قبل شهرٍ من الآن، خرج رئيس الجامعة الاميركية في بيروت، الدكتور فضلو خوري، ليعلن عن «أصعب الأزمات» التي تمرّ بها الجامعة. يومها، تلا الرئيس خطاباً كان معروفاً أنه سيصبح - في ما بعد - «الخطاب التأسيسي» لما ستكون عليه المرحلة المقبلة، وتمهيداً لإجراءات ستتخذها إدارة الجامعة، كصرحٍ تعليمي وكمستشفى، للخروج من الأزمة... إن أمكن. خلال تلك الفترة، عُقدت اجتماعات عديدة للتشاور بشأن طبيعة الخيارات التي يمكن اللجوء إليها. اجتماعات تخللتها توترات وخلافات مع خوري الذي ينحو صوب «خيارات متطرفة»، تحت جناح الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمرّ بها البلاد. كما تخللتها «استقالات طوعية»، على ما تقول المصادر، حلّت بدلاً منها أسماء «سقطت بباراشوت الرئاسة». وفي هذا السياق، فإن استقالة محمد علي حراجلي، «الرجل الثاني في الأميركية»، الأسبوع الماضي، شكّلت الحدث الأبرز. وقد سبقتها استقالة مدير المركز الطبي في الجامعة الأميركية، الدكتور زياد غزّال، قبل فترة وجيزة، وقبلهما استقالة عميد كلية الطب، محمد الصايغ، أواخر العام الماضي.

بعد مرور شهر على الخطاب الشهير، كان اللقاء الشهير لخوري برئيس الجمهورية ميشال عون، الاسبوع الماضي، لإطلاعه على واقع الحال في المؤسسة، وعرض الخطة المزمع تطبيقها لمعالجة الأزمة، وبغرض تحصيل «الغطاء»، لكون الإجراءات «ستكون مؤلمة»، كما سُرّب عن الاجتماع. في اليوم التالي، «بقّ» خوري البحصة. صرّح عن الجزء الذي صار معلوماً ومشاعاً داخل أروقة الجامعة، متحدثاً عن عملية صرفٍ جماعي تطال 25% من القوى العاملة في المؤسسة التي تشغّل ما لا يقل عن 6 آلاف و500 عامل. وإن كانت الجامعة ستبقي على تعليم أولادهم مجاناً في الجامعة، إضافة إلى الحسومات التي سيحظون بها فب المستشفى. «مجزرة» يتناقل موظفو الجامعة أنها تستهدف ما لا يقل عن 1200 عامل، وثمة من يرفع العدد إلى نحو 1500، فيما يُتوقع «أن يعرف المصروفون بقرارات صرفهم اليوم تزامناً مع بدء السنة المالية الجديدة»، على ما تقول المصادر، مشيرة إلى أن الإدارة ستعطي المصروفين تعويضات على أساس 12 شهراً. وهي «تعويضات منصفة، إلا أنها - من جهة أخرى - محاولة التفافية على الإجراءات القانونية في مثل تلك الحالات التي أساسها مجلس العمل التحكيمي».

الصرف قد يطال ربع العاملين في الجامعة والمستشفى، أي ما يصل الى 1500 شخص


هي «معركة بقاء». هذا ما يقوله خوري وآخرون على قاعدة أن «ما تفعله الإدارة اليوم هو قطع اليد المريضة لا انتظار انتشار المرض في الجسم كله»، وهو ما قد يكون موضع «تفهّم» إذا ما أخذنا في الاعتبار حجم الأزمة في البلاد. لكن القضية بالنسبة إلى آخرين من العارفين في شؤون الجامعة هي «أزمة سوء إدارة أكثر مما هي أزمة مالية بعدما صُرفت في السنوات الأخيرة مبالغ كثيرة وكبيرة وصلت حدّ التبذير». في رأي هؤلاء، «الأزمة لم تصل الى حدود إعلان الاستسلام، ولكن يمكن تفسيرها على أن الإدارة استغلت الأزمة الاقتصادية الكبيرة في البلاد لتمرير القرارات». ويشكو هؤلاء من «فائض ديكتاتورية لدى خوري وانحياز سياسي واضح، والقضية ليست وليدة اليوم، بل نتيجة نهج إداري مستمر منذ فترة يحاول من خلاله الرئيس تنظيف محيطه». وهي بدأت، بالنسبة إلى البعض، مع «التضييق الذي أدى الى استقالة الصايغ». وفي الإطار نفسه، تتحدث المصادر عن «الجدل الذي أثاره تعيين جوزف عُتيّق خلفاً لغزّال»، إذ أتى تعيينه «مفاجئاً»، خصوصاً أن «من وضع في هذا المنصب الحساس كانت له مشاكل سابقة في أماكن أخرى (الجامعة اليسوعية والجامعة اللبنانية الأميركية)»، ويبدو أن الإتيان به هو «ليدير التفليسة وعمليات الصرف».
ومع تخوّف البعض في الصرح الأكاديمي من محاولة «تدفيع الجامعة ثمن إنقاذ المستشفى الذي يعاني منذ فترة غير قصيرة»، تشير المصادر إلى أن غالبية المصروفين، «وبنسبة نحو 90%، سيكونون من الكادر الطبي والعاملين في المستشفى»، باعتبار أن النسبة الأكبر من العاملين هم هناك. وفي هذا الإطار، «عملت الإدارة على إعداد جملة من المعايير التي على أساسها سيتخذ قرار الصرف، منها مثلاً سنوات الخدمة وأصحاب الإجازات المرضية وغيرها».
مع ذلك، ليس الصرف آخر مطاف «الإجراءات المؤلمة»، إذ بوشرت في المؤسسة، قبل فترة، محاولات للتخفيف من النفقات ومن الموظفين أيضاً، من خلال العمل على دمج بعض الأقسام وحتى بعض الاختصاصات. وتتحدث المصادر عن إمكانية «دمج كليات». أما في الأمور التي بدأ العمل بها، فيذكر بعض العاملين في المركز الطبي للجامعة الأميركية أنه «جرى الحديث فعلياً عن دمج قسمي الموارد البشرية في المركز الطبي والجامعة في قسم واحد، وقد دفع هذا الخيار إلى تقديم مديرة الموارد البشرية في المركز الطبي ردينة حداد استقالتها». كما طال الدمج أقسام «تزويد المرضى بصور الأشعة والفحوص والسجلات الطبية والمختبر، على أن تصبح قسماً واحداً بإشراف 3 موظفين»، إضافة الى أن «التشحيل» سيكون أيضاً ضمن الأقسام على قاعدة «من يمكن الاستغناء عنهم من دون التأثير في المهمات المطلوبة».