كانت صباح زوين (1955 ـــ 2014) صاحبة نصف جملة شعرية، أو صاحبة شبه جملة بحسب أغلب عناوين مجموعاتها الشعرية، التي انطوت على حيرة ولعثمة وتردّد في مواجهة اللغة الشاملة أو المعنى المتكامل والنهائي. هذا ما يمكن أن يُقال عن الجملة التي كتبت بها. الجملة التي هي جِلْدٌ لغوي وأسلوب في اللغة وحساسية في النبرة. وهذا ما يمكن أن يكون مدخلاً لقراءة تجربتها كلها تقريباً. تلك التجربة التي تشظّت مثل جملتها في أكثر من لغة، فكتبت بالفرنسية أولاً، لغة مدارس الراهبات التي درست فيها، وأتقنت الإسبانية، لغة والدتها. بالفرنسية، نشرت أربعة دواوين صغيرة هي: «على رصيف عارٍ» (1983)، و«هيام أو وثنية» (1985)، و«لكن» (1986)، و«بدءاً من، أو، ربما» (1987). واشتغلت على ترجمات عن الفرنسية والإسبانية، وأصدرت أنطولوجيات عدة، كانت واحدة منها عن الشعر اللبناني، بعنوان «تلك الأشياء التي في الأفق» ((2007)، وأنطولوجيا ثانية جمعت فيها 30 شاعراً لبنانياً مع العدد نفسه من شعراء الأرجنتين، وثالثة بالفرنسية حملت عنوان «اصوات لبنانية معاصرة».


الإقامة في لغات ثلاث مالت في النهاية إلى لغة الضاد، التي وجدت فيها الشاعرة اللبنانية لغة معيشة ومسموعة ومتحركة وتتنفس في جوارها طوال الوقت. «لغةً أعيشها وأتنفسها في كل مستوياتها وجوانبها، بينما الفرنسية بدأت تخنقني لأنها كانت تأتي إليّ من الكتب فقط»، بحسب تعبيرها في أحد حواراتها.
ولكي توحّد جملتها الشعرية، فكرت في اختراع بداية جديدة لها. ليست جديدة تماماً، لكن يمكن البدء منها من دون ترك البداية الأولى خلفها، فلجأت إلى ترجمة أو نقل مجموعاتها الفرنسية الأربع إلى العربية، وأعادت نشرها في كتاب واحد حمل عنوان «بدءاً من، أو، ربما»، وهو عنوان آخر مجموعة فرنسية لها كما أشرنا سابقاً. هكذا، تراصّت نصوصها في لغة واحدة، وبات عليها المضيّ من دون تشتت في الهوية الوجودية واللغوية، لكن ذلك لم يسرِ بالطبع على جملتها التي قلنا إنها ظلت شبه جملة أو نصف جملة غير مكترثة بالذهاب إلى نهاية المعنى أو كشف الاستعارات المدسوسة فيها. لقد «أتقنتْ اللعثمة»، ولم تكن اللعثمة حيرةً وركاكة وتقصيراً حتى لو كان ذلك موصوفاً على سبيل المديح والثناء.
الحيرة والتشتت والانشطار، وحتى الجملة المبتورة كانت جزءاً من ممارسة شعرية تحولت إلى وصفة ذاتية وأسلوب خاص.
لم تخترع صاحبة «ما زال الوقت ضائعاً» (1992) هذا الأسلوب طبعاً، لكنه ظل ملازماً لاسمها، ومواكباً لقراءات النقاد والمتابعين لتجربتها التي ظلت ماكثة في حدود ومساحات ضيقة عموماً، بمعنى أن هذه التجربة حافظت على حضور خاص في المنجز الشعري اللبناني في العقود الأخيرة، وحافظت على خصوصية واضحة في تلك النبرة التي تقول ولا تقول، وتترك اللغة دائرة حول جوهر لا يعرف القارئ حقيقته بدقة. إلا أن هذا الحضور لم يطرق مناطق أبعد من تلك العوالم والمناخات التي ظلت مشدودة إلى الجملة الناقصة أو غير الناجزة التي كُتبت بها. لقد استمرت تلك الجملة في جمع أساليب عدة، وطحنها في أسلوب واحد تعمدت الراحلة ألا يرتقي بشعرها إلى أسلوب كامل، بل تركت للغة أن تكون لها هفوات وهنّات وحتى ما بدا أحياناً أخطاءً في التعبير. كان هناك دوماً تغريبٌ لبنية الجملة العربية عن سياقاتها المعهودة والمتداولة. أحياناً كنا نظن أن ماضيها الكتابي بالفرنسية هو سبب هذه «الركاكة» العذبة في شعرها، لكن نقلها لذلك الماضي الفرنسي إلى راهنها بلغة الضاد أزال ظنوننا تلك، وجعلنا متأكدين أن الشاعرة كتبت بالنبرة ذاتها باللغتين.


