غزة | لم يَغِب اسم القيادي «الفتحاوي»، محمد دحلان، طويلاً عن المشهد الغزّاوي، لكن موقعه في هذا المشهد تَغيّر بين ما قبل تموز 2013 وما بعده. فقبل ذلك التاريخ الذي أُسقط فيه الرئيس المصري الراحل، محمد مرسي، عن كرسيّ رئاسة مصر، كان يُنظر إلى زعيم «جهاز الأمن الوقائي» السابق، وسط الجمهور «الحمساوي»، على أنه «قائد التيّار الخياني» أو «زعيم الهاربين من غزة»، ربطاً بالدور الذي مارسه خلال أحداث الاقتتال الداخلي عام 2006. لكن بعد تولّي عبد الفتاح السيسي ومؤسّسة الجيش شؤون الحُكم في مصر، حضر المستشار الأمني لحاكم دبي إلى المشهد الفلسطيني عموماً، والغزّاوي خصوصاً، بصفته المُخلّص، إذ لعب الرجل دوراً محوريّاً في كسر الجمود بين «حماس» والقاهرة، وساهمت جهوده في إعادة فتح معبر رفح الذي بقي مغلقاً منذ 30 حزيران 2013 إلى بداية حرب عام 2014.

ومنذ 2015، وعقب الدور الذي لعبه دحلان في إعادة صياغة العلاقة المصرية - «الحمساوية»، أعطت الحركة التي تزعّمها يحيى السنوار هامشاً واسعاً لعمل التيّار «الدحلاني» في غزة. هكذا، تمدّد الرجل الذي يدير أعماله السياسية والأمنية من العاصمة الإماراتية أبو ظبي، على نحو أفقيّ، بإنشاء مؤسّسات خيرية ونقابات مهنية ومنظومة إعلامية، إلى جانب بناء حالة تنظيمية متكاملة، ظلّت تراهن، مذ برزت في المشهد «الغزّاوي»، على إحداث تغيير في حركة «فتح» من الداخل. لكن نتائج المؤتمر «الفتحاوي» السابع عام 2016، أسهمت في توليد حالة من الإحباط الداخلي، إذ أقصت النتائج دحلان من المشهد، وعزّزت الحرب «العبّاسية» على مناصري القيادي «الفتحاوي» السابق، عبر قطع المئات من الرواتب عنهم، وتهميش كلّ من تَثبت علاقته به. مذّاك، وخلال السنوات التي تلت، عمل دحلان على اختراق المجتمع الغزّاوي عبر ضخّ المساعدات التي تدفع فاتورتها أبو ظبي، لعشرات المشاريع التنموية والحيوية، ذات البعد الحسّاس والمؤثّر في المجتمع، مِن مِثل «تحرير الشهادات الجامعية، دفع ديّات قتلى الانقسام، زراعة أطفال الأنابيب للأزواج المحرومين»، فضلاً عن اختراق البنى الحزبية لفصائل العمل الوطني، عبر «شراء» ولاءات قيادات وشخصيات إعلامية وحزبية وكتّاب ومحلّلين سياسيين، وناشطين في مجال حقوق الإنسان. ساهم كلّ ذلك في تشكيل ظاهرة «دحلانية» عابرة للأحزاب والأيديولوجيا، بعدما جرى تحييد الخصوم، ليَظهر زعيم «التيار الإصلاحي» بصورة الشخصية القيادية الخيرية التي تمارس دور «المنقذ»، حتى إنه قال في واحدة من مقابلاته، مُوصّفاً مشكلة الكهرباء في غزة، والتي تَدخل المقاومة المواجهات لأجل المساهمة في معالجتها: «مشكلة الكهرباء في غزة بسيطة، واحد من رجال الأعمال من أصدقائي قادر على حلّها خلال أيام».

لم يلْقَ مقترح تشكيل حزب سياسي تحت مسمّى «المستقبل» تجاوباً داخل البنى التنظيمية لـ«التيّار الدحلاني»


لكن، وبعد سنوات من صناعة «بروباغندا» الخلاص والحلول الخلّاقة، والتي لم تَحلّ أيّاً من أزمات القطاع بشكل جذري، وبعد تنصّل الرئيس محمود عباس من إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، يقف «التيار الإصلاحي» على مفترق طرق، إذ إنه لا يحظى إلى اليوم بأيّ تمثيل رسمي يسمح له بالجلوس على طاولة تجمع أكثر من 15 حزباً، لا يتجاوز عدد منتسبي بعضها المئات، ولا هو قادر على اختراق المشهد السياسي لحركة «فتح». وبعد انتهاء معركة «سيف القدس»، علمت «الأخبار» أن دحلان طلب رسمياً من جهات إقليمية ومحلّية أن يشارك في اجتماعات القاهرة بصفة رسمية، لكن جهات إقليمية أهمّها الإمارات ومصر طلبت منه البحث عن توصيف يسمح له بحضور تلك الاجتماعات، فيما لم تخرج الاقتراحات عن تشكيل حزب سياسي جديد، بعد أن ثَبُت أن الاستثمار في محاولة «إصلاح البيت الفتحاوي» غير مجدية، خصوصاً في ظلّ ما يظهر أنه عكوف «أبو مازن» على ترتيب المشهد «الفتحاوي» الداخلي لما بعد مرحلته، بتصدير شخصيات حزبية جديدة، تحظى برضى «المجتمع الدولي»، وتسدّ أيّ ثغزة يمكن أن تسمح بدخول دحلان «البيت الفتحاوي» من جديد.
لكن مقترح تشكيل حزب سياسي تحت مسمّى «المستقبل» لم يلْقَ تجاوباً داخل البنى التنظيمية للتيّار في غزة، إذ يجد الكثيرون أن توجّهاً كهذا سيساهم في إفقاد «الإصلاحي» الزخم الذي يضيفه إليه البعد التاريخي لحركة «فتح»، وسيُفضي إلى تكرار تجربة «حركة الأحرار» التي انشقّت عن «فتح» بدعم «حمساوي»، ولم تستحوذ على أيّ حضور شعبي أو دور فاعل في الشارع. وتقول مصادر من داخل تيّار دحلان لـ«الأخبار» إن مستجدّات أخرى طرأت حديثاً، ساهمت في خلط أوراق البيئة التنظيمية من جديد، بعد قيام رئيس السلطة محمود عباس بتغيير طريقة تعاطيه مع القيادات «الفتحاوية المتجنّحة»، من خلال إعادة رواتب العشرات منها، وإغرائها بامتياز الحصول على مستحقّاتها المتأخّرة كافّة بأثر رجعي، الأمر الذي ساهم في صناعة حالة من التراخي لدى هؤلاء في التنافس على المناصب الحزبية، لصالح السعي إلى إعادة فتح خطوط تواصل مع «فتح» من أجل إعادة رواتبهم، خصوصاً في ظلّ حالة عدم الأمان الوظيفي التي يعيشونها داخل «الإصلاحي».
هذه الوقائع استغلّتها أوساط «فتحاوية» مقرّبة من عباس في طرح سبل لحلّ الخلاف «الفتحاوي» الداخلي. إذ اقترحت الجهات الوسيطة إعادة الكوادر «الفتحاوية» والعناصر المنتمية إلى «التيّار الإصلاحي» وهيكلتهم مجدّداً في بنية الحركة الأم، شرط أن يتمّ استثناء دحلان من تلك العملية، وتأجيل قضيّته إلى حين الانتهاء من تسكين الحالة كلّها. لكن مصادر مقرّبة من الرجل أكدت لـ«الأخبار» أن «الطرح الذي قدّمه أعضاء في اللجنة المركزية مرفوض، ليس لأنه يستثني النائب دحلان من الحلّ فحسب، لكن لأنه يعمل على تفريغ البناء التنظيمي للتيار من كوادره البشرية التي تُعدّ مصدر قوّته، تمهيداً لإنهائه بشكل تامّ، ناهيك عن أن ذلك الطرح يقدّم فرضيات الحلّ على قاعدة إعادة الرواتب المقطوعة، من دون الالتفات إلى الاستحقاقات التنظيمية التي هي حقّ لتلك الكوادر التي غادرت الحركة الأم، احتجاجاً على واقعها الإداري والتنظيمي، وكانت تدرك سلفاً أنها كانت ستخسر وظائفها في السلطة».