نجحت إيران في إيصال «نور 1»، القمر الصناعي الأوّل للأغراض العسكرية، إلى مداره. مهمّة تولّاها الحرس الثوري، وتمّت بتكنولوجيا محلية خالصة، من صناعة القمر والصاروخ «قاصد» إلى الإطلاق والتثبيت في المدار. القمر، الذي بات في مداره على بعد 425 كلم عن سطح الأرض، ويقال إنه يحمل صورة قاسم سليماني، سيبدأ بالعمل خلال 10 أيّام، وهو يدور 16 مرّة يومياً حول الكرة الأرضية. لكن يبدو أن المهمّة «السياسية» للقمر هي باكورة نشاطه، وهو ما أثار المراقبين وأثار كذلك نقمة الولايات المتحدة وإسرائيل وتخوّفهما، قبل أن تلحق بهما فرنسا أمس مندّدة بالخطوة.

لقطة من إحدى كاميرات القمر الصناعي الإيراني «نور 1» (أ ف ب )

الرسائل الإيرانية تبدو مكثّفة، أولاها الإمعان في تفريغ استراتيجية إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، «الضغوط القصوى»، من مضمونها (وهو ما لمّح إليه المستشار السابق للأمن القومي جون بولتون، من خلال عتباره أن الإطلاق دليل على عدم كفاية الضغوط)، والعودة إلى تصعيد المواجهة مع البيت الأبيض لتثبيت هذه المعادلة كلما اقترب موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية. طهران، التي سريعاً ما يئست من إمكانية أن تحدث جائحة «كورونا» انفراجة على صعيد العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا، من البوابة الإنسانية، وفوجئت باستغلال ترامب الأزمة لتشديد الحصار، بدأت تظهر تشدّداً من جديد، سواء بالمواجهة البحرية في الخليج، أو عبر خطوة إطلاق القمر الصناعي. وتبدو إيران هنا كمن «يردّ بالمثل»، أي باستغلال مضاد للانشغال الأميركي بفعل أزمة «كورونا» وتفرّعاتها، وبالتالي توجيه الصفعات المقابلة.
بمواجهة التهديدات الأميركية ردّاً على إطلاق القمر، تتمسّك طهران بأنها لا تهدّد أحداً بالخطوة ولم تخرق قرار مجلس الأمن المتعلّق بالاتفاق النووي، والذي يدعو إلى عدم تطوير صواريخ بعيدة المدى أو قابلة لحمل رؤوس نووية. وشدّدت الخارجية الإيرانية، في هذا الإطار، على أن من يخرق قرار مجلس الأمن هو واشنطن من خلال انسحابها من الاتفاق. الخارجية الروسية، من جهتها، شدّدت على عدم صلة القرار المذكور بالقضية مؤكّدة الحق في «الاستكشاف السلمي للفضاء وتطوير البرامج الوطنية ذات الصلة».
لكن الجيش الأميركي كان واضحاً في عكس خشية واشنطن من أن هذه «التقنيات» تسمح بإنتاج الصواريخ العابرة للقارّات أو الحاملة لرؤوس نووية. وبحسب وزير الخارجية مايك بومبيو، فإن الخطوة تستوجب «محاسبة إيران»، معتبراً أن عملية الإطلاق التي تولّاها الحرس الثوري تؤكد وجود «برامج عسكرية خفية». تعليق مشابه صدر عن إسرائيل التي اعتبرت أن الإطلاق مجرّد «واجهة لتطوير إيران للتكنولوجيا البالستية المتقدّمة»، داعية إلى تشديد العقوبات على إيران. من جهتها، رأت الخارجية الفرنسية أن عملية الإطلاق تساهم في «تحقيق إيران تقدماً مقلقاً للغاية بالفعل في برنامجها للصواريخ البالستية»، واصفة هذا البرنامج بأنه «مصدر قلق كبير للأمن الإقليمي والدولي».
ليس معلوماً كيف ستترجم واشنطن ردّها على خطوة طهران، في حين أن التوتر والاحتكاك المباشر محلّه الأوّل الآن مياه الخليج. ترامب، وبعد الإعلان الإيراني عن نجاح الإطلاق، عاد ليذكر حادثة المواجهة البحرية الأسبوع الماضي بين السفن الأميركية وزوارق «الحرس»، بالإعلان أنه أمر البحرية بإطلاق النار على أي زوارق إيرانية تتحرّش بسفن بلاده. لكن نائب وزير الدفاع الأميركي ديفيد نوركويست، فرّغ الإعلان من مضمونه مع تفسيره بأن ما كان يؤكده ترامب «هو أن جميع سفننا تحتفظ بحق الدفاع عن نفسها» وفق ما يراه قائد السفينة، فلا تعني قواعد اشتباك جديدة.
الرد الإيراني على تهديد ترامب لم يكتف باستدعاء السفير السويسري لدى طهران بوصفه راعياً للمصالح الأميركية، وتبليغه رسالة احتجاج على حادثة الخليج. وبالموازاة، أعلن قائد الحرس الثوري حسين سلامي، أنه أمر القوات البحرية «بتدمير أي قوة إرهابية أميركية في الخليج الفارسي تهدّد أمن السفن العسكرية أو غير العسكرية الإيرانية».