في اجتماع بين أحد المصارف الكبرى (من فئة ألفا) ولجنة الرقابة على المصارف، سألت الأخيرة عن الأدوات التي سيستخدمها المصرف ليتمكّن من تنفيذ التعميم الرقم 154 (إعادة تفعيل عمل المصارف في لبنان) الصادر عن البنك المركزي. ردّ المُدير التنفيذي للمصرف التجاري بأنّ حاكم «المركزي»، رياض سلامة، «أبلغنا أنّه في حال تعثّر أي مصرف عن الإيفاء بالتزاماته، فسيقوم مصرف لبنان بالمساعدة عبر الاكتتاب في سندات دائمة - Perpetual bonds». مثلاً، إذا أعطى مصرف لبنان 100 ألف دولار لأحد المصارف، فسيحصل في مقابلها على «سندات دائمة»، يُفترض أن تكون غير قابلة للاسترداد ولا يتمّ التوقّف عن دفع الفائدة عليها إلّا مع إفلاس المصرف أو حصول «ظروف استثنائية». في المقابل يتمكّن المصرف المعني من إضافة المبلغ - الذي حصل عليه - إلى رأسماله، ليؤمّن زيادة الـ20% المطلوبة منه. في حال لجأ مصرف لبنان إلى هذا الخيار، يكون قد أعطى المال (من المال العام) و«أسهم» في رأسمال المصرف المعني، من دون «وضع اليد» قانونياً عليه. إلا أنّ مسؤولاً في إحدى الهيئات الرقابية يقول إنّه «حتى لو كانت السندات الدائمة لا تُعطي حاملها صلاحيات تنفيذية، لكن في حالة مصرف لبنان ستسمح له بفرض شروطه على المصارف، أكان في التعيينات داخلها أم في السياسة التي ستتبعها، وصولاً إلى تقرير دمج المصارف، ما دام قد أسهم في تأمين الزيادة المطلوبة لرأسمالها». يُمكن القول إنّ «المركزي» يُسهم في «إنقاذ» المصارف. يردّ المسؤول «الإنقاذ الحقيقي هو حين يوضع قانون جديد، وتحصل إعادة رسملة حقيقية عبر ضخّ عملة حقيقية من الخارج، وليس من خلال أدوات مزيفة كإعادة تخمين العقارات، أو تحويل الودائع إلى أسهم تفضيلية وسندات دائمة». فحالياً، كلّ ما يجري هو محاولات «لضمان استمرارية المصارف في الداخل، من دون أن نكون في طور بناء مُستقبل لها، يُعيد الثقة المحلية والخارجية بها، ويؤمّن ربحية، وفائدة للاقتصاد الكلّي».

