في اللقاء الذي عقد أول من أمس مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قدّمت ثلاث قوى سياسية (التيار الوطني الحرّ، الحزب التقدمي الاشتراكي وكتلة التنمية والتحرير) أوراق عمل تدور حول مسألة واحدة: «إصلاح لبنان». جمعت هذه القوى عشرات البنود من أوراق مبعثرة زمنياً من عهود سابقة ومن العهد الحالي. تكاد تكون هذه الأوراق عبارة عن ملخّص لمشاكلها، أو للأمور التي تعتقد أن إثارتها مربحة لها. والأرجح أن ماكرون لم يقرأ أياً من هذه الأوراق. الأمر لا يتعلق بضيق الوقت. فالرجل لديه معرفة واسعة بمفاهيم وآليات وأدوات قوى السلطة اللبنانية. هو أصلاً لم يأت ليطّلع منهم على شيء، بل أتى ليطلعهم على ما يريده باسم «المجتمع الدولي». أتى ليخبرهم أن الرأسمالية لا يمكنها أن تكون مشوبة بتهم الفساد حتى لو كانت تمارسه. لذا، هو أتى ليعيد إنتاج النموذج نفسه الذي ينهار حالياً على قاعدة تشريع وجود السلطة نفسها، وقوننة الفساد تحت مسميات الخصخصة وإطاحة القطاع العام وسواها. هذا الأمر يتطلب تعديلاً في الوجوه و«إصلاحات هيكلية» كما يصفها صندوق النقد الدولي. في زيارته الأولى للبنان، رافقه لبنانيان: المصرفي سمير عساف، وتاجر النقل البحري رودولف سعادة. من يومها بدأت تتسرّب معطيات عن مساعي ماكرون؛ لإيصال عساف، الذي ساعده كثيراً في تمويل حملاته الانتخابية، إلى حاكمية مصرف لبنان بدلاً من رياض سلامة، ولإيصال سعادة وريث أبيه جاك في شركة «CMA CGM» للنقل البحري التي تعمل انطلاقاً من أوروبا، إلى إدارة مرفأ بيروت. في هذا السياق، بدت عبارات ماكرون عن إعادة هيكلة القطاع المصرفي والتدقيق في الحسابات، وعن مكافحة الفساد ذات معنى أوضح. ورغم أن هذا المعنى لم يتّضح في حدود الدور الذي سيقوم به ماكرون في لبنان، إلا أن التغيير بحسب ورقة «قصر الصنوبر» كان يتعلق بتحديد سقوف اللعبة المحلية من دون تعديلات جوهرية في الفكر والسياسات. فالتدقيق الجنائي في مصرف لبنان، وإن كان ضرورياً، إلا أنه لن يؤدي إلى تعديل في السياسات النقدية، بل سينتج وجهاً جديداً ضمن السياسات السابقة التي تعطي الأولوية للقوى المالية المهيمنة، مع إضفاء أجواء منافسة وشعارات عن شبكات الأمان الاجتماعي. إنه منطق السياسات النيوليبرالية. ماكرون واحد من أحدث وجوه هذا المنطق.

تنظر قوى السلطة في لبنان إلى الأمر من زاوية مختلفة. فرغم أهمية التغيير في مصرف لبنان بما يشكّله ذلك من فرصة لنقاش مستقبله ودوره، إلا أن هذه القوى لم تبذل جهداً لتطوير رؤيتها، بل كرّرت ما تحفظه غيباً عن مسائل تحتار بشأنها أو تتعارك عليها أو حتى مشتركة بينها. وقفت هذه القوى أمام ماكرون قاصرة عن مجاراته، وتفرّجت عليه بذهول وصمت وهي تحمل ثلاث أوراق عمل بائسة.
الأوراق الثلاث فيها الكثير من المسائل المشتركة، مثل التعامل مع صندوق النقد الدولي كمنقذ (ماكرون هو المصلح - المستعمر)... أما الخطّة التي على أساسها يفترض أن يتعاقد لبنان مع الصندوق، فهي إما خطّة الحكومة للإنقاذ المالي بعد إجراء تعديلات عليها، كما اقترح التيار الوطني الحرّ، أو «إصلاحات» تأتي من ضمن برنامج عمل حكومة مستقلّة كما اقترح الحزب التقدمي الاشتراكي، أو خطّة حكومية كمشروع للاتفاق مع صندوق النقد الدولي، بحسب ما اقترحت خريطة طريق كتلة التنمية والتحرير. طبيعة الخطّة ليست بأهمية الحفاظ على المكاسب، فالثلاثة يريدون إصلاحات في قطاع الكهرباء وتغذية بالتيار 24 ساعة يومياً، والثلاثة أيضاً يريدون هيئة ناظمة للكهرباء، وأخرى للاتصالات وإنشاء «ليبان تيليكوم»، وثلاثتهم يريدون شبكة أمان اجتماعية وتقديمات، وهم متفقون أيضاً على «إصلاح» القطاع العام، ومعالجة النفايات والكثير غيرها.
يصعب تفسير كل هذا الكذب. الأرجح أن هذه القوى تنتظر المبعوث الفرنسي لمعالجة كل ما تطرحه. أثيرت هذه المشاكل أمام ماكرون ليعلم أن المشكلة في مكاسب كل الأطراف (المكاسب التي تختلف حولها كل القوى السياسية التي قدمت أوراقاً أو لم تقدّم). لم يناقشوه في وجهة السياسات النقدية والمالية، ولا في مسألة التدقيق بالحسابات (أي حسابات قصد ماكرون، حسابات مصرف لبنان أم حسابات المصارف؟)، ولم يقولوا له إنهم اختلفوا على هذه المكاسب بعد عقود على وجودهم في السلطة (باستثناء التيار الذي دخل مجلس النواب عام 2005).
الحزب التقدّمي، هو أكثر المتأخرين في المناداة بالإصلاح، فها هو يريد اليوم التغطية الصحية الشاملة. يوم طُرحت التغطية الصحية الشاملة من قبل وزير العمل آنذاك شربل نحاس، لم تكن مطلباً له يقاتل في سبيله خصومه السياسيين، لكنها اليوم صارت مطلباً تقدمياً اشتراكياً. في المقابل، رئيس الحزب النائب وليد جنبلاط مهتم جداً بالوضع المالي إلى درجة تضمين ورقة الحزب بنداً بعنوان «إصلاحات قانونية» يتضمن: «تطبيق القوانين المصرفية والنقدية والتي تتيح لمصرف لبنان إعادة هيكلة القطاع المصرفي». وفي بند «تصحيح السياسات النقدية» يشير إلى «التعاون التام مع صندوق النقد الدولي للتوصل إلى التأكيد على: حماية كل الودائع المصرفية وعدم المسّ بها كحق أساسي كرّسه الدستور؛ ضرورة احترام القوانين المصرفية والنقدية والإتاحة لمصرف لبنان تطبيقها وتخفيض الفائدة على الودائع والقروض المصرفية القائمة». لعلّ الحزب التقدمي ورئيسه جاهلان في قانون النقد والتسليف الذي يمنح الحاكم والمجلس المركزي صلاحيات مطلقة في السياسة النقدية والمصرفية. لكن قلب جنبلاط يخفق للودائع!
هناك نسخة ثانية من نموذج التقدّمي. إنها كتلة حركة أمل. تريد هذه الكتلة مكافحة كورونا وتعزيز الحماية الاجتماعية بالتعاون مع الشركاء الدوليين. وتريد أيضاً التدقيق التشريحي لمصرف لبنان بالاستفادة من خبرات البنك الفرنسي لهذه المهمة! طبعاً مطلب الكتلة يتماهى مع مطلب سلامة عندما رحّب بالخبراء من المصرف المركزي الفرنسي للتدقيق في حساباته، لكن ما هي خبرات البنك المركزي الفرنسي في التدقيق الجنائي؟ صفر. البنك المركزي الفرنسي يعمل مثل البنوك المركزية الأخرى، فيرسم سياسات نقدية وينفذها ضمن سلّة أهداف ليست متصلة بتقديم خدمات خارجية. لا يعرف عن البنوك المركزية حول العالم بأن لديها أقساماً للتدقيق الجنائي في حسابات مصارف مركزية أخرى.

ثلاثة أوراق «إصلاحية» بائسة تلقاها ماكرون من «التيار» و«أمل» و«الاشتراكي»


مطالب الكتلة منفّرة بدرجة ما، لأنها لم تترك السلطة يوماً. فهي تريد هيئة ناظمة للكهرباء، وكهرباء 24 ساعة، وتطالب بتشكيل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وإقرار قانون الشراء العام مشترك بين الأوراق الثلاث أيضاً)، ومشروع قانون الجمارك... كلها مشاريع مشتركة مع باقي قوى السلطة، لكن لم يقرّ منها شيء!
ينطبق الأمر نفسه على التيار الوطني الحرّ الذي كان وزراؤه يردّدون «ما خلّونا». «ما خلّونا نعالج أزمة الكهرباء». لكن التيار يعتقد، مثل غيره، أن مكافحة الفساد تكون عبر إقرار الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وأن خطّة ماكينزي هي العلاج الاقتصادي للبنان رغم أنها مجرّد ملف محدّث من عشرات الملفات والخطط المرمية في الإدارات الرسمية. أيضاً يريد التيار إقرار قانون الشراء العام، وتطوير خطّة الإنقاذ الحكومي لتكون منطلقاً للتفاوض مع صندوق النقد الدولي. كلام التيار يوحي بأنه استقرّ على رأي بشأن هذه الخطّة التي شارك في إعدادها مستشار رئيس الجمهورية شربل قرداحي بشكل يومي وبمتابعة يومية من رئيس التيار جبران باسيل، بينما نسفها رئيس لجنة المال والموازنة ابراهيم كنعان! عن أي خطّة يتحدث التيار؟
ثمة الكثير للمقارنة بين ما تقوله قوى السلطة وما لا تفعله، أو ما تقوله وتريد منه شيئاً آخر، أو ما تقوله علناً وتفعل عكسه سرّاً... لكن هذه القوى لم تلتفت إلى أن ماكرون جاء ليلقّنها درساً في الرأسمالية. يقول أحد مستشاري الرئيس نجيب ميقاتي إن الرأسمالية التي تمارسها قوى السلطة في لبنان هي «رأسمالية الخلّان» وإن ماكرون جاء يعلّمنا الرأسمالية الفعلية المطبّقة في بلاد الغرب حيث سنرى فوائد الخصخصة والأسواق المالية وفوائد المنافسة وفوائد العولمة وفوائد أن نكون عنصراً منتجاً في المجتمع الدولي. هذا ما يريده ماكرون. يريد إعادتنا إلى طريق الرأسمالية «الصحيح» عبر إطاحة القطاع العام وتقديم خدماته على طبق من ذهب للقطاع الخاص (للرأسماليين). رأسماليو لبنان، وهم قوى السلطة في الوقت نفسه، يعلمون أن الخصخصة بكل مسمياتها هي الأداة، ويدركون أهمية الحصول على هذه المغانم من دون شبهات فساد، لكنهم لا يعلمون السبيل. ماكرون وحده يعلم السبيل.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا