لم تكد الصين تلتقط أنفاسها بعد توقيع اتفاق هدنة تجارية بينها وبين أميركا، يحدّ من آثار الحرب التي تواصلت على مدى 19 شهراً، مسببةً إبطاء وتيرة النمو إلى مستويات قياسية لم تشهدها البلاد منذ عام 1990، بفعل انخفاض الطلب الأميركي على المنتجات الصينية مترافقاً مع معدّلات استثمار متدنية، حتى جاءت أزمة «كورونا» لتقضي على آمال انتعاش ثاني أكبر اقتصاد في العالم، مع ما يترتّب عن ذلك مِن ارتدادات بدأت الأسواق تتلقّاها باكراً.

مع اتّساع رقعة «كورونا» لتشمل حوالى 18 دولة، والارتفاع المطّرد في عدد الوفيات والإصابات (أكثر من 200 حالة وفاة في الصين وآلاف الإصابات)، أصاب الذعر الأسواق العالمية. أُعلنت حالة طوارئ صحية على مستوى العالم، وبات الخوف مِن خطر العدوى يظهر جلياً في أسواق المال، بينما حاصر الفيروس أسواق النفط ومشتقاته. تُظهر الإحصاءات الصينية أن ما يزيد قليلاً على 2% من المصابين لاقوا حتفهم. يؤشّر ذلك إلى أن الفيروس ربّما يكون أقلّ فتكاً من الفيروسات التاجيّة التي تسبّبت في تفشّي مرض التهاب الجهاز التنفسي الحادّ، «سارس»، ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، «ميرس». مع هذا، يخشى الخبراء الاقتصاديون أن يكون تأثيره أكبر من «سارس» الذي قتل 800 شخص وكبّد الاقتصاد العالمي خسائر تُقدَّر بـ33 مليار دولار، بعدما أصبحت حصّة الصين من الاقتصاد العالمي أكبر بكثير، مقارنةً بعام 2003. وفيما توقّع بنك «نومورا» الياباني زيادة الضغوط على نمو الاقتصاد الصيني، رأى بنك «باركليز» أن الصدمة الاقتصادية من تداعيات انتشار «كورونا» ستكون عابرة، ولكن قطاعات المواصلات ومبيعات التجزئة ستتأثّر بشدّة جرّاء الفيروس. وكانت الضربة الأكبر للاقتصاد الصيني في قطاعَي السياحة والمواصلات، جرّاء إلغاء الرحلات في العديد من مناطق البلاد، في وقت هو الأكثر ازدحاماً على مدار العام بسبب العطلات.
وانسحب القلق الناجم عن «كورونا» على تحالف «أوبك+»، الذي بادر بعض أعضائه إلى اقتراح تقديم موعد اجتماع المجموعة المزمع عقده في آذار/ مارس إلى شباط/ فبراير، جرّاء هبوط سريع في أسعار النفط، يبدو أنه أزعج الرياض. وتهزّ مخاوف حيال التأثير الاقتصادي للفيروس القاتل الأسواق العالمية، ما ساهم في انخفاض سعر الخام إلى حوالى 58 دولاراً للبرميل، مقارنة مع أكثر من 65 دولاراً للبرميل في 20 كانون الثاني/ يناير، قبل أن يعود ويرتفع إلى 59.45 دولاراً للبرميل يوم أمس، متأثراً بتوصية «منظمة الصحة العالمية» عدم تقييد حركة التجارة أو السفر إلى الصين، على رغم إعلانها حالة طوارئ صحية عالمية. وحذّرت المنظمة من أن إغلاق الحدود لوقف انتقال عدوى «كورونا» من الصين قد لا يكون إجراءً فعّالاً، بل قد يسرّع انتشار الفيروس ويؤدي إلى نتائج عكسية، منها «فقدان إمكانية تتبّع الناس ومراقبة (تحركاتهم)».

خفّضت شركة استشارات الطاقة توقّعاتها للطلب على النفط بواقع 500 ألف برميل يومياً


وفيما لم يُتخد قرار نهائي في شأن الموعد الجديد لاجتماع «أوبك+»، فإن خطوةً كهذه مرشّحة لأن تكون محلّ معارضة إيرانية، كما أن روسيا لن تكون متحمّسة لتقديم موعد الاجتماع. وعلى الرغم من المعارضة الإيرانية - الروسية المحتملة، أفادت مصادر «رويترز» بأن «منظمة البلدان المصدّرة للبترول» تريد تمديد التخفيضات الإنتاجية، التي من المخطّط لها حالياً أن تستمرّ لغاية نهاية الشهر المقبل، إلى حزيران/ يونيو على أقلّ تقدير، في إجراءٍ قد يعمّق التخفيضات في حالة هبوط الطلب على الخام بشكل كبير، على خلفية الفيروس. في هذا الوقت، سعت السعودية ومنتجون كبار آخرون مثل الإمارات والجزائر وسلطنة عمان إلى تهدئة الاضطراب في السوق، ودعوا إلى توخي الحذر حيال توقّعات متشائمة في شأن أثر الفيروس على الاقتصاد العالمي والطلب على النفط. لكن المصادر قالت إن مسؤولي «أوبك» بدأوا أيضاً تقييم خياراتهم، وكثّفوا المناقشات في ما بينهم في شأن أفضل استجابة لهبوط الأسعار. بالنسبة إلى وزير الطاقة السعودي، عبد العزيز بن سلمان، الذي سعى إلى طمأنة السوق، فإن تأثير فيروس «كورونا» على طلب النفط «محدود للغاية»؛ ذلك أن «جزءاً كبيراً من التأثير الواقع على الأسواق العالمية، بما في ذلك الأسواق البترولية... مدفوع بالعوامل النفسية والنظرة التشاؤمية التي يتبناها بعض المتداولين في السوق». واسترجع ما حدث في أعقاب تفشّي فيروس «سارس» في عام 2003، والذي لم «يترتّب عليه انخفاض يُذكر في الطلب على البترول»، مؤكداً، في الوقت ذاته، أن «المملكة ودول أوبك تمتلك الإمكانات والمرونة اللازمة للتجاوب مع أيّ متغيرات... لدعم استقرار أسواق البترول، إذا استدعى الأمر ذلك». من جهتهم، قال محلّلون إن تفشّي كورونا قد يخفّض الطلب على النفط بأكثر من 250 ألف برميل يومياً في الربع الأول من العام الجاري، ويتسبّب في انخفاض أسعار النفط المحاصر بالفعل بفائض من الإمدادات. وسيتلقّى الطلب على وقود الطائرات في الصين، الذي يعادل طاقة مصفاة نفطية كبيرة، أغلب الضرر؛ إذ أن بكين تعدُّ أكبر مستورد للنفط في العالم كما أنها واحدة من أسرع أسواق الطيران نمواً في العالم، وذلك بسبب قيود صارمة على السفر تحدّ من الرحلات المحلية، فيما تتجنّب شركات طيران دولية البلاد. في هذا الإطار، قالت يوجياو لي من «وود ماكنزي»: «في الوقت الذي تركّز فيه الإجراءات الوقائية بشكل أساسي على الطيران والنقل العام للركاب، سيكون وقود الطائرات الأكثر تأثّراً... في الربع الأول من عام 2020 قد يتقلّص طلب الصين على النفط بأكثر من 250 ألف برميل يومياً»، بينما خفّضت شركة استشارات الطاقة توقّعاتها للطلب على النفط بواقع 500 ألف برميل يومياً للفترة ذاتها. ورجّحت أن يكون الانتشار الحالي لفيروس كورونا، «حدثاً استثنائياً، إذ أن تأثيره على طلب النفط يتركّز بشكل أساسي على طلب (وقود) الطائرات، وخصوصاً في الصين، وبدرجة أقلّ في شرق وجنوب شرق آسيا».