ليست «السندات الدائمة» الأداة الوحيدة التي طرح مصرف لبنان اللجوء إليها لتأمين زيادة الرأسمال لدى المصارف. فبحسب معلومات «الأخبار»، سعى سلامة خلال الفترة الماضية إلى تأمين «زبائن» ليتملّكوا أسهماً في أحد المصارف من «الفئة ألفا» (يملك أيضاً مؤسسات تابعة له في لندن وأستراليا)، على أن تتمّ العملية «بمساعدة» مصرف «غولدمان ساكس» الاستثماري. برز اسم «غولدمان ساكس» بشكل خاص في صيف 2019 حين أودع لدى «المركزي» وديعة بقيمة 1.4 مليار دولار نتيجة صفقة مع مصرف «سوسيتيه جنرال»، سُحبت من لبنان بعد الانخفاض الحادّ في موجودات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية وتردّي الأوضاع. إلا أنّ مسعى «المركزي» لم ينجح، فما دام «المصرف لبنانياً لن يُساعده أحد، وخاصة شركة أميركية». لا ينحصر السبب في عدم اعتبار المؤسسات الأجنبية أنّ المصارف اللبنانية «صالحة» للاستثمار، ولكن أيضاً تاريخ الطرحين اللذين قدّمهما مصرف لبنان لمساعدة المصارف يعود إلى ما قبل شهر كانون الثاني، و«الاشتباه في الحاكم» في سويسرا بجرم اختلاس وغسل أموال، وارتفاع احتمال أن تؤثّر القضية على مكانة «المركزي» كمؤسسة، في علاقاتها مع المصارف والمؤسسات المالية الخارجية.
كيف ستتعامل المصارف إذاً مع التعميم الرقم 154، الذي صدر في 27 آب الماضي، ونصّ على إعادة تكوين السيولة الخارجية للمصارف بما لا يقلّ عن 3% من مجمل الأموال المودعة لديها بالدولار (تنتهي المهلة في 28 شباط المقبل)، و«الحثّ على» إعادة الأموال المُحوّلة إلى الخارج (بما يفوق مجموعه 500 ألف دولار أميركي) بما نسبته 15% للزبائن و30% لرؤساء وأعضاء مجالس إدارة وكبار مساهمي المصارف والإدارات العليا التنفيذية وعملاء المصارف من الأشخاص المعرضين سياسياً، وزيادة رؤوس أموال المصارف بنسبة 20% من الرأسمال كما كانت في 31 كانون الأول 2018؟
بالنسبة إلى زيادة رؤوس الأموال، انتهت المُهلة الثانية التي أُعطيت للمصارف في 31 كانون الأول 2020 (كان يُفترض أن تنتهي في 30 حزيران 2020 ولكن مُدّدت بسبب عدم التزام العدد الأكبر من المصارف يومها)، وتنقسم المصارف إلى ثلاث فئات؛ الفئة الأولى من المصارف «ضمّت في ملفّها مقترحات غير قابلة للتطبيق، كإضافة سيولة لم تحصل عليها بعد، ناتجة عن استثماراتها في شركات أجنبية»، تقول مصادر لجنة الرقابة على المصارف. والفئة الثانية، «طلبت تمديد مهلة تقديم الطلبات لأنّها لم تؤمّن الزيادة بعد». أما الفئة الثالثة، «فهي العدد الأكبر من المصارف التي قدّمت طلبات لزيادة الرأسمال». ما هي الأدوات التي استُخدمت لذلك؟ «تحويل ودائع زبائن إلى أسهم تفضيلية، طلب إعادة تخمين محفظة العقارات التي تملكها، أموال داخلية، وقلّة قامت بتحويل أموال من الخارج لضخّها في رأس المال».

سعى سلامة لتأمين «زبائن» عبر مصرف «غولدمان ساكس» ليتملكوا أسهماً في أحد المصارف

تقول المصادر إنّ لجنة الرقابة تقوم حالياً بتخمين العقارات التي سُمح بزيادتها إلى الأموال الخاصة (الرساميل)، «ولكن العملية ستطول بسبب الظروف الاستثنائية، ففي الحالات الطبيعية، كانت العملية تحتاج إلى ما لا يقل عن ثلاثة أسابيع». وتُفرّق المصادر بين تقديم الطلب ضمن المُهلة الزمنية «بطريقة أرادتها المصارف لترمي المسؤولية عنها وتُظهر التزامها بالمُهل، وبين التصديق على الطلبات التي لم تتمّ بعد». جزء من التأخير سببه إداري وتأخّر المجلس المركزي لمصرف لبنان في بتّ الطلبات، ويُفترض أن «يبدأ هذا الأسبوع عملية التصديق على زيادة رأسمال، بحسب ما وعد سلامة».
عديدة هي «أدوات الغشّ» التي قدّمها «المركزي» للمصارف ليُساعدها على عدم ضخّ «دولارات حقيقية» لإعادة تفعيل عمل القطاع المصرفي (أبرزها السماح لها باستخدام عقارات وإعادة التخمين العقاري بهدف زيادة الرساميل)، رغم ذلك لم تستطع الالتزام بها، ويدل ذلك على الإفلاس الحاد الذي تُعاني منه. وقد بدأت المصارف تضغط على مصرف لبنان لإجباره على تمديد المهل. أُطلقت الحملة علنياً في 26 كانون الثاني، مع «المطالعة القانونية» التي أرسلتها جمعية المصارف إلى سلامة، باسم رئيسها سليم صفير، وموضوعها «شمول قوانين تعليق المهل تلك الممنوحة للمصارف بموجب تعاميم مصرف لبنان». وبحسب المعلومات، فإنّ سلامة قد يتّجه إلى تمديد جديد للمُهل، ولا سيّما في ما خصّ زيادة الأموال الخاصة وتكوين حساب خارجي لا يقلّ في أي وقت عن 3% من مجموع الودائع بالعملة الأجنبية.

