القاهرة | من تلقاء نفسها، منحت «أم. بي. سي. مصر» برنامج باسم يوسف «صمتاً انتخابياً». «الإجازة ليست أسبوعين» كما أعلنها باسم، بل أعلنت القناة: الإجازة شهراً ويزيد، يعود باسم إلى جمهوره في 30 أيار (مايو) المقبل بعد أيام من الانتخابات الرئاسية التي تجري في 26 و27 من الشهر نفسه. لكن، هذان اليومان الانتخابيان المذكوران، هما الجولة الأولى فقط، أليست هناك جولات أخرى يمكن أن «يؤثر فيها باسم على اتجاهات الناخبين» بحسب بيان القناة عن الإجازة الإجبارية؟


القناة تعرف أكثر. في يوم بيانها نفسه، تقدّم حمدين صباحي بأوراقه رسمياً للرئاسة. في اليوم نفسه اتضح أنّ صباحي والسيسي هما المرشحان الوحيدان في الانتخابات، والآخرون بين انسحاب وعجز عن استيفاء الشروط. لا عودة إذاً إلى مهرجان الديمقراطية للجميع في انتخابات 2012 ذات الثلاثة عشر مرشحاً. هذه المرّة، مع مرشحين اثنين فقط، لا وجود بالطبع لجولة ثانية، وتصبح الجولة الأولى هنا، مجرّد اسم على غير مسمّى، فهي الأولى والأخيرة.
أوقفت «mbc مصر» الإعلامي الساخر إذاً لتعبر جولة الانتخابات الوحيدة بسلام من دون «تشويش»، كأنّ «اتجاهات الجمهور» سوف تمثل ــ حقاً ــ فارقاً في النتيجة، كأنّ المجموعة السعودية جزء من القرار السياسي أو القانوني المصري. وذلك الأخير يُلزم الصمت الانتخابي قبل موعد الاقتراع بـ 24ساعة فقط، لكن mbc «أصمتت» يوسف أكثر من 40 يوماً: من 19 من نيسان (أبريل) حتى نهاية أيار (مايو).
غير أنّ الصمت دارج في مصر هذه الأيام. الأخبار تتنوّع بين منع فيلم (حلاوة روح) بقرار غير مسبوق من مجلس الوزراء رغم إجازته من الرقابة (الأخبار 18/4/2014)، وإغلاق قناة (فلول) واعتقال صاحبتها (سما المصري) بعد «اكتشاف» أنّها ــ القناة ــ بلا ترخيص، وذلك في اليوم التالي من هجومها على سياسي شهير.

تقبع غالبية «وجوه يناير» اليوم في الزنازين المختلفة

أما صوت الشارع، فيحاصره قانون منع التظاهر الذي صدر بحجة الإخوان المسلمين لكنّه قلّما يستخدم ضدّهم. بعدما صاروا «جماعة إرهابية» بحكم القانون وإعلان الحكومة منذ تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، صاروا يحاكمون بالتهم «الإرهابية». أما قانون التظاهر فيتم به اصطياد النشطاء الشبان بالجملة، وتقبع معظم «وجوه يناير» الآن في زنازين السجون المصرية المختلفة، محكومة بسنوات متعددة وغرامات ثقيلة.
لا يشبه هذا أي وعد مما تبشّر به الانتخابات عادة أو الرؤساء الجدد. تبدو الانتخابات المقبلة كأنّها عبور ــ أو تراجع ــ إلى ساحة أضيق وأصوات أخفض. تأتي وقد احتدمت أزمة اقتصادية بدأت الحكومة معها بالفعل في رفع الأسعار وخفض الدعم، ويبدو المرشح/ المحسوم واضحاً في التوعد بـ«أيام صعبة». أيام تمزج صعوبتها بين مشاكل الأمن وكوارث الاقتصاد، ويبدو في تصريح وتسريب تلو آخر واضحاً في إيمانه بإجراءات «إصلاح السوق» التي تعني في واقع الأمر التخلص من «أعباء الدولة»، أي الدعم والضمانات الاجتماعية الشحيحة، ما سيخلّف المزيد من الصراخ الاحتجاجي الذي لن يجد ــ وسط ترسانة القوانين وإرهاب الصحافيين ــ أي منفذ «طبيعي».
من هنا، في ظلّ «الأيام الصعبة» المقبلة، تبدو قرارات مثل «الإجازة الإجبارية» التي منحتها «أم. بي. سي.» لباسم يوسف كخطوات موقتة لا ترى مستقبلها. فـ«التأثير» الحقيقي الذي تخشاه القناة عبر «البرنامج»، سوف يبدأ اختباره الحقيقي مع الرئيس المقبل. أما الإيقاف أثناء الانتخابات، فيبدو مزحة طريفة، تتصرّف كأنّ هناك انتخابات حقاً.