عمان | تشير كلّ المؤشرات إلى ارتياح أردني ينعكس على الحيوية والنشاط الدبلوماسي اللذين رافقا انتخاب جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة. فرح الأردن بخروج دونالد ترامب من البيت البيض، جعل من عبد الله الثاني أوّل مهنّئي الرئيس الجديد. في هذا الوقت، يتأبّط الفريق التنفيذي للملك، والمؤلّف من رئيس الوزراء بشر الخصاونة (في الحكومة السابقة استثني رئيس الوزراء عمر الرزاز من السياسة الخارجية واقتصر الأمر على الملك ووزير خارجيته)، ووزير الخارجية أيمن الصفدي، ومدير الاستخبارات العامة أحمد حسني حاتوقاي، ملفّات عديدة. إذ بدأ حراك عمّان بطرح الملف الفلسطيني، ما استدعى التشاور والعمل مع القاهرة ورام الله، لترتيب أوراق لعبة الانتخابات الفلسطينية المقبلة بشكل يقبله الأردن ومصر أولاً، وينسجم مع التطبيع الخليجي ثانياً. ولحين اكتمال فريق بايدن وتبلور اتجاه السياسة الخارجية للولايات المتحدة، يتهيّأ الأردن، مع شركائه العرب والأوروبيين، لوضع تصوّر لاستئناف المحادثات الفلسطينية ــــ الإسرائيلية، والتي يُرجَّح غيابها عن أولويات إدارة بايدن، على الأقلّ في المدى المنظور. ومن هذا المنطلق، جاء اجتماع «مجموعة ميونيخ» في القاهرة الذي ضمّ وزراء خارجية مصر وألمانيا وفرنسا، بالإضافة إلى الأردن، بهدف تفعيل العملية السلمية. وتريد عمّان إشراكها في الخطوات القادمة من على قاعدة مؤثّرة. ومع أن اللقاءات التي تُعقد بشكل سرّي بخصوص تفعيل العملية السلمية سلسة، إلّا أنها ما زالت في خانة غير مريحة مع تل أبيب بسبب وجود بنيامين نتنياهو.
لا يهمّ الأردن سوى ضبط الحدود وإعادة تدفق البضائع، وبشكل أساسي عودة اللاجئين إلى سوريا


أما المصالحة الخليجية التي تخطف الأضواء في المنطقة، فيدرك الحكم في الأردن أن مفتاح الهدوء في نادي حلفاء واشنطن الإقليميين يكمن في التوافق الخليجي الداخلي الذي تحقّق أخيراً، وهو ما أراح عمّان من حرج التقارب مع الدوحة، ومن شح المساعدات الخليجية المالية كما حدث في أعقاب قمة مكة بحضور السعودية والكويت والإمارات والأردن عام 2018، إذ لم تكن المساعدات بالمستوى المطلوب لإنعاش الاقتصاد الأردني المتهاوي بشكل كبير. تبدو العيون الخليجية شاخصة إلى الأردن لكونه الطريق الوحيد والإجباري من الخليج نحو تل أبيب، لذلك لم تهدأ الزيارات واللقاءات، وآخرها وصول الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، نايف الحجرف، إلى عمّان، فضلاً عن زيارات الملك لأبو ظبي، والتي باتت تتكرّر قبيل حدوث تطوّرات دراماتيكية في رقعة السياسة الخليجية، ولا سيما أن التقارب الأردني ــــ الإماراتي، استبق المصالحة الخليجية، وفتح آفاق مشاركة عمّان في تحريك ملفات أكثر سخونة في المنطقة، وعلى رأسها الحرب السورية. إذ تتمسك عمّان، ولو إعلامياً، بضرورة إيجاد حلّ سياسي في سوريا يضمن بشكل أساسي العودة الطوعية للاجئين. وتحاول الخارجية الأردنية هذه الأيام، بحكم وجودها في اجتماعات المجموعة المصغّرة التي تضم الولايات المتحدة وبريطانيا ومصر وفرنسا وألمانيا والسعودية، الاضطلاع بدور أكبر في ظلّ العلاقات المتنامية مع موسكو التي سيقصدها وزير الخارجية، أيمن الصفدي، مطلع الشهر المقبل. وفي لقاء مع قناة «سكاي نيوز»، تحدث الصفدي عمّا سمّاه طرحاً عربياً في موضوع سوريا التي أشار إليها بصفتها «دولة عربية»، ما يشي بالدفع في اتجاه تفعيل عضويتها في جامعة الدول العربية. وانتقد «غياب الدور العربي في الأزمة السورية» مع أن الدول العربية تدفع الثمن الأكبر مما يدور، مشيراً إلى أن رؤية الأردن تتمحور حول حلّ يقبله السوريون، مع دعمه لاجتماعات اللجنة الدستورية في جنيف. يرتبط الموضوع السوري، كما تراه عمّان، بالشركاء الخارجيين، وهم على وجه التحديد موسكو وواشنطن، إذ تحبّذ ترتيب الأمور معهما. لذلك، تتهيأ لأفضل حلّ سياسي يقرّب وجهات نظر البلدين، حتى لو كان على حساب دمشق؛ ففي النهاية، لا يهم عمّان سوى ضبط الحدود وإعادة تدفق البضائع، وبشكل أساسي عودة اللاجئين.
في هذا الوقت، نفت وزارة المياه والري الأردنية ما جرى تداوله عبر المواقع الإلكترونية عن حلحلة في موضوع سد الوحدة الإشكالي مع دمشق، علماً بأن ما يجري تناقله ينسجم مع دور الأردن في تزويد جيرانها بالطاقة الكهربائية (السلطة الفلسطينية والعراق) عبر مشروع الربط الكهربائي. وإذا صدقت مقايضة «الكهرباء مقابل الماء»، فسيمثّل هذا خرقاً كبيراً في العلاقات الأردنية ــــ السورية، وسيكون خطوة نحو متابعة قضايا حيوية أخرى ستحاول عمّان إنجازها بالوكالة عن الخليجيين في سوريا، منها فتح الباب أمام حوار أوسع في محاولة لتحجيم الدور الإيراني في هذا البلد.