هدأت موجة التصعيد التركي الميداني، التي أعقبت مقتل جنود أتراك على يد الجيش السوري، منذ يومين في ريف إدلب الجنوبي، في محيط مدينة سراقب. يوم أمس، أكّد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، أن «لا حاجة إلى خلاف خطير مع روسيا في الوقت الراهن»، مشيراً إلى أن بلاده تنوي مناقشة التطورات مع موسكو، «بدون غضب». ولا يُعدّ هذا تراجعاً عن سياسات أنقرة المتبعة في إدلب، بل محاولة لخفض التصعيد العسكري المباشر، والاكتفاء بالرد الفوري الذي شنّته القوات التركية ضد مواقع الجيش السوري، أول من أمس، على أن تتابع أنقرة تنفيذ مخططاتها التي تبدو أكثر جموحاً، يوماً بعد يوم، في إدلب. وفي هذا السياق، جرت اتصالات عدّة بين العاصمتين، آخرها كان بين الرئيسين فلاديمير بوتين، ورجب طيب إردوغان، لخفض التصعيد، واتفقا على اتخاذ إجراءات فورية لتحسين تنسيق تحركات البلدين في سوريا، بحسب الكرملين.

يأتي ذلك في ظلّ مزيد من العمليات العسكرية التي يشنّها الجيش السوري في ريف إدلب الجنوبي، حيث وسّع سيطرته حول مدينة سراقب، بالإضافة إلى التمدد غرب الطريق الدولي حلب ــــ حماة (M5). فقد سيطر الجيش السوري على عدد من القرى والبلدات في ريف إدلب الجنوبي، وأهمّها: البويضي، البيصة، طويل الشيخ، الشوحة، رأس العين وتل فردوس على محور أبو الظهور. كذلك سيطر على بلدة مرديخ، وتل مرديخ، جنوبي مدينة سراقب. وتمدّد غرب الطريق الدولي في المنطقة غربي سراقب، حيث سيطر على قرية كفرعميم.
وقد صرّح إردوغان، من على متن الطائرة أثناء عودته من أوكرانيا، بأن «لا حاجة إلى خلاف خطير مع روسيا في الوقت الراهن». وقال: «بالطبع، سنجلس ونناقش كل شيء. لكن من دون غضب. لأنّ من يجلسون بغضب يخرجون بخسائر». ورداً على سؤال في ما إذا كانت تركيا تخطّط للقيام بعملية واسعة في إدلب، ذات اسم محدّد، على غرار عملية «نبع السلام»؟ قال إردوغان: «نقوم الآن بالمرحلة الأولى من عملية إدلب، وكما تعلمون تحدثت عن ذلك الجمعة، الآن نفّذنا هذه العملية، يبدو أنهم يعتقدون بأننا كنا نمزح». وكان إردوغان قد أكد، الجمعة، أنّ بلاده تريد إرساء الاستقرار في سوريا، وأنها «لن تتردّد في القيام بكل ما يلزم إزاء ذلك، بما في ذلك استخدام القوة العسكرية». وكشف أن «تركيا شرعت في التقدم إلى عمق 30 ــــ 40 كلم عن الشريط الحدودي، داخل سوريا (في محافظة إدلب)، وبناء مساكن من الطّوْب للنازحين». وقال: «أردنا إنشاء منطقة آمنة من أجل النازحين، وهذا ما نفعله الآن». وفي ما يخص نقاط المراقبة التركية الموجودة في إدلب، أشار إردوغان إلى أن «لها دوراً مهماً جداً، وستبقى هناك، ونجري التعزيزات اللازمة». ولم يلبث الرئيس التركي أن تلقّى دعماً أميركياً، عبر إعلان وزارة الخارجية أنها «تدعم حق أنقرة المشروع في الرد على اعتداء النظام السوري على القوات التركية في محافظة إدلب». وقد جاء ذلك على لسان المتحدثة باسم الوزارة، مورغان أورتاغوس، التي قالت: «نقف إلى جانب تركيا الحليفة في الناتو، ونعزّي حكومتها في ضحايا الهجوم، وندعم حقّها المشروع في الدفاع عن النفس، ونواصل التشاور مع الحكومة التركية».

سيطر الجيش السوري على عدد من القرى والبلدات في ريف إدلب الجنوبي


في مقابل ذلك، انتقد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أمس، بشدة السياسات التركية بخصوص إدلب، والتعاطي مع الاتفاقات الموقّعة بين البلدين. وأكد أن تركيا لم تنفّذ بعض التزاماتها «الأساسية» تجاه إدلب، داعياً إياها «إلى الالتزام الصارم بالاتفاقات التي توصل إليها رئيسا البلدين في سوتشي». وقال لافروف، في معرض رده على أسئلة صحيفة «روسيسكايا غازيتا»، التي تم نشرها على الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الروسية: «للأسف، في هذه المرحلة، لم يتمكن الجانب التركي من الوفاء ببعض الالتزامات الهادفة لحل المشكلة في إدلب جذرياً». مشيراً إلى عدم تمكّن أنقرة من «فصل المعارضة السورية المسلّحة، التي تتعاون مع الأتراك والمستعدة للحوار مع الحكومة السورية في إطار العملية السياسية، عن إرهابيي جبهة النصرة». وأضاف: «وردت معلومات بشأن نشر قوات تركية في منطقة إدلب، واندلاع اشتباكات بينها وبين الجيش السوري. جيشنا يراقب هذا الوضع. ووفقاً لبياناتنا التي سبق أن أعلنت عنها هيئة الأركان العامة، فقد تقدّم الجيش التركي إلى مواقع معيّنة داخل منطقة وقف التصعيد في إدلب، من دون سابق إنذار، ولذلك لم نتمكن من إبلاغ الجيش السوري بذلك، وحصلت ضربات تم الردّ عليها، أعقبتها تهديدات من الجانب التركي باتخاذ تدابير انتقامية». من جهته، أعلن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، في حديث إلى الصحافيين، أنه قال لنظيره الروسي إنّ «النظام يشنّ هجمات استفزازية على مواقعنا للمراقبة حول إدلب، ونحن سنردّ إذا استمروا في ذلك، وإن عليهم منع النظام عن ذلك في أقرب وقت ممكن». وتابع: «ونحن لا نقبل كذلك التذرّع بأنه لا يمكننا السيطرة بالكامل على النظام هنا».