تخطت بطولة كأس العالم كونها حدثاً رياضياً بحتاً تتنافس فيه منتخبات دول، وفي نهاية المطاف يقف أحدها على منصة التتويج، أو مجرد فسحة للتسلية والترويح عن النفس والفرح والاحتفال لشعوب مختلفة طوال شهر من الزمن. كأس العالم باتت رمزاً يعكس الوحدة الوطنية لكل بلد مشارك فيها، وتأخذ أبعاداً «جيوسياسية» واضحة.


هذه النقطة يمكن ملاحظتها من خلال دعم رجال السياسة والصحف الوطنية الذي تلقاه المنتخبات المشاركة في هذا الحدث العالمي، قبل البطولة وأثناءها، كأنها متوجّهة إلى ساحة معركة للقضاء على الخصم أو لتصفية حسابات عالقة منذ زمن، فيصبح هنا الانتصار حتمياً لرفع علم الوطن عالياً بين باقي الأمم. أما من يُخطئ، فقد يصبح «خائناً» ومحكوماً عليه بالإعدام على غرار الكولومبي الشهير، أندريس إيسكوبار، الذي كلّفه هدف من طريق الخطأ في مرمى منتخب بلاده أمام الولايات المتحدة أدى إلى خروجه من مونديال 1994، حياته، باثنتي عشرة طلقة أردته صريعاً عند عودته إلى العاصمة بوغوتا.
بالعودة إلى البطولة الحالية في البرازيل وحفل الافتتاح الذي جرت مراسمه ليل أمس، فقد بدا من تحركات الساسة والزعماء كأن المنتخبات ذاهبة إلى حرب عالمية ستدور رحاها في مدن ريو دي جانيرو وساو باولو وبرازيليا وريسيف وغيرها في بلاد البن و«السامبا»، فأتت زيارات كل من هؤلاء للمعسكرات التدريبية الاستعدادية لكأس العالم كأنها تفقُّد لمعسكرات حربية للاطلاع على روحية «المقاتلين» وجاهزية آلياتهم للمعركة الكبرى. كما تقاطر هؤلاء الزعماء لحضور الحفل الافتتاحي وحجزوا مقاعدهم لمباريات منتخبات بلادهم.


المونديال بوابة لتلطيف الأجواء المتوترة بين الدول


الساسة يبحثون
عن تسويق أنفسهم في كأس العالم
هكذا، كان قد خصّ الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند المنتخب الوطني بزيارة لمركز تدريباته في «كليرفونتين» لمدة 90 دقيقة، ليحثّ فيها اللاعبين على تقديم صورة مشرّفة للبلاد في البرازيل، وإظهار الروح الوطنية على عكس ما جرى في مونديال 2010، ومثله فعل رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون مع منتخب إنكلترا، حيث تحدّث إلى بعض اللاعبين كل على حدة، وتحديداً قائد «الكتيبة» ستيفن جيرارد، بينما حرص وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، على زيارة لاعبي المنتخب الوطني في معسكرهم في النمسا خلال مشاركته في المفاوضات النووية بين إيران ومجموعة الـ«5 + 1» في فيينا لبث الحماسة في نفوسهم، مؤكداً أنهم «يمثّلون الفخر والاعتزاز لإيران»، وناقلاً إليهم دعم الرئيس حسن روحاني والحكومة. أما الرئيس المكسيكي، إنريكه بينيا، فوجّه خطاباً للاعبي منتخب بلاده، مطالباً إياهم بـ«احترام علم المكسيك ورفع اسمها عالياً والقتال في الملعب من أجل الشعب المكسيكي»، بينما أكدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل حضورها إلى البرازيل لمتابعة المباراة الأولى لمنتخب بلادها أمام نظيره البرتغالي.
لكن المونديال، في المقابل، يمكن أن يكون بوابة لتلطيف الأجواء في العلاقات المتوترة بين الدول، وهذا ما يمكن قراءته في اتصال نائب الرئيس الأميركي جو بايدن برئيسة البرازيل، ديلما روسيف، لتنسيق زيارته لبلاد «السامبا» وحضوره مباراة بلاده أمام غانا، وذلك بعد أن علّقت روسيف زيارتها في تشرين الأول لواشنطن على خلفية تسريبات بتجسس الاستخبارات الأميركية على جهاز الحاسوب الخاص بها.
الا أن دخول السياسة في المونديال ليس «بريئاً» دائماً، فهو قد يمثّل «دجاجة تبيض ذهباً» للساسة الذين يبحثون من خلاله عن منافع شخصية. فروسيف مثلاً، كما تُجمع التقارير، يبدو واضحاً من إيلائها اهتماماً إلى أقصى الحدود بالمونديال ومنتخب بلادها وتصديها للاحتجاجات أنها تطمح إلى ولاية جديدة في الانتخابات المقبلة، بينما تساءلت صحيفة «لو باريزيان» الفرنسية عما إذا كان نجاح المنتخب الوطني سيزيد من شعبية هولاند على غرار ما حصل مع الرئيس السابق جاك شيراك بعد الفوز بمونديال 1998.