هو حلمٌ يراود اي طفل عندما تشعر قدماه للمرة الاولى باحساس الكرة. حلمٌ مقسوم الى قسمين: الاول هو اللعب في كأس العالم، والثاني هو الاكبر، ويتمثّل في حمل تلك الكأس الذهبية التي بدت عبر التاريخ كأنها عشيقة الكل، فالجميع يخطب ودّها، والجميع يريد لمسها، احتضانها وتقبيلها...


أتذكرون تلك المقابلة الشهيرة التي تناقلتها الشاشات دائماً باللونين الابيض والاسود، وفيها ذاك الفتى الارجنتيني الذهبي الذي يدعى دييغو ارماندو مارادونا وهو يجيب عن اسئلة احد الصحافيين، الذي رأى فيه موهبة استثنائية بين اقرانه الصغار، فأراد سؤاله عن حلمه، فجاءت اجابة «دييغيتو» (دييغو الصغير): «اريد الفوز بكأس العالم مع منتخب الارجنتين».
وقتذاك قد يكون ضحك طاقم التصوير كله ومعه من كانوا وراء الشاشة، اذ ان طفلاً فقيراً يحمل كرة رثة في ملعب متواضع لن يفعلها، لكن دييغو فعلها، ولم يكن الامر بطريقة عادية، بل هو خطّ لحظات اسطورية في مونديال 1986 في المكسيك، بقيت في ذاكرة كل من تابع فعاليات تلك النسخة، او من شاهد لقطات لها في فترة لاحقة.
اليوم وعشية مونديال 2014، كم من لاعب يفكر قبل ان ينام في صناعة لحظة تاريخية تبقى راسخة في مسيرته وفي ذاكرة المونديال؟ وكم من نجم يريد صناعة التاريخ على غرار ما فعل «اجداده»؟ هي مسألة شخصية في كثير من الزاويا قبل ان تكون مسألة قيادة أمة الى المجد.


الكأس الذهبية عشيقة الكل، فالجميع يخطب ودّها، والجميع يريد لمسها، احتضانها وتقبيلها
وهنا يمكن الحديث عن لاعبين حلموا بمجرد اللعب في كأس العالم، اذ إن الحضور في احدى المباريات المونديالية، او تمثيل منتخب ما فيها هو اكثر من شرف، وابعد من مجرد خوض بطولة عالمية، اذ كما هو معلوم يبقى اسم اللاعب في السجلات المونديالية حتى الأزل. وبالتأكيد لهذا السبب، ذهب كثيرٌ من اللاعبين الى قبول جنسية اخرى فقط من اجل عيون المونديال، اذ لم تعد تهم الوطنية او القميص الذي سيدافع عنه اللاعب، بل المهم هو دخول التاريخ من بوابة اكبر تظاهرة كروية.
الا ان قسماً آخر من اللاعبين له فكرة مغايرة تماماً. هي فكرة اعظم بطبيعة الحال وترتبط بالنجوم دون سواهم، وهؤلاء يعلمون تماماً انهم لن يصلوا يوماً الى مصاف العظماء، ويخلّدوا في التاريخ الكروي من دون حمل تلك الكأس الذهبية الغالية.
ومونديال البرازيل هو محطة للعديد من النجوم الذائعي الصيت الراغبين في اللعب من اجل التاريخ وكتابته بلغتهم الخاصة، التي لا يحكيها سواهم. ويمكن اخذ عيّنة لنجومٍ عديدين يملكون دافعاً غير طبيعي لخطف الكأس قبل اي شيء آخر، لأنهم يعلمون جيداً انه لن يكون هناك قيمة لأي شيء فعلوه في مسيرتهم من دون حفر اسمائهم في ذهب المونديال، اذ كم من لاعب لمع مع ناديه وسجل عدداً قياسياً من الاهداف، لكن العالم نسيه لانه ببساطة لم يحرز اللقب العالمي، والامثلة كثيرة على هذه النقطة.
وبما ان اللقطة الاكثر رسوخاً في الاذهان هي لمارادونا، فانه يمكن بدء الكلام في هذا الاطار من عند القائد الحالي للمنتخب الارجنتيني، والملهم الأول له ليونيل ميسي، الذي لن يحلم الارجنتينيون بلقب كأس العالم من دونه، لدرجة يرى فيها كثيرون أنه إذا لم يحرز منتخب «بلاد التانغو» البطولة في 2014 مع «ليو» فانه سيبقى حتى الأزل وفي رصيده لقبا 1978 و1986.
ولا شك في ان ميسي يعرف في قرارة نفسه أنه لن يكون يوماً «مارادونا» من دون حمله كأس العالم بين يديه. صحيح انه يشبه «الأسطورة» في لعبه بقدمه اليسرى وفي اهدافه الخيالية بكلتا القدمين وحتى باليد، لكنه لن يكون يوماً في نفس مرتبة ذاك العظيم من دون قيادته الارجنتين الى الذهب. وميسي يرى في مونديال البرازيل صفحة جاهزة لكتابة تاريخه الخاص، تاريخ قد يضع «البرغوث» ربما في مرتبة اعلى من مارادونا، ان لم يكن على صعيد الشعب الارجنتيني المهووس بدييغو، فقد يكون على الصعيد العالمي، وخصوصاً وسط الانجازات الفردية الكثيرة لميسي والالقاب التي حصدها مع برشلونة الاسباني حتى يومنا هذا.
وقد يشبه وضع نيمار ذاك الذي يحيط بميسي حالياً، اذ ليس عبثاً انه جرى تغيير القميص الذي يرتديه النجم البرازيلي من الرقم 11 الى الرقم 10، حيث يرى فيه الكل صورة بيليه الذي صنع ثلاثا من النجوم الخمس الموضوعة على قميص «السيليساو». ونيمار العادي المستوى مع برشلونة يتحوّل الى لاعب آخر مع منتخب بلاده، وهو امر اثبته في كأس القارات العام الماضي، ويبدو مصرّاً على تكراره في كأس العالم هذا الصيف، لانه ليس هناك افضل من نسخه للقصة الجميلة التي خطّها يوماً ذاك «الملك» الذي اضحى الأعظم في العالم.
وتكثر الامثلة ايضاً وتنسحب على عدد كبير من النجوم، ومنهم البرتغالي كريستيانو رونالدو، الذي لن يتخلّص من شبح الراحل أوزيبيو الذي قاد البلاد الى المركز الثالث في مونديال 1966 من دون ان يفعل افضل منه. مهمة رونالدو مزدوجة، فهو ايضاً مطالب بالظهور بمظهر البطل في المناسبات الكبرى التي يغيب عنها عادةً.
مونديال مرتقب، ونجوم منتظرون، وصفحات التاريخ جاهزة لاستقبال عدد محدود جداً منهم.




الأرقام تحكي التاريخ

تصبح الارقام في موازاة اهمية اللقب الغالي، عندما يرتبط الامر بالمونديال، فها هو المهاجم الألماني ميروسلاف كلوزه يصل الى البرازيل واضعاً نصب عينيه كتابة التاريخ على طريقته الخاصة. وبعيداً من طموح «ميرو» بانهاء مسيرته الدولية بأفضل طريقة ممكنة مع منتخب بلاده، فهو مطالب باعادة رقم قياسي كان المانياً لفترة طويلة، ويرتبط بالهداف التاريخي للمونديالات، الذي انتزعه البرازيلي رونالدو (15 هدفاً) من الالماني غيرد مولر المتساوي مع كلوزه بـ 14 هدفاً لكلٍّ منهما.