نبرة متلعثمة
تُمجّدُ الندوب والمرارة والعزلة والفقدانات
لذلك، كان طبيعياً أن يُستأنفَ ذلك في مجموعاتها الشعرية اللاحقة أيضاً، فقرأنا لها «كما لو أن خللاً، أو في خلل المكان» (1988)، و«لأني وكأني ولستُ» (2002)، ولعله العنوان الأكثر تمثيلاً لمعجمها الحائر، وجملتها التي لا تكاد تبدأ حتى تتوقف وتتريث أو تدور حول نفسها أو تعود أدراجها أو تسلك درباً جانبياً لن يقودها بالضرورة إلى الهدف. في مقاطع وسطور مثل: «قريباً شمسُ عَرَقنا السابق، قريباً نكون غائبين»، و«ما عدا، ما عدا شمسان في صدري، ربما واحدة»، و«لا نحذفُ أنفسنا. لنثبّت الحروف المنفصلة على جسدك المغشّى. الشفاف. لنسبرْ صحة كل كلمة»، تلوح لنا منذ بداياتها أنها كانت مشغولة بالبدء من جملة لا تصلح كبداية، وانتهاء بجملة لا تصلح لنهاية. كأن النص موجود بلا طرفيه، ومضطر للتماوج بلا وزن تقريباً.
لم تكن هذه التراكيب والصياغات غير المكتملة ممارسة وحيدة في شعر صباح زوين. هناك مقاطع وقصائد قصيرة كاملة في عدد من مجموعاتها، كما أن كتابها «البيت المائل والوقت والجدران» (1995) يدعونا إلى كتابة شديدة السردية، وفيها استطرادات غير مألوفة. إلا أن المعاني الناقصة لا تزال هي ذاتها تقريباً. في سياق ذلك، ينبغي ألا نغفل عن أن ما نُظر إليه كجرأة في كتابة نصوص غير منجزة، ومجازفة في أداء لغوي غير مبالٍ باكتمال المعنى، لم يكن سوى ترجمات دفينة لانكسار الذات وهزيمة الوجدان وهشاشة الكتابة التي وجدت في الشكل ما يُرضي صاحبتها، بينما ظلت أحشاء النصوص فضاءً للظلال وأسئلة الوجود والموت.
كأن الأسلوب المتين والمتماسك لجملة تفاخرت طوال الوقت بعدم تماسكها، كان مدخلاً إلى ذلك الأسى الذي حضر بجرعات هائلة في نصوص كثيرة. كل ما كان مطلوباً منا أن نتجاهل شكلانية التعبيرات الناقصة، والنبرة المتلعثمة، وأن نصغي جيداً لتلك التأملات التي كانت تُمجَّدُ فيها الندوب والمرارة والعزلة والفقدانات، وأن نتعرف على الأعماق الخافتة لتلك اللغة التي شُغلنا بوصف حيرتها وترددها وتماوجها وعجزها عن بلوغ المعنى، حيث كان في استطاعتنا أن نقرأ مقاطع وسطوراً مدهشة عن صحبة الشاعرة مع الكتابة ذاتها، كما في «ليست الكلمة سوى فجوة في الليل»، و«الحرف بدأ يتفتَّت»، و«أعجزُ عن القول/ كما دائماً عجزتُ/ والقول يُغرق جسدي/ يُغرقه في عجز الكلمة».
كأن صباح زوين كانت تستدرجنا إلى الفناء الخلفي لنصوصها، لكي نشاركها طرح سؤال مثل «كيف تتسلقين كل هذه الأحرف الوعرة/ ولم تموتي بعد»، ولكي نسمعها وهي تلوّح لنا في عبورها إلى العالم الآخر:«آه! هل أنا الميتة الأبدية/ في ذراعيك اللتين لا تنضبان/ ما هذه الضحكة الجبارة التي ترافقني؟».

* يصلّى على جثمانها عند الرابعة من بعد ظهر اليوم في «كنيسة مار أسطفان الرعائية_ العذرا وجورة بدران». تقبل التعازي اليوم في الكنيسة، ويومي السبت والأحد في صالون «كنيسة مار الياس أنطلياس» اعتباراً من الثانية بعد الظهر.
* صدرت مجموعتها الأخيرة عن «دار نلسن» بعنوان «عندما الذاكرة، وعندما عتبات الشمس» (2014)