هي «الفتوحات العمريّة للدولة الإسلامية» إذاً. تحت هذا العنوان العريض وضع تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» لنفسه مخططاً من مراحل عدّة، ووفق جدول زمني يمتدّ حتى نهاية العام المقبل. حملت المرحلة الأولى من المخطط اسم «هدم الأسوار»، فيما سُميت الثانية «حصاد الأجناد». ويؤكد مصدر «جهادي» لـ«الأخبار» أنّ «المخطط المبارك يشتمل أيضاً على ثلاث مراحل، يُعلن عن اسم كلٍّ منها، وأهدافها، في الوقت المناسب». يرفض المصدر الإفصاح عن مزيد من التفاصيل، ويعزو الأمر إلى أن «الدولة استلهمت في مخططاتها روح الإسلام، وقسّمتها على مراحل، كما كان التنزيل القرآني على مراحل، وكما فُرضت أركان الشريعة على مراحل، وكما قامت دولة الخلافة الراشدة على مراحل».


ويؤكد، في الوقت نفسه، أنّ «الغاية الأسمى هي الانتقال من طور الدولة الإسلامية إلى طور دولة الإسلام واقعاً وتطبيقاً. والثانية أعمّ وأشمل. ويستوجبُ قيامُها تحطيم كل الأصنام والإطاحة بكل الطواغيت الذين يزعمون أنهم حكّام مسلمون لدول إسلامية».
وبعيداً من «التنظير الشرعي»، يبدو الأسلوب العام الذي يعمل وفقه التنظيم المتطرّف دقيقاً، سواء لجهة التخطيط، أو لجهة التطبيق على الأرض. ما يفتح الباب أمام أسئلة حتميّة، حول «الماهيّة الاستراتيجيّة» للتنظيم، وحقيقة المُخططات، والجهات التي تولّت رسمها.

جبهتان منفصلتان/ متصلتان

الوقائع أثبتت منذ بدء الأزمة السورية، أنّ «داعش» أفلحَ في تحويل كل من الجبهتين السورية والعراقية إلى ميدانين منفصلين/ متّصلين. إذ لعبت كلّ من الجبهتين، دوراً في تدعيم الأخرى عند اللزوم. فلم يخلط «داعش» بين «جيشيه» سوى عند الضرورة. كثيرة هي المرات التي استقدم فيها التنظيم «قوّات» من العراق لتنفيذ مهامّ محددة في سوريا، لكنّ هذه القوات لم تلبث أن عادت إلى مواقعها في العمق العراقي بعد تنفيذ مهامها، تاركة لعناصر الجبهة السوريّة مواصلة العمل العسكري في سوريا. أما الجبهة السورية، فكانت مهمتها الأولى، «الدعم والإمداد» بالمال والسلاح، وتسخير كلّ من يجنّد في سوريا للقتال داخلها في مسعى لتحقيق «الاكتفاء الذاتي» في ما يخصّ العنصر البشري. كذلك، لعبت السيطرة على مواقع حدودية بين البلدين دوراً في توفير ملاذ آمن لقادة التنظيم بشكل دائم عبر انتقالهم إلى قلعتهم الرقاوية في سوريا إذا استدعى المشهد العراقي ذلك، والعكس بالعكس. ومن أحدث الأمثلة في هذا السياق، نقلُ القائد العسكري عمر الشيشاني للعلاج في مستشفى ميداني متكامل داخل أحد معاقل «داعش» في العراق الشهر الماضي. (كان الشيشاني قد تعرض لإصابة في إحدى معارك دير الزور، وأشيع أنه قُتل. الأمر الذي نفته مصادر «الأخبار» حينها. وأكدت المصادر لاحقاً أن الشيشاني كان قد أصيب، وتلقى العلاج في إحدى ولايات الدولة في العراق («الأخبار»، العدد 2299).

سوريا والانعكاس المنشود

لا يُراهن «داعش» على انعكاس فوريّ لتقدمه في العراق على المشهد السوري. ويقتصر رهانه على «أثر نفسي» في المرحلة الراهنة. يقول المصدر «الجهادي» لـ«الأخبار» إنّ «إيمان مجاهدينا بقي راسخاً طوال الوقت، لكنّ الانتصارات التي حققتها الدولة خلال اليومين الأخيرين كانت كفيلةً بإدخال الفرح والطمأنينة إلى قلوبهم».
موالو «داعش» سارعوا إلى التعبير عن ابتهاجهم بـ«الفتح» الجديد. وتحدثت مصادر من السكان عن احتفالات عمّت مناطق سيطرة التنظيم داخل سوريا، ومنها «تسيير رتل سيارات ونحر الذبائح، وتوزيع الحلوى على المسلمين في مسكنة ابتهاجاً بالفتوحات التي مكّن الله بها إخواننا في العراق»، و«توزيع هدايا وحلويات. وأرتال تجوب منطقة دير حافر ابتهاجاً واحتفالاً بانتصارات إخواننا في العراق... وإطلاق نار كثيف، واحتفالات في مدينة منبج»، وجميع هذه المناطق في ريف حلب الشرقي. كذلك، تحدثت صفحات «ولايات الدولة» على موقع «تويتر» عن احتفالات ضخمة في «ولاية الرقة»، كما توقف «إعلاميو الدولة» عند بعض التفاصيل، التي اعتبروها من «علامات التمكين»، ومنها «تغيّر صيغ أخبار الدولة من «الدولة الإسلامية تهجم» إلى «الدولة الإسلامية تسيطر»، و«تغيير التكتيك العسكري من اضرب واهرب، إلى اضرب وطارد».
ومن المتوقع أن تتضح «آثار انتصارات العراق» في المشهد السوري في مرحلة تالية عبر استقدام «وحدات قتالية» في محاولة لحسم معارك «الحرب الأهلية الجهادية» التي يخوضها التنظيم في دير الزور ضدّ «جبهة النصرة» وحلفائها. كذلك يُنتظر أن تؤتي «انتصارات الدولة في العراق» ثمارها، عبر «بيعات جديدة مباركة في سوريا»، وفقاً لتعبير المصدر. فيما سيكونُ على مسلحي التنظيم في ريف حلب أن يحاولوا الصمودَ، معتمدين على قدراتهم الذاتية في وجه هجمات شرسة متوقعة ضدّهم، من قبل «غرفة عمليات أهل الشام»، خاصة أن أوساط «الغرفة» بدأت الترويج لحصول «انسحابات ضخمة لمقاتلي داعش للانضمام إلى معارك العراق».




من هو «أسد الله البيلاوي»

أطلق تنظيم «داعش» على معاركه في «ولاية نينوى» اسم «غزوة أسد الله البيلاوي أبي عبد الرحمن». واسمه الحقيقي اسماعيل نجم، وينحدر من عشيرة البوبالي التي تسكن في منطقة الخالدية بين الرمادي والفلوجة. وكان البيلاوي يشغل منصب «رئيس المجلس العسكري لتنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام». كذلك كان يُعتبر بمثابة «نائب أمير الدولة»، وفي كانون الثاني الماضي، أعلنت مصادر أمنية عراقية عن «مقتل البيلاوي في عملية في منطقة المزرعة في الموصل». وتؤكد مصادر «داعش» أن «الشهيد البيلاوي قد وضع الخطط العسكرية لتحرير الموصل. كما كان له دور أساسي في التخطيط لمعظم العمليات العسكرية للدولة في العراق وسوريا خلال العامين الماضيين».