خلال الشهرين الماضيين، ارتفعت أعداد اللبنانيين المُقيمين في الإمارات الذين جرى توقيفهم، من دون وجود «دليل» بحقّهم أو «ملفّ». جرت الاعتقالات في سياق الضغوط السياسية والأمنية التي تُمارسها الإمارات على لبنان، بالتزامن مع إعلان الاتفاق الاستراتيجي بينها وبين «إسرائيل»، فكان الاستهداف من الخاصرة التي تعدّها الإمارات «رخوة»: التعاون مع حزب الله. مجموعة من اللبنانيين اعتُقلت من داخل أحد ملاعب كرة القدم، «والتهمة» كانت تداول فيديوات على تطبيق «واتساب» للأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله! لا رقم مُحدّداً للبنانيين الذين جرى اعتقالهم ومحاولة «تركيب ملفّ» لهم، فالإمارات عتّمت في هذه الموجة من الاعتقالات على الموضوع، بالإضافة إلى غياب المتابعة الرسمية والجدية من جانب الدولة اللبنانية، ممثلة بسفارة لبنان في أبو ظبي، إلى أن جرت متابعة الملف من قِبل الأمن العام، بعد تواصل الأهالي مع اللواء عباس إبراهيم. تُفيد المعلومات بأنّ بعض اللبنانيين اعتُقلوا وأطلق سراحهم من دون أن تُعرف قضيتهم. ليلة أمس، كشف المدير العام للأمن العام أنّ عدد المعتقلين وصل إلى 30، من دون أن يوضح ما إذا كان الرقم يُعبّر عن العدد الإجمالي للمُعتقلين حالياً، أو لكل الذين اعتُقلوا في الفترة الماضية. وقال إبراهيم في مقابلة مع قناة «الحرّة»، أمس، إنّه بعد ساعات (فجر اليوم) «قرابة نصفهم سيعودون إلى لبنان»، مُضيفاً إنّه يتواصل منذ سنتين مع مسؤولين إماراتيين «لحلحلة هذه الملفات». وبحسب المعلومات، فإنّ عائلات 11 من الموقوفين تبلغوا إطلاق سراح أبنائهم، وهم من الذين لم يُحكم عليهم، أي أنّ المُعتقلين أحمد صبح وحسين بردى وعبد الرحمن شومان وعلي المبدر وعبد الله هاني عبد الله وأحمد مكاوي المحكومين بالإعدام، ليسوا من بين الذين سيُطلق سراحهم. ملفّ اللبنانيين الستة مُعقّد ولم يجد طريقه إلى الحلّ بعد، مع التضييق المُستمر عليهم من جانب السلطات الإماراتية، التي منعت منذ قرابة الشهر أي اتصال مباشر بينهم وبين عائلاتهم.


(هيثم الموسوي)

الخرق الإيجابي في ملفّ «معتقلي الإمارات»، لم ينسحب على المشاورات لتأليف الحكومة الجديدة، على الرغم من إشاعة أجواء عن قُرب صدور التشكيلة. الفريق الذي يُشيع هذه المعلومات يتحدّث عن ضغوط تُمارسها فرنسا لإيجاد حلّ، وقد فعّلت قنوات التواصل مع الجانب الأميركي لإقناعه بضرورة تأليف حكومة لبنان، «وقد سُجّل كلام مُتقدّم بينهما». يُحاول هذا الفريق أن يوحي بتجدّد «زخم المبادرة الفرنسية، هذه المرّة بالتنسيق مع الإدارة الأميركية». وقد تزامنت هذه المعطيات مع إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لقناة «العربية» أمس زيارته للبنان، من دون أن يكشف عن التاريخ. وقال ماكرون إنّ «خريطة الطريق الفرنسية للبنان لا تزال مطروحة على الطاولة، وليس هناك حلول أخرى متاحة لحلّ الأزمة اللبنانية غير الخطة الفرنسية». رئيس فرنسا الذي يتخبّط بأزمات داخلية عديدة، صحية واقتصادية وسياسية واجتماعية، «وعد» بأنّه سيفعل «كلّ ما باستطاعته للمساعدة في تأليف الحكومة»، برئاسة سعد الحريري. لكنّ ماكرون غرق في تضارب أقواله. من جهة، يُريد إنعاش المُبادرة التي أطلقها في الـ 2020 بحضور كل من: حزب الله، التيار الوطني الحر، تيار المستقبل، القوات اللبنانية، حزب الكتائب، تيار المردة، الحزب التقدمي الاشتراكي، حركة أمل، أي الأحزاب السياسية الأساسية التي سيطرت على المشهد السياسي في الثلاثين سنة الماضية، مع تفاوت انغماسها في الإدارة وتولّيها مسؤوليات تنفيذية. اتفق معها على خريطة طريق لإنعاش النظام القائم، وشكل الحكومة الجديدة، وغيرها من العناوين السياسية. وفي الوقت نفسه، أعطى ماكرون لنفسه حقّ وصف النظام اللبناني بأنّه في «مأزق بسبب الحلف الشيطاني بين الفساد والترهيب».
إعلان ماكرون زيارته للبنان، وتسريب معطيات عن اقتراب تأليف الحكومة، لا يجدان أرضية حاضنة في الداخل اللبناني. السجال بين رئاسة الجمهورية والرئيس المُكلّف سعد الحريري يتصاعد يومياً، مع تعمّق اللاثقة بينهما، وعدم رغبة أحدهما في التعاون مع الآخر. يعتمد الفريقان سياسة «عضّ الأصابع» بانتظار من يصرخ أولاً، فيما البلاد في حالة انهيار عامّ، وأمام خطر انفلات الوضع أمنياً. فبعد كلام الرئيس ميشال عون الذي نشرته «الأخبار» أمس، عن رؤيته لتعقيدات تأليف الحكومة، والمداولات بينه وبين الحريري، ردّ الأخير عبر بيان مُعتبراً أنّ من «المؤسف والمؤلم جدّاً أن يصدر الكلام المنقول عن رئيس الجمهورية فيما البلاد تواجه سيلاً من الأزمات وتشهد العاصمة الثانية طرابلس هجمة مُنظمة تُثير الريبة في أكثر من اتجاه»، واصفاً كلام الرئيس بأنّه «تجنٍّ على الآخرين... مواقف وروايات غير صحيحة، لا تستوي مع مكانة الرئاسة ومسؤولياتها الوطنية في هذه الظروف الصعبة». نفى الحريري أن يكون قد أبلغ عون أنّ رئيس الحكومة وحده من يُؤلّف الحكومة، فالأخير «يجري الاستشارات النيابية لتأليف الحكومة ويوقّع مراسيم التشكيل بالاتفاق مع رئيس الجمهورية... وخلاف ذلك تفسيرات غب الطلب».
أُبلِغت عائلات موقوفين بأن أبناءهم سيعودون في غضون ساعات

وأضاف: «غاب عن فخامته أن الحل الذي اعتمد لوزارة المال جرى بالتوافق ولم يقع الاعتراض عليه من قصر بعبدا، بدليل أن الورقة التي سلّمني إياها لاحظت تخصيص وزارة المال للشيعة. أما الثلث المعطل فله كما يعلم شأن آخر يقودنا إلى ورقة توزيع الحقائب على الطوائف وممثلي القوى السياسية، وهي ورقة تشكل خرقاً تاماً لمبدأ تأليف حكومة من أهل الاختصاص، وتستدرج التشكيلة تلقائياً إلى خانة الثلث المعطل». استخدم الحريري في ردّه العبارة نفسها التي قالها رئيس الجمهورية عنه: «لم أعد أفهم عليه»، مُضيفاً بأنّه راهن على «فتح صفحة جديدة تنقل البلاد إلى مساحات من المصالحة والإنجاز والإنقاذ الاقتصادي، وهو أقدم على مغامرة انتخاب العماد عون رئيساً، مُدركاً أهمية التأسيس لمرحلة جديدة لا تحكمها سياسات الإنكار والتعطيل، غير أنّ الرياح جرت مع الأسف بما لا تشتهي النيات الطيبة وإرادة العيش المشترك والجهد المطلوب لوقف استنزاف الدولة في حلبات الطوائف». أما بالنسبة إلى ما كشفه عون عن أنّ الحريري أبلغه ضرورة «نسيان» التدقيق الجنائي حتى تحصل الحكومة على ثقة كتلتَي حركة أمل والتقدمي الاشتراكي في المجلس النيابي، فأشار الحريري إلى «أنّ فخامة الرئيس نسي أو تناسى أن مجلس النواب أقرّ التحقيق الجنائي في 20 كانون الأول ووافقت عليه كتلة المستقبل إلى جانب كتلتَي الرئيس نبيه بري والوزير وليد جنبلاط، وربّما نسي فخامته أو تناسى أيضاً أنه كان أول من بادر إلى الإشادة بقرار مجلس النواب. وفي الحالتين يكون: إن تناسى مصيبة، وإن نسي فالمصيبة اعظم».
من جهته، ردّ مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية على بيان الحريري، مُعتبراً أنّه «احتوى على ردود مغلوطة ومعلومات في غير موقعها الحقيقي. وحرصاً على عدم الدخول في سجال لا طائل منه، نكتفي بالإشارة إلى أنّ الرئيس المكلّف من خلال ما جاء في ردّه، مصمّم على التفرّد بتأليف الحكومة، رافضاً الأخذ بملاحظات رئيس الجمهورية التي تُجسّد الشراكة في تأليف الحكومة، استناداً إلى المادة 53 من الدستور. وهذه النقطة الأساس في كلّ ما يدور من ملابسات حول تأليف الحكومة». وختم البيان بأنّه «لن تكون هناك حكومة تناقض الشراكة والميثاقية والعيش المشترك الحقيقي، المبني على التوازن الوطني وحماية مرتكزاته».


اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا