تلكّؤ القوى الأمنية في التعامل مع قطّاع الطرق في خلدة انفجر اشتباكاً مسلّحاً أسفر عن سقوط قتيلين وعدد من الجرحى. لم تعالج ذيول الخلاف الذي وقع قبل أيام على خلفية تعليق راية عاشورائية. السائق العمومي الشيخ عمر غصن ذو الأسبقيات الجرمية، الذي ذاع صيته في قطع طريق خلدة، افتعل الخلاف قبل أيام حيث عمد إلى إزالة اللافتة، ليقع اشتباكٌ بالأيدي تخلله إطلاق نار تسبب في توتّر في المنطقة. حسين شبلي، مالك المبنى حيث توجد تعاونية رمّال، علّق اللافتة ليقع الخلاف معه. بقي جمر الخلاف كامناً تحت الرماد إلى أن اشتعل الخلاف مجدداً أمس. تكشف المصادر عن لجوء المختلفين إلى الادعاء أمام القضاء، فاستدعت القوى الأمنية عدداً من الأشخاص. من بين هؤلاء استُدعي عمر غصن، لكن لم يتم توقيفه. خرج غصن ليستقبل بحفاوة في خلدة. وهذا ما اعتبره الطرف المدّعي استفزازاً، ولا سيما أن استقبال غصن من قبل مجموعته كان بالقرب من المكان الذي وقع فيه الخلاف قبل أيام، ليتجدد الاشتباك حيث وقع إطلاق نار سقط خلاله شاب وفتى في الرابعة عشرة من عمره. لم يلبث أن تطور إلى اشتباكٍ مسلّح لم يتمكن الجيش من تطويقه. كذلك عمد مسلحون الى استهداف منزل حسين شبلي، ثم قاموا بإحراق المبنى العائد له. كذلك سُجلّت عمليات قنص ترافقت مع مساعٍ للفلفة الخلاف، ولا سيما أنّ المسلحين عمدوا الى الاعتداء على سيارات عابري طريق بيروت صيدا الساحلي. وأصدر الجيش بياناً أعلن فيه توقيف عدد من مطلقي النار.

المعركة التي شهدتها منطقة خلدة أمس، تنذر بما هو أسوأ. وهذا يعطي إشارة جلية إلى وضع الشارع، ويوجب على الأطراف السياسيين تحمّل مسؤولياتهم في تخفيف التوتر الذي ينعكس تلقائياً في الشارع. أمس، وعلى مدى ساعات، لم يتوقف إطلاق النار في المحلة. تعدّدت الروايات، لكن النتيجة واحدة. توتّر سياسي وطائفي مع سلاح متفلت، كاد يؤدي إلى انفلات الشارع. وهذا أمر قد يتكرر في أكثر من منطقة إذا لم يعالج في السياسة.
لكن أمس، بدا التوتر المسلّح عصيّاً على الضبط. محاولات حثيثة من قبل الجيش لوقف إطلاق النار، نجحت أخيراً في إخراج المسلّحين من الشارع، بعد مساع قام بها المدير العام للأمن العام عباس إبراهيم، وتعاون قيادتي حزب الله وتيار المستقبل، علماً بأن مصادر حزب الله سارعت إلى إعلان براءتها ممّا جرى في خلدة، مؤكدة أن الإشكال لم يضم أعضاء في الحزب.
وفيما تردّد أن بهاء الحريري ليس بعيداً عن أحداث خلدة، أصدر تيار «المستقبل» بياناً ناشد فيه عشائر العرب في خلدة وفي كل المناطق اللبنانية، الاستجابة لتوجيهات الرئيس سعد الحريري، بالتزام أقصى درجات ضبط النفس، والعمل على تهدئة الأمور، والتعاون مع الجيش والقوى الأمنية لضبط الأمن، وتفويت الفرصة على كل العابثين بأمن اللبنانيين وسلامهم، وعدم الانجرار وراء الساعين إلى ضرب السلم الأهلي من خلال افتعال الإشكالات الأمنية .
أما «ديوان العشائر العربية في لبنان»، فأصدر بدوره بياناً أشار فيه إلى أنه سبق أن حذّر من مجموعات تابعة لحزب الله، تعمل بدورها على رمي الفتن بين أهل الساحل طامعين في السيطرة عليه. وحذّر البيان من أن العشائر لن تقف مكتوفة الأيدي بعد الآن، «وقاتل شهيد الغدر الطفل حسن زاهر غصن سينال جزاءه قانونياً وعشائرياً». لكن كان لافتاً أن بياناً آخر أصدره رئيس الديوان الشيخ كرامة العيتاني بُعيد منتصف الليل، وعمّمه تيار المستقبل، أكد فيه أن العشائر العربية تحت القانون وتحتكم إلى الجيش والقوى الأمنية لتوقيف مرتكبي الجريمة وسوقهم إلى القضاء، ولن نرضى بغير ذلك. كما أهاب بأبناء العشائر العربية التجاوب مع نداء سعد الحريري للتهدئة.
عشائر خلدة أشارت بدورها إلى أن «خط الساحل لن يخضع لأعلامكم وراياتكم الكاذبة، ولسنا المحكمة الدولية لننتظر حقنا، نحن نار ونحرق من يعبث معنا»، ووضعت الحادث في عهدة الجيش والقضاء، طالبة «توقيف المرتكبين القتلة المعروفين بالاسم من القاصي والداني. وعليه سيكون للحديث صلة».
من جهته، أشار رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، في تصريح على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى أن «طريق الجنوب وأمن المواطنين في منطقة خلدة والجوار فوق كل اعتبار وممنوع على أي جهة حزبية أو سياسية أو مذهبية العبث بالطريق والمنطقة التي هي للجميع». جنبلاط كان اتصل برئيس الحزب الديموقراطي طلال أرسلان، بحث خلاله معه في تداعيات الإشكال، كما اتصل بأرسلان الوزير السابق سليمان فرنجية والنائب فريد الخازن، للغاية نفسها

عودة تمّام سلام؟
على صعيد ملف تأليف الحكومة، تزداد المؤشرات إلى احتمال أن يلتقي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رئيساً مكلفاً عند زيارته لبنان في بداية الشهر المقبل. التفاؤل يزداد باحتمال وصول شخصية يسمّيها الرئيس سعد الحريري ويوافق عليها الأفرقاء الآخرين. لكن هذا التفاؤل مشوب بتجربة ما بعد استقالة الحريري من الحكومة الماضية. حينها، كان يسمّي شخصية لترؤس الحكومة ثم يسعى إلى حرقها. هذه المرة، إذا سارت الأمور كما هو متوقع، فستخلص الاستشارات النيابية المقررة نهاية الأسبوع (لم يحدّد موعدها بعد) إلى تسمية الرئيس تمام سلام لرئاسة الحكومة. سلام الذي سبق أن أبدى تحفظه على العودة إلى رئاسة الحكومة على اعتبار أن ما يسري على الحريري يسري عليه، عاد ليكون فرصة للتوفيق بين متطلبات الخارج والداخل. فبعدما تبيّن للحريري أن الفيتو السعودي عليه غير قابل للنقاش، وأنه لا يمكن الحصول على ضمانات مسبقة من «المجتمع الدولي» بدعم لبنان، وبعدما سمع الحريري رفضاً داخلياً لوجوده على رأس حكومة تكنوقراط، على اعتبار أن مواصفاته السياسية الواضحة لا تخوله أن يكون على رأس حكومة من هذا النوع، تنحّى جانباً. لكن مع ذلك، وبالرغم من إعلانه سحب اسمه من التداول، إلا أنه صار متيقناً من أن البديل لن يكون مجدداً على شاكلة حكومة حسان دياب، التي بالرغم من الدور الذي لعبته كحائط صدّ للغضب الشعبي، لم تترك مجالاً إلا وسعت إلى تحجيم حضوره في الدولة. وعليه، فإن شخصية يسمّيها هو قادرة على التخلص من الفيتو العوني على ترؤسه حكومة تشترط سلفاً عدم وجود جبران باسيل أو حزب الله فيها. ولذلك، عادت أسهم تمام سلام إلى الارتفاع، على خلفية إمكانية حصوله على الغطاء الداخلي، ومن جميع القوى، بمن فيها العونيون الذين سبق أن أعلنوا أنهم لا يريدون المشاركة في الحكومة (إذا لم يترأسها الحريري)، وعلى خلفية إمكانية حصوله على الضمانات الخارجية.

سلام لا يزال غير موافق على ترؤّس الحكومة ويرى التجربة مع عون وباسيل غير مشجّعة


وفي السياق نفسه، علمت «الأخبار» أن اجتماعاً عقد أمس بين النائبين جبران باسيل وعلي حسن خليل والمعاون السياسي للأمين العام لحزب الله الحاج حسين الخليل. وقالت مصادر اللقاء إن النقاش تركّز على الخيارات المطروحة، مشيرة إلى أن «الأجواء إيجابية لكن لا تسمية حتى الساعة». ومن المفترض أن يزور الوزير علي حسن خليل الرئيس سعد الحريري للطلب اليه تقديم الاسم الذي يريده لرئاسة الحكومة، غير أن أجواء رئيس تيار المستقبل تؤكد أنه ليس في وارد التسمية أو التفاوض على اسم قبل تحديد موعد الاستشارات النيابية. كما أن سلام الذي جرى التداول باسمه لا يزال حتى الآن «غير موافق». فإضافة إلى اعتباره أن ما ينطبق على الحريري ينطبق عليه، هو يتعامل مع التجربة مع عون وباسيل بوصفها تجربة غير مشجّعة.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا