السجادة الوحيدة التي يحلم كثر من اللبنانيين بامتلاكها هي «سجادة علاء الدين» علّها تحملهم بعيداً من واقعهم الأليم. واقع كان مغايراً لسنوات خلت، وكانت تجارة السجاد فيه مزدهرةً بما يعكس مستوى التبذير والصرف على الكماليات الذي طبع سلوكيات اللبنانيين على مدى عقود.

استورد لبنان، بين عامَي 2010 و2020، سجاداً بقيمة 277 مليون دولار، مقابل صادرات (بمعظمها من السجاد المستورد الذي أعيد تصديره) لا تتجاوز قيمتها 22 مليوناً. ووصل الإقبال على السجاد إلى حدود تتخطى إمكانات مواطني أبرز الاقتصادات في العالم ممن يتمتعون بمستوى عالٍ من الرفاهية. فعلى سبيل المثال، حلّ لبنان عام 2017 في المرتبة الثالثة على لائحة أبرز مستوردي السجاد الإيراني (بقيمة 30 مليون دولار)، بعد الولايات المتحدة (126 مليون دولار) وألمانيا (57.5 مليوناً)، ومتقدّماً على المملكة المتحدة (23.4 مليوناً) واليابان (23.1 مليوناً).
كانت هذه أيام «الزمن الجميل». اليوم، «يصعب على المؤسسات خصوصاً التي تستأجر صالات عرض أن تصمد بعد موسمين كارثيين»، بحسب إبراهيم قبلان، رئيس جمعية تجار السجاد العجمي وصاحب «مؤسسة محمود قبلان للسجاد». إذ أن «السجاد سلعة موسمية، وتزدهر تجارته مع بداية تشرين الثاني. موسم عام 2019 ضُرب بالكامل لتزامنه مع انطلاق الانتفاضة الشعبية، فيما العام الماضي كان كارثياً على مختلف الأصعدة مع الانهيار الاقتصادي. الطلب على السجاد الفاخر شبه معدوم ما دفعنا إلى إطلاق عروضات والبيع على أساس 1500 ليرة للدولار، لمحاولة الحد من الخسائر»، مشيراً إلى «أننا قررنا إغلاق فرعَينا في الزلقا والبقاع».
أثر الانهيار الاقتصادي على هذه التجارة ظهر جلياً من خلال الهبوط الحاد في واردات السجاد من 19.5 مليون دولار عام 2019 إلى 2.86 مليون دولار عام 2020. واللافت أن إحصاءات العام الماضي تبيّن، بوضوح، انعكاسات الأزمة على السوق الداخليّة للسجاد. إذ أن حجم الصادرات في هذا القطاع (2.42 مليون دولار) لامس، للمرة الأولى منذ 20 عاماً، حجم الواردات، ما يعني بحسب خبراء أن بعض التجار ممن يملكون متاجر في الخارج اتكلوا على الأسواق الأجنبية للبيع.
سيرج نالبانديان، صاحب «مؤسسة نالبانديان للسجاد»، يؤكد أنه قرّر «الهجرة نهائياً حالما أنتهي من تصفية أعمالي في لبنان. حالياً أبيع السجاد بالرأسمال من دون تحقيق أي أرباح». يمثل سيرج الجيل الخامس من العائلة التي امتهنت تجارة السجاد منذ عام 1792، وبدأت بممارسة نشاطها في لبنان عام 1930. مذّاك، صمدت المؤسسة «وعايشت كلّ المحن التي مرّت على لبنان، إلا أننا فقدنا الأمل هذه المرة، ولم تعد محرزة أن نحاول من جديد. حتى زبائننا من الميسورين هاجروا بأغلبيتهم، فلمن سنبيع؟ وفوق المصائب الاقتصاديّة تأثرنا بانفجار المرفأ الذي وقع عبء ترميم الأضرار الناجمة عنه علينا، إذ أن التعويضات لم تغط إلا ثلث الكلفة». وعلى خطى «مؤسسة نالبانديان»، أعلنت «مؤسسة إيوان مكتبي» الرائدة في عالم السجاد، بداية العام الجاري، نيتها إغلاق أول فروعها في لبنان في منطقة فردان، بعد عقود طويلة منذ أن اختار الجد المؤسس القادم من إيران، حسين مكتبي، بيروت مقراً لصناعته عام 1926.

نشطت «مزادات» السجاد على مواقع التواصل وهي بمعظمها «مشاريع نصب»


«المبيعات كانت مقبولة بين تشرين الثاني ومنتصف كانون الأول الماضيين للتجار الذين قبلوا قبض شيكات مصرفية. فعلياً، هذا يعني البيع بخسارة، لكنه أفضل من الجمود الكلي لنتمكن من الاستمرار ودفع رواتب موظفينا»، يقول خليل الخنسا، صاحب «مؤسسة خنسا للسجاد» التي لم تسلم من انفجار المرفأ كما من الأزمة الاقتصاديّة. الأول قضى على فرع الشركة الأساسي في وسط بيروت، والثانية أدت قبل ثمانية أشهر إلى إقفال فرعها في منطقة الملا والذي يعود عمره إلى أكثر من 40 عاماً. انفجار المرفأ، بحسب الخنسا، وجّه ضربة قاضية إلى هذه التجارة، إذ «تضرّرت بسببه ستة من أبرز محالّ السجاد في لبنان، والكارثة الأكبر كانت في عدم تغطية التعويضات للسجاد والتحف الفاخرة».
في ظل هذا الواقع، نشطت «مزادات» السجاد على مواقع التواصل الاجتماعي، عبر صفحات نبتت فجأة، تعرض صوراً لتشكيلات واسعة من «السجاد العجمي». غالبية هذه المزادات تجري عبر تطبيق «واتساب»، وتستقطب أعداداً كبيرة من المتحمّسين لفكرة اقتناص «لقطة» والفوز بسجادة عجمية بالرخص، خصوصاً أن المزادات تعتمد الليرة اللبنانية. يشدد الخنسا على ضرورة تحرك وزارة الاقتصاد لضبط هذه «المزادات» التي يذهب ضحيتها من لا خبرة له بعالم السجاد ويتعرّض لعمليات غشّ واحتيال. إذ أن «أغلب السجاد المعروض في هذه المزادات إما مهترئ أو مقصوص أو مستعمل».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا