على غير العادة في أيلول من كلّ عام، حين كان يتمّ إحياء ذكرى الهجمات على نيويورك وواشنطن، بلا كثير جلبة، يبدو أن احتفال الشهر المقبل، سيكون منعطفاً في تاريخ العلاقات السعودية - الأميركية، مع استعداد إدارة جو بايدن لرفع السرّية، جزئياً أو كلّياً، عن وثائق 11 أيلول التي تدين مسؤولين سعوديين في تقديم مساعدة مباشرة للانتحاريين الذين نفّذوا الهجمات بطائرات على المدينتَين في عام 2001. على أن التجربة تقول إنه لا شيء يقع خارج البازار بين أميركا والسعودية، منذ أن قامت علاقاتهما قبل ثلاثة أرباع القرن على المقايضة التي وضعها عبد العزيز آل سعود وفرانكلين روزفلت، والقاضية بحماية النظام السعودي، مقابل كلّ ما تريده واشنطن، وفي متناول الرياض أن تفعله، سرّاً وعلانية. ثمّ تقلّبت العلاقات منذ ذلك الحين كثيراً، إلى أن وصلت في السنوات الأخيرة، إلى مرحلة التشكيك الأميركي في ما إذا كانت كلفة حماية النظام السعودي، عسكرياً وأخلاقياً، تبرّر بقاء المعادلة كما هي.

إذا قرّر بايدن رفع السرّية عن كلّ وثائق 11 أيلول، فستتعرّض هذه المقايضة لأقسى اختبار لها على الإطلاق. إذ سينفلش العداء للسعودية على امتداد الرأي العام الأميركي، بعد أن ظلّ حتى الآن محصوراً في الأوساط المعنيّة فقط، بالنظر إلى قلّة اطّلاع واكتراث الأميركي العادي بمجريات العلاقة بين البلدين، وبفضل المساعي الدؤوبة من قِبَل الإدارات المتعاقبة، جمهورية وديمقراطية، لحماية تلك العلاقة، لأسباب ليست كلّها مكشوفة. لا هامش مناورة كبيراً أمام بايدن، أوّلاً لأنه أقام جزءاً أساسياً من حملته الانتخابية في مجال السياسة الخارجية على محاسبة السعودية التي وصفها بـ"الدولة المارقة"، قبل أن يتصرّف بغير ما يقتضيه ذلك الوصف، حين اصطدم بالوقائع؛ وثانياً لأن المعنيّين، وفي مقدّمتهم ذوو الضحايا، وضعوه أمام أحد خيارَين تحت طائلة منْعه من حضور احتفالهم بالذكرى الشهر المقبل: إمّا نحن وإمّا السعودية. وقد بدأت الإدارة بالفعل في مراجعة الوثائق تمهيداً لرفع السرّية عنها. والسؤال الكبير هو هل سيقبل أهالي الضحايا بحلّ جزئي للمسألة لا يصل إلى النهايات، أي لا يكشف كلّ الوثائق في انتظار ظروف مستقبلية ملائمة؟
واقعة أن إدارة بايدن أفرجت عن تقرير "سي آي إي" الذي يورّط محمد بن سلمان في مقتل الصحافي جمال خاشقجي، من دون أن تفرض عليه عقوبات، تحمل على الاعتقاد بأن الأمور لن تبقى على جمودها في ما يتّصل بوثائق 11 أيلول، ولكنها في المقابل تُقدّم نموذجاً لما يمكن أن يكون عليه البازار، ولا سيما أن التسويات ستجري مع ابن سلمان نفسه، الذي لديه الكثير ليطلبه من إدارة بايدن، التي تتّخذ موقفاً سلبياً منه في العلن، ولكنها أظهرت استعداداً للمساومة معه في الخفاء. 11 أيلول 2001 هو التاريخ الذي شهد أكبر تحوّل في العلاقات السعودية - الأميركية، حين استفاق الأميركيون على حقيقة أن 15 من أصل 19 انتحارياً نفّذوا الهجمات، سعوديون. تلك كانت الضربة الأولى لصفقة عبد العزيز - روزفلت، وصارت بعدها العلاقة علاقة كراهية تُلطّف منها المصالح، بعدما كانت في السابق صداقة قائمة على المصالح. وفي أميركا الآن، ثمّة من يتساءل عن مَن هو صاحب اليد العليا في هذه العلاقات، ولو على سبيل التعبير عن الغضب من منْح السعودية استثناءات في السياسات التي طبّقتها الإدارات الأميركية المتعاقبة، لا على سبيل توصيف واقع قائم فعلياً.

يريد ابن سلمان من إدارة بايدن تغطية تولّيه العرش، وسيكون مستعدّاً لأيّ مساومة مع الأميركيين تُحقّق له هدفه


الذكرى العشرون للحدث لن تكون مثل غيرها. طال صبر ذوي الضحايا على إداراتهم، هم الذين يطاردون السعودية في المحاكم الفيدرالية منذ وقوع الهجمات، إلى أن وجدوا في بايدن خاصرة رخوة لتحقيق الاختراق الذي طال انتظاره. لكن الرئيس الذي وعد بإعادة الشفافية إلى الحكومة، عاد ليكرّر نفس سلوك أسلافه الثلاثة، الذين دأبوا في قضية 11 أيلول بالذات، على تفضيل العلاقة مع النظام السعودي وحمايتها، على تحقيق العدالة للأميركيين. إذا تمّ تحميل الرياض، ولو عبر اتهام مسؤولين فيها، وليس قيادتها السياسية، وزر أكبر هجوم تتعرّض له الأراضي الأميركية منذ بيرل هاربر في الحرب العالمية الثانية، فإن الثمن الذي ستدفعه سيكون باهظاً سياسياً واقتصادياً، إلى درجة أنه قد ينقل المملكة من حال إلى حال، وقد يرهن جزءاً من ثروتها ومستقبل أجيالها للأميركيين. فَلْنتخيّل حجم التعويضات التي سيكون على المملكة أن تدفعها عن ثلاثة آلاف قتيل، إذا قُدّمت الأوراق السرّية إلى المحكمة وأظهرت تورّط مسؤولين سعوديين في الهجمات. ماذا سيحلّ بالأصول السعودية في أميركا، سواءً كانت أموالاً في البنوك بأسماء مسؤولين سعوديين، أو سندات خزينة أميركية مملوكة للحكومة السعودية، أو أصولاً عقارية، أو أسهماً في شركات أميركية مملوكة للصندوق السيادي السعودي؟ سيتلقّى الاستثمار السعودي في الخارج ضربة كبرى، وسيكون مصير جزء من الثروة السعودية الانمحاء، كما سيسلّط الشارع الأميركي ضغوطاً على الحزبين الجمهوري والديمقراطي من أجل فرص عقوبات على السعودية من خلال تفعيل قانون "جاستا". أمّا الجانب السياسي فلا يقلّ أهمية، ولْنتخيّل في هذا الشقّ ما الذي تستطيع واشنطن أن تفرضه على الرياض، في ظلّ وجود حُكم غير مستقرّ بقيادة ابن سلمان. يمكن للأولى تكبيل يدَي ولي العهد السعودي تماماً، من دون أن يستطيع المقاومة.
الحقائق القليلة المعلَنة سابقاً من مضمون تلك الوثائق، تشي بأنها من النوع الذي سيُحدث صدمة عند الكشف عنه. فالمباحث الفيدرالية و"سي آي إي" أكدا، سابقاً، أن الحكومة السعودية اخترقت تنظيم "القاعدة" واستخدمته قبل هجمات 11 أيلول، فيما أفاد محقّقون فيدراليون، في تقرير مُقلّص جدّاً، بأن مسؤولين سعوديين وجّهوا مساعدات إلى اثنَين على الأقلّ من الخاطفين لدى وصولهما إلى الولايات المتحدة، في السكن والتنقّل، وفتح وتمويل حسابات مصرفية، والحصول على وثائق هوية، والاندماج في المجتمع، والتسجّل في مدارس لتعلّم الطيران. كما اعترفت المباحث الفيدرالية ووزارة العدل بأن لديهما وثائق ذات صلة كبيرة بدور مسؤولين سعوديين في مساعدة الإرهابيين، لكن هذه الوثائق ما زالت محجوبة عن الرأي العام بقرار من المدّعي العام السابق في حكومة دونالد ترامب، وليام بار، الذي استخدم بند "امتياز أسرار الدولة" في القوانين، لتعويق العدالة. وحتى الساعة، لم تُظهر إدارة بايدن أيّ اهتمام بمراجعة هذا القرار، فيما لا تزال وزارة العدل والمباحث الفيدرالية تستخدمان كلّ ما في جعبتهما من حيل قانونية لعدم عرض الوثائق التي يطلبها ممثّلو الادّعاء في المحكمة. كذلك، لم يُظهر الكونغرس حتى الآن رغبة في إلزام الرئيس بالكشف عن تلك الوثائق، على رغم مساعي الكثير من المشرّعين إلى رفع السرّية عنها.
يريد ابن سلمان من إدارة بايدن تغطية تولّيه العرش، وسيكون مستعدّاً لأيّ مساومة مع الأميركيين تُحقّق له هدفه، ليصبح شريكاً للولايات المتحدة في تدفيع الشعب السعودي ثمن ذنب لم يقترفه، وسلْبه جزءاً من ثروته. لقد فعل وليّ العهد ذلك من قبل، حين عقد صفقة الأسلحة ذات مئات مليارات الدولارات مع دونالد ترامب مقابل دعم "الانقلاب" الذي جاء به إلى منصبه. على أن الدفاع عن مصالح السعودية يقتضي تصرّفاً مختلفاً من جانب حكّامها، قوامه رفْض تحميل الشعب السعودي مسؤولية ما جنته يدا بعض المسؤولين السعوديين. ويمكنها، في هذا السبيل، استخدام أوراق قوّة محتملة كبيرة، من بينها، مثلاً لا حصراً، قدرتها على التحكّم بأسعار النفط التي يريد بايدن الآن خفضها، والمصالحة مع إيران، والرجوع عن السياسات الخاطئة في كلّ ملفّات الأزمات التي تورّطت فيها الرياض.