجيفي، اللذين يتزعمان قائمتي القانون (95 مقعداً) ومتحدون (23 مقعداً)، إضافة إلى بحث التطورات الأمنية والسياسية. في هذا الإطار، اتهم المالكي قادةً عسكريين بالتخاذل في التصدي للمجاميع المسلحة، واصفاً ما جرى في الموصل بـ«المؤامرة والخدعة» التي تسببت بسقوط المدينة بأيدي المسلحين في غضون ساعات، رغم وجود أكثر من أربع فرق عسكرية مدجّجة بالسلاح والذخيرة.
وحضر الاجتماع طاقم كبير من السياسيين ضمّ كلاً من نائب رئيس الجمهورية خضير الخزاعي، وزعيم المجلس الإسلامي الأعلى عمار الحكيم، ونائب رئيس الوزراء (ممثل مسعود البارزاني) روز نوري شاويس، وممثل حزب جلال طالباني، برهم صالح، إلى جانب ممثل عن إياد علاوي هو عدنان الجنابي، وهاشم الهاشمي عن حزب الفضيلة، وصالح المطلك، وهو نائب رئيس الوزراء عن قائمة «العربية».


صدمة الموصل
كانت أشبه بالدرس للمكوّنات الثلاثة الكبرى

غياب علاوي لم يكن مفاجئاً على الإطلاق، فهو تغيّب عن كل الاجتماعات السياسية التي عقدت في أزمات سابقة، وإن لم تفلح جلّها في وضع أي حلول. على المنوال نفسه، اكتفى المجتمعون ببيان سطحي تضمن تأكيدات نظرية دون المستوى التنفيذي أو التشريعي، وذلك بتأكيدها «اللحمة الوطنية، ومواجهة الإرهاب، وضرورة تحقيق المشاركة الوطنية في القرار، وتقديم الدعم اللازم للنازحين من مدينة الموصل».
وكشف مصدر من داخل التحالف الوطني لـ«الأخبار» تفاصيل دقيقة تكشف صعوبة تقارب القادة المذكورين، رغم أن الظروف الحالية تلزمهم بنقل الخلافات إلى خارج حلبة الصراع الأمني. وقال: «الاجتماع كان شكلياً ومجرد استعراض إعلامي، ولم يناقش جوهر المشكلة أو الحلول الأمنية»، مبيناً أن المالكي انشغل أثناء الاجتماع بالرد على مكالمتين هاتفيتين وردتا إليه، إحداهما من قائد عسكري. وأوضح المصدر أن رئيس الوزراء امتنع عن إطْلاع الحاضرين على تفاصيل ما جرى، «واكتفى بإجابات سطحية بعد أن أخبرهم باتخاذه إجراءات جديدة لمعالجة الوضع لم يفصح عنها، الأمر الذي أثار امتعاض عدد من الحاضرين، بينهم الحكيم الذي فضّل الخروج من الاجتماع، متذرعاً بالتزاماته ولقاءاته مع شخصيات أخرى».
ضمن الإطار، قالت وسائل إعلام عراقية أمس إن المالكي خرج غاضباً من اجتماع القادة، بعد أن رفض الحاضرون التصويت على قانون إعلان الطوارئ في البلاد وإخفاقه في إقناعهم بالأمر، مبيناً أن المجتمعين واجهوه باللوم بسبب «تفرده باتخاذ القرارات، خاصة الأمنية». وتقاطعت في النقل عن كل من الحكيم والنجيفي مطالبتهما رئيس الوزراء بأن يكشف لهم تفاصيل الانهيار العسكري في الموصل، «لكنه رفض وقال إن تلك معلومات سرية في غاية الخطورة». وجراء ذلك كله، جاء القرار بإلغاء مؤتمر صحافي كان من المقرر عقده عقب الاجتماع.
ومنذ بدء أزمة الأنبار قبل نحو ستة أشهر، اختلف السياسيون في العراق بشأن كيفية التعاطي مع الأزمة؛ ففي الوقت الذي جنح المالكي فيه إلى القوة في المحافظات الغربية والشمالية، انتقد السيد مقتدى الصدر هذا الأسلوب، متهماً رئيس الوزراء بـ«سوء الإدارة والتفرد بالسلطة»، وشاطره في ذلك الحكيم الذي زاد بالدعوة إلى الحوار واللجوء إلى معالجات اقتصادية وتنموية إلى جانب الخيار العسكري. أما القيادات السنيّة، وفي مقدمتهم النجيفي، فقد اتهموا المالكي باتباع سياسة تدميرية تجاه تلك المناطق، وهي سنيّة أيضاً، وإقصاء ممثليها عن العملية السياسية.
الموقف السنّي بعد سقوط الموصل اختلف كثيراً، فالصدمة كانت أشبه بالدرس للمكوّنات العراقية الثلاثة الكبرى؛ فهي من جهة درس للسنّة الذين ندموا على دعوتهم إلى إخراج الجيش من العراق فذاقوا مرارة التنظيمات المسلحة، وللشيعة الذين لم يحسنوا إدارة جيش البلاد، ودرس أيضاً للأكراد الذين ظنوا أنهم في مأمن من الجماعات المسلحة، لكنهم شعروا بخطورة انعزالهم في اتخاذ القرارات عن الحكومة الاتحادية، وعبّروا من قلقهم من تمدد «داعش إلى شريط الإقليم مع الموصل أو كركوك أو ديالى».