المسار «التوافقي» الذي سمّى عادل عبد المهدي، رئيساً لوزراء العراق في تشرين الأوّل/ أكتوبر من عام 2018، شبيهٌ بذاك الذي أفضى إلى تسمية محمد توفيق علّاوي، مطلع الشهر الحالي. هذا المسار، المنسحب على التأليف ــــ أيضاً ــــ مشابهٌ لمسار تأليف حسّان دياب للحكومة اللبنانية. ثمّة من يقول إن علّاوي «نسخةٌ» عراقيّة عن دياب، في ظل تشابك الساحات الإقليمية، وتحوّلها إلى ساحةٍ واحدة، كما تجمع القراءات المختلفة لمستجدات المنطقة. «الأخبار»، تنشر بعضاً من كواليس تسمية علّاوي لرئاسة الوزراء، ونقاشات الأيّام الأخيرة التي سبقت تسمية «حاكم بغداد» الجديد.

إثر انطلاق الحراك الشعبي في لبنان، في 17 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وإعلان رئيس الوزراء السابق سعد الدين الحريري، استقالته أواخر الشهر عينه، «همَس» كثيرون في العراق سرّاً بأنّ رئيس الوزراء (المستقيل) عادل عبد المهدي «سيلحقه في القريب العاجل». ورغم إعلان الأخير تمسّكه بموقعه لـ«ضروراتٍ تحكم ذلك»، تهيّأ هؤلاء للحظة استقالته. في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، دعت «المرجعية الدينية العليا» (آية الله علي السيستاني) ــــ بشكلٍ غير مباشر ــــ عبد المهدي إلى تقديم استقالته، فسارع إلى ذلك بعد ساعات، عبر بيانٍ شكّل تحوّلاً لمسار العملية السياسية، وأربك قواها المحلية، واللاعبِين الإقليميين والدوليين على حدٍّ سواء.
في مواقفها التي تلت الحراك الشعبي العراقي، والذي انطلق في 1 تشرين الأوّل/ أكتوبر الماضي، رسمت «المرجعية» خريطة طريقٍ للخروج من الأزمة: إقرار قانون انتخاباتٍ يتيح تمثيلاً أكبر لـ«الصغار»، على أن تُسند مهمة إجراء انتخاباتٍ تشريعية مبكرة إلى حكومة انتقالية، أبرز مهماتها تنفيذ حزمة إصلاحاتٍ ضرورية وسريعة، وإقرار الموازنة الاتحادية لعام 2020.

الإدارة الأميركية «غير مرتاحة» لتكليف علّاوي، إذ تفضّل الفوضى على «التهدئة»


بين العاصمتين اللبنانية بيروت والعراقية بغداد، أفضت «المراوحة» والتي تسيّدت تلك الفترة، إلى «حرق» أسماءٍ كثيرة. رُهن أي انفراجٍ حكومي في لبنان بانفراجٍ حكومي في العراق؛ والعكس صحيح. هنا، عودةٌ إلى مقولة أن «الساحتين» باتتا «ساحةً واحدة»، وفق منظور رعاة العمليات السياسية في الشرق الأوسط. في الكواليس، لم يعد المؤثّرون الإقليميون والدوليون في المنطقة يؤمنون بـ«أحادية» الساحات، بل بتشابكها وتأثّرها بظروف بعضها.
في 1 شباط/ فبراير الجاري، كُلّف محمد توفيق علّاوي، لرئاسة الوزراء في العراق، في مسارٍ مشابهٍ لتكليف عبد المهدي، في تشرين الأوّل/ أكتوبر 2018. أما آلية تأليف علّاوي لحكومته العتيدة، فستكون «مشابهة» لآلية تأليف حسّان دياب، لحكومته في لبنان (كُلّف دياب بذلك في 19 كانون الأوّل/ ديسمبر الماضي). هذه المقاربة، وفق مصادر سياسية عراقية، مطّلعة على كواليس التكليف والتأليف، مردّها إلى تشابه تكليف علّاوي ومن ثم «الشروط» التي وافق عليها مع تكليف دياب و«الشروط» التي وافق عليها بدوره. لكنّها، في نهاية المطاف، تقود إلى «خلاصةٍ واحدة»: ارتباط الساحتين بشكلٍ عضوي، وتحديداً من لحظة انطلاق الحراك، وصولاً إلى لحظة التكليف والتأليف، وخصوصاً أن ثمة من يقول إن «الأزمات السياسية التي تعصف في البلدين (بمعزلٍ عن الأزمة البنيويّة ــــ الاقتصادية، والتي ترزح تحتها الدولة اللبنانية)، باتت متزامنة، لحظة الأزمة ولحظة الحل».

علّاوي أم الكاظمي؟
مسار تكليف علّاوي، كان مشابهاً جدّاً لمسار تكليف عبد المهدي. فـ«كتلتا سائرون (المدعومة من زعيم «التيّار الصدري» مقتدى الصدر) والفتح (ائتلافٌ نيابي يضم الكتل المؤيدة لـ«الحشد الشعبي») لم تتبنّياه، بل دعمتا ترشيحه»، وفق مصادر مطّلعة تحدّثت إلى «الأخبار»، ولا سيما أن اسم علّاوي كان قد طُرح سابقاً في ساحات التظاهر. هذا «الدعم» مخالفٌ لفكرة «التبنّي»، فهو «ليس مرشّح أحدٍ بعينه، بل مرشّح معظم الأحزاب والقوى السياسية»، وفق المصادر، ما يسهّل عليها «التخلّي عنه في لحظة إحراجٍ ما، وتحديداً لحظة فشله في التأليف، أو تنفيذه جدول الأعمال المطلوب منه». وتضيف المصادر، إن الخيار النهائي كان محصوراً بين علّاوي ورئيس جهاز الاستخبارات مصطفى الكاظمي. أحد «الأساسيين» في مكتب عبد المهدي، سعى، ولـ«مصلحةٍ خاصّة»، إلى الترويج للكاظمي لدى الإدارة الإيرانية، لكنّه فشل في ذلك. بادئ الأمر، كانت طهران «قلقةً» إزاء ترشيح علّاوي، في ظل غياب «رجلها الأوّل» قائد «قوّة القدس» في «الحرس الثوري» قاسم سليماني، الذي اغتالته قوّات الاحتلال الأميركي مع نائب رئيس «هيئة الحشد الشعبي» أبو مهدي المهندس، ورفاقهما، في بغداد مطلع العام الحالي. ثمّ عادت الإدارة الإيرانية و«مشت» بخيار علّاوي، على قاعدة أنّه «الأنسب... والمسار الأفضل للخروج من الأزمة الراهنة»؛ فـ«هو مخرجٌ بصناعةٍ عراقية، ونتيجة تقارب العراقيين في الأسابيع القليلة الماضية»، وفق المصادر التي تقصد هنا الصدر وزعيم «الفتح» هادي العامري.
على الضفّة الأخرى، رفض زعيم «ائتلاف دولة القانون» نوري المالكي، هذا الخيار. موقفٌ تقاسمه مع غريمه زعيم «تحالف النصر» حيدر العبادي، ما عُدّ رفض «حزب الدعوة الإسلامية» بجناحيه، لخيار علّاوي. جهاتٌ إقليمية سعت إلى إقناع المالكي بالعدول عن رأيه، لكنّها فشلت في ذلك. موقفه «الحاد» من ترشيح الرجل، مردّه إلى العلاقة المتوترة التي تجمعهما (كان علّاوي وزيراً للاتصالات في حكومة المالكي الثانية، لكنّه استقال من منصبه عام 2012)، فـ«لا مكان للصلح بينهما». بدوره، كان زعيم «تيّار الحكمة» عمار الحكيم، رافضاً أيضاً لهذا الخيار، فهو يدعم بقوّة ترشيح الكاظمي، منذ عام 2018. تشي هذه الاصطفافات «الجديدة» داخل «البيت الشيعي»، بإمكان تشكيل جبهةٍ مُعارضة «غير منسجمة»، ولا سيما أنّ ما يجمعها هو المصلحة الآنية.

شروط «قاسية»
سبقت التسمية مفاوضات قاسية، بين «سائرون» و«الفتح»، أوّلاً، و«سائرون ــــ الفتح» والأحزاب والقوى السياسية الأخرى، ثانياً، وذلك إزاء مهمات الحكومة المرتقبة وآلية تشكيلها. أبلغ المفاوضون عن الصدر والعامري، الآخرين، أنّ معظم مكوّنات «البيت الشيعي» «تنازلت» عن حقّها في تسمية وزرائها، وهذا «المعيار» سينسحب على الجميع. وأبلغوا أيضاً، ومن باب «تحقيق التوازن/ الضمانة»، أنّ من يضغط ليكسب حقيبةً وزاريّة أو منصباً ما، سيواجه بسحب «الغطاء التشريعي» عن منصبه الأوّل في إحدى الرئاسات الثلاث. فلو أصرّ ــــ مثلاً ــــ أحد مكوّنات «البيت السُنّي» على تحصيل مكسبٍ له في حكومة علّاوي، فإن الردّ سيكون في البرلمان، بسحب الغطاء عن رئيسه محمد الحلبوسي، وكذلك الأمر بالنسبة إلى «البيت الكردي» ورئيس الجمهورية برهم صالح.

يتعهّد الرئيس المكلّف والأحزاب والقوى السياسية بأن يكونوا «صريحين» مع الشارع


هدف هذا الشرط ــــ وفق المصادر ــــ إطلاق يد علّاوي في عملية التأليف، وتسهيل مسار اختيار وزراء تكنوقراط، ورفض «تجديد الثقة» لأي وزيرٍ سابق. وذلك إضافة إلى تعزيز الحضور النسوي في الفريق الوزاري، وتطعيمه بوجوهٍ شبابية من «الحراك المعتدل». وينقل مطّلعون أن المفاوضين، دعوا الجميع ــــ وعلى رأسهم صالح وعلّاوي والحلبوسي ــــ إلى الاستفادة من درس عبد المهدي، وتحديداً في الشق المتعلّق بقوّة «الفريق التنفيذي»، كي يكون عاملاً مساعداً في نجاحه، لا فشله، ويساهم في انتقاء الوزراء المناسبين لحقائبهم. وينقل هؤلاء أنّهم شدّدوا على ضرورة أن يحظى الفريق التنفيذي بصلاحيات «معقولة لا مطلقة»، تعمل لإنجاح التجربة، على أن يلتزم الرئيس المكلّف بالشروط الآتية:
1- هذه الولاية هي الأولى والأخيرة لمن يتسنّم هذا المنصب، ولن يُرشّح في المستقبل لأي ولاية أخرى
2- هذه الحكومة أشبه لأن تكون حكومة انتقالية، مهمتها إجراء انتخابات مبكرة
3- يتعهّد الرئيس المكلّف بأن لا يؤسّس حزباً خاصّاً به، أو يدعم حزباً بشكلٍ مباشر أو غير مباشر
4- لا يتخذ الرئيس أي قرارٍ ذي تبعاتٍ استراتيجية بمعزلٍ عن القوى السياسية، وتحديداً تلك المتعلّقة بعلاقات العراق مع إقليمه والغرب
5- أن يكون الرئيس على جهوزية لـ«الاستضافة» في البرلمان، وفي اللحظة التي تريدها الكتل، من باب المساءلة لا المناكفة
6- يتعهّد الرئيس والأحزاب والقوى السياسية بأن يكونوا «صريحين» مع الشارع، بحيث إنّ من يخالف هذا الاتفاق يحقّ له إطلاع الرأي العام على ذلك

مواجهةٌ وشيكةٌ بين بغداد وأربيل؟
إثر تكليف علّاوي، سارعت كلٌ من طهران وواشنطن إلى مباركة الخطوة، ودعم الرئيس المكلّف. لكن، وفق المعلومات، فإنّ الإدارة الأميركية «غير مرتاحة» لذلك، إذ تفضّل الفوضى على أي خيارٍ من شأنه «التهدئة»، وهذا ما برز في دعوات الصدر إلى أنصاره، لمساندة القوات الأمنية في إطار «ضبط الشارع»، والمساهمة في عودة الحياة إلى طبيعتها. وتشير المعلومات إلى أن جدول أعمال الحكومة المرتقبة سيكون محدوداً جدّاً: إجراء انتخاباتٍ تشريعية مبكرة، وفي أقرب فرصة ممكنة، بعد حسم شكل القانون الانتخابي و«المفوضية المستقلة العليا للانتخابات»، إضافة إلى إقرار قانون الموازنة الاتحادية لعام 2020. وترجّح التقديرات أن يُسلّم علّاوي خلفه في رئاسة الحكومة عام 2022، على أن تُجرى الانتخابات في غضون عام إلى عامٍ ونصفٍ تقريباً، تليها «العملية الدستورية» من قَسَمِ النوّاب إلى تشكيل «الكتلة البرلمانية الأكبر»، فالنقاشات وختاماً مع تسمية المرشّح وتأليفه لحكومته، في مسارٍ يحتاج إلى حوالى 4 أشهر.
ويُنقل عن مطلعين قولهم إن حكومة علّاوي لن تكون حكومة إصلاحات حقيقية أو جذرية، إنما حكومةٌ تعالج ملفات الفساد بشكلٍ عاجل وسريع. أما «الإصلاح الكبير» أو التحدّي الأبرز، فسيكون في صياغة الموازنة الاتحادية، وتحديداً في الشق المتعلّق بحصة «إقليم كردستان» منها، وخفضها إلى أقل من 17 في المئة، بعدما نكثت أربيل بوعودها تجاه بغداد. إذ كان «الاتفاق» قد قضى بأن تُسلّم أربيل واردات مبيع 250 ألف برميل نفط يومياً إلى العاصمة الاتحادية، مقابل رفع نسبة حصّتها من الموازنة من 12 في المئة إلى 17 في المئة. في هذا السياق، تشير المعلومات إلى عزم الأحزاب والقوى في بغداد على «التشدّد» في التعامل مع «الإقليم»، وعدم تكرار سيناريو «التراخي»، الذي كان قد بدأ مع العبادي وانتهى مع عبد المهدي.



أين «المرجعية»؟
فرص نجاح محمد توفيق علّاوي وفشله ــــ حتى الآن ــــ متساوية، وفق مصادر مطّلعة، ترهن حركة انطلاق عجلة التأليف بموقف «المرجعية»، بعد غدٍ الجمعة. فالنجف، لم تبدِ رأيها، لا إيجاباً ولا سلباً، إزاء عملية التكليف. وترجّح مصادر سياسية عدّة، أن تحتفظ «المرجعية» بموقفها هذا، على أن يطالب البيان الرئيس المكلّف بـ«الجدية في تنفيذ ما هو مأمولٌ منه»، أي إجراء انتخابات مبكرة من جهة، والنزول عند مطالب الشارع من جهة أخرى.