تعرض مصارف تجميد «الدولارات الطازجة» التي يأتي بها الزبون بعد مضاعفتها 3.4 مرّات

المصارف تسعى إلى تمديد حتى حزيران 2021، على الأقل، وحُجّتها هي أنّه «لدينا النيّة للتنفيذ، ولكن من أين سنحصل على الدولارات اللازمة؟ في النهاية، سنكوّن الحساب الخارجي، ولكن الأمر بحاجة إلى بعض الوقت»، علماً بأنّ المصارف استمرت في الأشهر الماضية في «قنص» دولارات الناس من خلال تجميد «الدولارات الطازجة» التي يأتي بها الزبون، عبر إغرائه بمضاعفتها 2.1 مرّة ضعف المبلغ ثم رفعتها إلى 2.9 مرّة ضعف المبلغ، حتى بلغت حالياً في بعض المصارف 3.4 مرات (أي يُفتح لزبون يحمل 100 ألف دولار، حسابٌ بـ340 ألف دولار وهمي، سيُوقّع على تجميدها لفترة قبل أن يتمكّن من سحبها باللبناني!). مصارف أخرى دخلت «السوق السوداء» عارضةً شيكات مصرفية للبيع بـ32% من قيمتها لقاء الحصول على دولارات. وتُفيد المعلومات أنّ مصارف تتواصل حالياً مع صرّافين ليساعدوها على «لمّ» دولارات من السوق، لتحوّلها إلى حساباتها لدى مصارف المراسلة في الخارج.
يقول أحد المسؤولين الماليين السابقين إنّه «صحيح أنّ المصارف في حالة إرباك وضعف، ولكن تمديد المُهل يعني ضرب ما تبقى من هيبة وحضور السلطة النقدية (مصرف لبنان)». لا يُمكن أن يتم أي تمديد «من دون ترافقه مع حجّة قوية وخطة واضحة ورؤية. عندها تُدرس حالة كلّ مصرف على حدة، والأرجح أن يكون هذا توجّه مصرف لبنان». ويعتبر المسؤول أنّ المصرف الذي لا يقدر أن يزيد 20% إلى رأسماله ويُكوّن حساباً خارجياً لا يقلّ عن 3%، «علماً بأنّهما الحدّ الأدنى للاستمرارية، يعني أنّ التمديد شراء لوقت ضائع والمصرف لا يُمكن أن يستمر».



البنوك تتهرّب من تعميم «لجنة الرقابة»
في 22 تشرين الأول الماضي، وجّهت لجنة الرقابة على المصارف المذكرة الرقم 15/2020 إلى المصارف، تُشرّح التعميم الرقم 154 وتُحدّد نسب الملاءة الواجب اعتمادها، وتطلب من كل واحد من المصارف أن يقدّم «استراتيجيته وخطّة عمله وتطوّر وضعيته المالية وربحيته… وتقييم المصرف الذاتي للمؤونات/ الخسائر الإضافية التي قد ترتّب». ولكن على جري عادتها، لم تلتزم المصارف بالمهلة المُعطاة لها رغم تمديدها، «ولم يتقدّم بعد أي مصرف باستراتيجيته»، بحسب مصادر «اللجنة». الخطط كانت مطلوبة لتُشكّل أُسس إعادة هيكلة القطاع المصرفي، عبر إجبار كلّ واحد منها على «الاعتراف» بخسائره الحقيقية ورؤيته المستقبلية، ولكنّ المصارف تتذرّع بعدم وجود مُعطيات واضحة (قيمة الموجودات، نسبة المؤونات، سعر الصرف) تُخوّلها وضع خططها، «من دون أن تطير جميع رساميلنا». مثلاً، بالنسبة إلى صندوق النقد الدولي يجب ألا تقل المؤونات على توظيفات المصارف لدى «المركزي» عن الـ60%، في حين أنّ الأخير اعتمد نسبة 1.89%. النسبة التي ستُعتمد مُهمة لاحتساب الأموال الخاصة لكلّ مصرف، والتأخير في تنفيذ التعميم 154 ووضع خطة اقتصادية - مالية - نقدية للدولة، سيؤدّي حُكماً إلى عدم تنفيذ هيكلة جدية للقطاع المصرفي.


المصارف إلى «الصيرفة»
3منذ مدة، ومصرف لبنان يُروّج لرغبته في التوقّف عن مدّ الصرّافين بالدولارات وحصر الموضوع بين المصارف. تجدّد الحديث في الموضوع، قبل قرابة شهر، مع تقديم بنك بيروت لحاكم «المركزي» رياض سلامة، اقتراحاً لتطبيق القرار. مثلاً، إذا أراد أحد السكّان الحصول على 100 دولار أميركي لشراء تذكرة سفر أو تحويل راتب وغيره، يذهب إلى المصرف عوض التوجّه عند الصرّافين. المشكلة في هذا الطرح أنّه سيلقى معارضة ومحاولة لتفشيله من قبل «لوبي» الصرّافين، ومن غير أن تتضح إمكانية نجاحه في الحدّ من المضاربة على سوق الصرف. لذلك، يبحث سلامة في «صيغة حلّ» تجمع بين الصرّافين والمصارف التي يبدو أنّ سلامة وأصحابها يُحاولان إيجاد «عمل» لها بعد أن توقفت عن تقديم خدماتها «التقليدية»، إضافة إلى منحها القدرة على السيطرة على سوق الدولار التي تمثّل إحدى أدوات توزيع الثروة في الأزمات.


شركات «تنصب» الشيكات
أنتجت الأزمة اللبنانية «ظواهر» عديدة، تستغل خوف الناس من خسارة ودائعها، ولا سيّما بالدولار، فتُروّج لـ«خدمات» تدّعي أنّها «تُخلّص» الدولارات من المصارف اللبنانية. في حزيران الماضي، عرضت شركة مالية تقول إنّها تملك مكاتب في لبنان وقبرص ومصر على أشخاص سحب دولاراتهم من المصارف اللبنانية بموجب شيكات، واعدة بمساعدتهم على فتح حسابات في واحد من مصرفين في سويسرا تتعامل معهما، وقد وُعد الأشخاص بالحصول على 70% نقداً من قيمة كل شيك، على أن يحصل المصرف السويسري على 30% من قيمته، يتقاسمها مع الشركة المالية التي تلعب دور «الوسيط». وتشترط الشركة أن لا يكون الشيك ممهوراً بختم «يُدفع في لبنان»، الذي بدأت المصارف تُضيفه بعد حصول الأزمة، لتحصر عمليات إخراج الشيكات من لبنان. وقد طُرحت أكثر من علامة استفهام حول دور مصرف لبنان في «تسهيل» تهريب الدولارات بهذه الطريقة، لأنّ تحصيل الشيكات الدولية يجب أن يمرّ عبره. يؤكّد أكثر من عامل في القطاع المالي والمصرفي أنّ هذا الأمر هو «تنصيبة» على الناس، فأولاً «من المستحيل في وقت كان الشيك داخل لبنان قد فقد أكثر من 70% من قيمته، أن نجد من يدفع 70% من ثمنه نقداً». ثانياً، العملية لو تمّت فهي تهريب للأموال من لبنان، «لا تكون سهلة ومعروفة ومُنظمة إلى هذه الدرجة، بل تتمّ بالخفاء وبين زبائن مُحدّدين يكونون محظيين». وتُضيف المصادر أنّه خلال الأشهر الماضية، «كثُرت الشركات والأفراد الذين عرضوا على زبائن المصارف تحرير أموالهم، ليتبين أنّ الشيكات قد ارتُجعت لصعوبة تحصيلها، أو أنّ الوسيط قد فرّ بها».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا