أربكت الانتفاضة السلطة والمعارضة على السواء. الرئيسان حسان دياب وسعد الحريري لجآ سريعاً إلى حزب الله، لتبيان مراميه، فجاءت الإجابة لتزيل عن دياب همّ الاستقالة ولتطمئن الحريري إلى أنه ليس مستهدفاً. لكن بدل التركيز على الأسباب الموضوعية للعودة إلى الشارع، نحت التحليلات باتجاه الخلفية السياسية لما يجري. وعلى خط مواز، كانت الحكومة تجدد الثقة برياض سلامة، مراهنة على آليّته لتخفيض سعر الصرف، بالرغم من أنه شريك في انهيار سعر الليرة على ما أكدت التحقيقات الأمنية.

بعد نهاية أسبوع حملت الدولار إلى سعر قياسي، يفترض أن تحمل بداية الأسبوع الحالي بداية السعي إلى لجم الارتفاع المشبوه لسعر الصرف. لكن التحدي سيكون على الأرجح أكبر من أن تواجهه إجراءات بهلوانية قررها مصرف لبنان للتدخل في السوق السوداء، بحيث سيكون على من يحتاج إلى الدولار أن يقدم أوراقه الثبوتية إلى الصرافين المرخّصين وأوراقاً تثبت وجهة استعمال هذه الأموال، على أن يقوم مصرف لبنان بتحويل المبلغ إلى حساب الصراف بعد ٤٨ ساعة.
تلك الآلية الغريبة، كانت أقصى ما أثمر عنه الاستنفار الحكومي لإنهاء حرب الشائعات التي أدت إلى خسارة الليرة نحو ٢٥ في المئة من قيمتها في يوم واحد. ولذلك، كان بديهياً أن لا يتفاعل الناس مع هذا «الإنجاز»، فأعيد تزخيم الانتفاضة الشعبية، التي تلاقت على المطالب الاجتماعية والاقتصادية.
مع ذلك، لا يتوقع أن تساهم إجراءات شكلية أو محدودة في تقليص الفجوة بين السعر الرسمي للدولار وسعر السوق لوقت طويل، لكون الأزمة أكثر عمقاً من علاج موضعي لها. وعلى قاعدة «الحاجة إلى تعاون الجميع»، جاءت مراهنة الحكومة على تدخّل من حاكم مصرف لبنان، بالرغم من أن التحقيقات الأمنية سبق أن بيّنت تورطه بالتلاعب بسعر الصرف. الإجراء الفعلي كان يفترض أن يتخذ ضد رياض سلامة، لكن الحماية السياسية التي لا تزال تؤمنها شبكة مصالح تخترق ٨ و١٤ آذار وحلفاء كل منهما، جعلت اللجوء إلى سلامة نفسه للتدخل هو الحل الوحيد أمام الحكومة.

الانتفاضة تربك الحكومة و«المعارضة»: حزب الله يطمئن دياب والحريري


لكن إذا كانت الحكومة غير قادرة على القيام بأي إجراء بحق سلامة، إلا أنه لم يعد مقبولاً أن تتلكأ أكثر في تنفيذ ما سبق أن أقرته. ولذلك، عليها أن تحسم مسألة التدقيق في حسابات مصرف لبنان. فبعد التعثر الذي طرأ على الملف بسبب شبهات حول هوية الشركة التي أقر مجلس الوزراء الاتفاق معها، فإن شراء الوقت لن يفيد. لذلك، لا بد من قرار سريع، يؤدي إلى اختيار شركة أخرى غير متورطة بعلاقات وثيقة مع العدو الإسرائيلي، أو أن تتحمّل الحكومة مسؤوليتها وتعلن قرارها، مهما كان. وبالتوازي، لم يعد بالإمكان الاسترخاء في مقاربة كل الملفات. الأسابيع الماضية أثبتت أن كلفة التلكؤ كبيرة. على الحكومة العمل بوتيرة أسرع من السابق، على الأقل بما يوازي سرعة الانهيار، بدلاً من التركيز على تحليل خلفيات التحركات وأهدافها.
وفيما تهيّبت القوى السياسية مشهد الشارع وتوتراته المُتصاعدة، تكثفت الاتصالات في اليومين الماضيين لمنع أي انزلاق إلى الفوضى الأمنية وفقدان السيطرة على الشارع. لكن بشكل منظم، عملت ماكينة إعلامية على تحميل حزب الله مسؤولية أعمال الشغب وتحطيم عدد من المحال التجارية، وحرق فروع المصارف في مدينتي بيروت وطرابلس. وقد تواصل الرئيس سعد الحريري مع قيادتي حزب الله وحركة أمل، معبّراً عن غضبه، ظناً منه أن الجموع نزلت بأمر حزبيّ. وأكد الحريري أن «المشهد لا يُمكنه أن يحمله في العاصمة»، سائلاً عن السبب وراء هذا الانفجار المفاجئ. لكن الحريري سمع كلاماً من قيادتَي الثنائي تؤكدان فيه أن لا علاقة للحزب وأمل، وأن لا قرار حزبياً بأي تحرك في الشارع وأن المتظاهرين ليسوا من طائفة محدّدة، بل أتوا من مناطق مختلفة. وشددتا على أنهما لا تغطيان أي مرتكب، وأن بإمكانه (الحريري) التواصل مع قائد الجيش، وليتخذ الإجراءات التي يراها مناسبة. وبحسب المعلومات، وفي إطار التعاون والتنسيق، جرت اتصالات بين حزب الله وحركة أمل مع الجيش اللبناني. وقد اتفق على تنفيذ إجراءات مساعِدة بدأت أول من أمس في عدد من المناطق التي يوجد فيها جمهور الثنائي. إذ عمد مسؤولو المناطق إلى تشكيل مجموعات على مداخلها، لمنع مجموعات الدراجات النارية من الخروج، كما وضعت عوائق حديدية في البعض منها.
من جهة أخرى، خض هذا المشهد رئيس الحكومة حسان دياب الذي تواصل مع قيادة الحزب للاستفسار عمّا يجري، وعمّا إذا كان هناك نية فعلية للانقلاب على الحكومة، وخاصة أنه منذ ظهر الجمعة كانت بعض الجهات المحسوبة على فريق ٨ آذار تسرّب معلومات عن قرار استقالة. لكن الحزب أكد مرة جديدة أن «المتظاهرين ليسوا من منطقة واحدة ولا ينتمون الى طائفة واحدة». كما أن «الحزب لا يناقش هذه المسائل في الشارع»، مشددين على التمسك بالحكومة لأن الظرف لا يسمح بالفراغ.