حاكم مصرف لبنان لم يعد يُمانع الدفع لشركة «برايم ساوث» المشغّلة لمعملَي دير عمار والزهراني، لكنه يشترط أن يرسل له وزير الطاقة كتاباً يطلب منه ذلك. الأسبوع الماضي، رفض الوزير ريمون غجر هذا الطلب، معتبراً أنه لم يسبق أن أرسل كتاباً مشابهاً، وبالتالي يكفي أن تطلب «كهرباء لبنان» فتح الاعتماد بالليرة، كما جرت العادة، حتى يعمد مصرف لبنان إلى تحويله إلى الدولار.

عملياً، هذا ما كان يحصل منذ تشرين الأول ٢٠١٩ (قبل ذلك لم يكن مصرف لبنان يتدخل في عمليات تحويل الاعتمادات إلى الدولار، بل كانت المصارف تتولى المهمة، في ظل ثبات سعر الصرف). الفرق هذه المرة أن المطلوب التزام بتأمين نحو ٦٠ مليون دولار من مستحقات الشركة بالدولار النقدي مسبقاً. وحتى لو كان الدفع سيتم على فترة ١٤ شهراً، كما ينص الاتفاق، إلا أن الشركة وافقت على توقيع العقد مقابل الحصول على تعهد بالدفع.
يبدو جلياً أن غجر يرفض تحمّل المسؤولية، رغم أنه وزير وصاية وتوقيعه لا يرتّب عليه أي التزام. والأمر نفسه يسري على سلامة الذي يؤكد عارفوه أنه لم يعد الحاكم الأوحد للمصرف، بل يفضّل أن يتحمّل آخرون المسؤولية معه، وهو لذلك يغطي معظم قراراته بموافقة المجلس المركزي. لكن، بحسب المعلومات، فإن سلامة يتحفّظ عن السير في الاتفاق بحجة الشائعات عن أن العقد مع الشركة المشغّلة يزيد بنحو ٣٠ في المئة عن السعر العادل للخدمة. المشكلة أن المصرف لم يتطرق إلى هذه الشكوك أو لغيرها في أي من الكتب الرسمية التي يتبادلها مع «كهرباء لبنان»، بل على العكس، تؤكد مصادر مطلعة أن المؤسسة أرسلت إلى المصرف كتاباً يتضمّن تقرير الاستشاري السويسري الخاص بتحليل الأسعار وتفاصيل الصرف ووجهتها. ولم يصلها، في المقابل، أي اعتراض أو استفسار يتعلق بالفواتير أو الدفعات. لذلك، تدعو المصادر مصرف لبنان إلى وقف تضييع الوقت وإبلاغ الوزارة و«كهرباء لبنان» بما يريده فعلاً ليُصار إلى تلبية مطالبه لتسيير عمل القطاع. المصادر تُذكّر بأن التعامل بين «كهرباء لبنان» ومصرف لبنان ليس خياراً بل هو موجب قانوني. فالمؤسسة العامة لا يمكن أن تفتح حساباً إلا في مصرف لبنان، ولا يمكنها اللجوء إلى أي مصدر آخر لتأمين الدولارات، والمصرف ملزم بتحويل الأموال لها على سعر الصرف الرسمي. هذا يعني أنه إذا كان يمكن لشركة خاصة أن تتخلى عن «الدعم» الذي يؤمّنه مصرف لبنان للتحويلات، وأن تلجأ إلى مصادر أخرى لتأمين حاجتها من الدولارات، فإن هذا ليس ممكناً بالنسبة إلى الإدارات والمؤسسات العامة. باختصار، تقول المصادر إذا لم يؤمّن مصرف لبنان حاجة المؤسسة من الدولارات، لمواصلة تشغيل المعامل وتشغيل الشبكة وصيانتها، فهو كمن يتخذ القرار بإطفاء الكهرباء، إلا إذا كان فعلاً لم يعد يملك الدولارات ويسعى إلى اختراع عراقيل أمام المؤسسة. أكثر من ذلك، تدعو المصادر المصرف إلى التدقيق في أي فاتورة أو عقد قبل أن يدفع، مشيرة إلى أنها تقدّر سعي المصرف إلى ضمان عدم تبديد الدولارات أو تهريبها.

مناقصة الفيول مهددة بالإلغاء إذا لم تقرّ مساهمة «كهرباء لبنان»


بالتوازي، لم تصل وزارة الطاقة إلى حلّ لمعضلة السلفة أو المساهمة المطلوبة لتغطية نفقات الفيول لزوم مؤسسة كهرباء لبنان عن عام ٢٠٢١. فبعدما اصطدم غجر بموقف متصلّب من الرئيس نبيه بري تجاه إقرار قانون لإقرار السلفة، مستغلاً الطلب لتمرير رسائل في السياسة، لم يحصل أي تطور ينهي حال القلق. اللافت أن أغلب الكتل لا تعارض إقرار سلفة خزينة في المبدأ. ويدرك الجميع أن لا بديل من إقرارها لتجنب العتمة. لذلك، بدأت مساع لتقديم اقتراح قانون بالسلفة لا يوقّع عليه نواب من تكتل لبنان القوي فقط، بل يُشاركهم في التوقيع نواب من كتل أخرى. هذه المساعي لا تزال في بدايتها، وهي على ما يتوقع مصدر مسؤول لن تنضج إلا حين يتحول شبح العتمة إلى تهديد جدي، وحين يتأكد الجميع من أن ورقة الكهرباء غير صالحة للاستغلال السياسي.
إلى ذلك الحين، ثمة من بدأ يبحث عن حلول مؤقتة إلى حين حسم مسألة السلفة وقيمتها. فإذا كانت وزارة الطاقة تطلب ١٥٠٠ مليار ليرة (المبلغ المرصود في موازنة ٢٠٢١)، ثمة من يقترح تخفيض قيمتها، لأسباب عدة، أبرزها انتظار ما سيحمله الاتفاق مع العراق من فرص لخفض كلفة استيراد الفيول. المشكلة الأساس أن المماطلة في الملف ليست لمصلحة أحد، وخاصة المشتركين. فمؤسسة «كهرباء لبنان»، استمراراً لسياسة الحذر وتحسباً لتأخّر أو عدم إقرار السلفة، لن تزيد التغذية بشكل ملحوظ، رغم وصول باخرة فيول أمس. لكن مستوى التغذية سيشهد تحسّناً طفيفاً، من أقل من ١٠٠٠ ميغاواط أمس إلى نحو ١٣٠٠ ميغاواط في الأيام المقبلة، علماً بأن المؤسسة تملك القدرة لرفع الإنتاج إلى نحو ١٨٠٠ ميغاواط.
عدم إقرار السلفة قبل منتصف نيسان سيعني حكماً إلغاء مناقصة الفيول التي أطلقتها إدارة المناقصات منذ أيام. إذ في العادة ترفض الإدارة إطلاق أي مناقصة لم يفتح اعتماد لها، لكن مناقصة الفيول أطلقت من دون حجز نفقة، أولاً لأن الفيول هو من النفقات الدائمة التي تقضي المصلحة العامة باستمرارها، وثانياً لأنه لا يمكن للإدارة أن تطلب حجز نفقة، لأن تكاليف الفيول لا تُدفع عبر اعتمادات في الموازنة، بل تُغطّى من خلال سلف خزينة أو مساهمات. وبالتالي، في حال عدم إقرار أيّ اعتماد لمصلحة شركة الكهرباء قبل موعد المناقصة، لن يكون أمام إدارة المناقصات سوى إلغائها، علماً بأن القيمة المتوقعة للصفقة لم تتضح بعد، بانتظار أن تعلن وزارة الطاقة عن حاجتها إلى الفيول. لكن ما تم حسمه هو أن الصفقة لن تكون لسنة واحدة، بل حتى نهاية السنة الحالية فقط، احتراماً لسنوية الموازنة ولأن الاتفاق مع العراق سيؤثّر على الكميات المطلوبة.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا