صحيح أن مصطلح «صفقة القرن» تراجع تداوله في السوق الإعلامية هذه الأيام، لكن السعار الإسرائيلي لتحقيق «مكاسب» إضافية لم يهدأ، خصوصاً في موسم الانتخابات وحمّى الوعود للناخبين، والتي تصبّ جميعها في مصلحة إسرائيل أولاً، في الوقت الذي تتعذّر فيه ولادة حكومة في تل أبيب منذ أيلول/ سبتمبر الماضي. من هنا، يعود الحديث عن الأغوار الفلسطينية كـ«جزء من إسرائيل»، في ملحق للحديث عن تشريع الاستيطان في الضفة المحتلة. هذه المرة، بنيامين نتنياهو في ورطة، بعدما وُجّهت إليه تهم بالفساد وتلقّي الرشى وخيانة الأمانة، مع أن تاريخه السياسي شهد العام الماضي إقرار قانون «يهودية الدولة»، واعتراف واشنطن بالقدس كاملة «عاصمة لإسرائيل»، فضلاً عن منحها إياه ورقة الجولان، وتمهيد الأوراق أمامه لاستكمال «شرعنة» المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة، ومنها الأغوار. وسواء أُدين نتنياهو أم لا، يرى الإسرائيليون أن اللحظة سانحة لإعلان ضمّ تلك المستوطنات، وإتمام السيطرة على البشر والحجر.

وغور الأردن هو المنطقة الواقعة على طول مجرى نهر الأردن، الذي ينبع من طبريا ويصبّ في البحر الميت. ويبدو تقسيمه الإداري من الجانب الأردني أوضح وأكثر تنظيماً مما هو لدى الجانب الفلسطيني، إذ يتمّ فرزه أردنياً إلى ثلاثة أجزاء: أغوار شمالية ووسطى وجنوبية، فيما يغيب هذا التقسيم المؤسَّسي فلسطينياً، لتتوزّع المنطقة هنا على ثلاث محافظات (جنين، طوباس وأريحا). أما إسرائيلياً، فهناك مجلسان إقليميان («بكعات هيردن» و«عربا») يمارسان النشاطات الحيوية (الزراعية، الصناعية والعمرانية) بكلّ حرية وسهولة، كما أنهما وحدهما يسيطران على 50% من الأغوار التي تُقدَّر مساحتها بنحو 1,6 مليون كم2، ويقطنها 50 ألف فلسطيني منهم 39 ألفاً في مدينة أريحا، فيما البقية في تجمعات عشوائية وبدوية. وتسيطر إسرائيل على 91% من مساحة غور الأردن (32% بصورة مباشرة، و59% غير مباشرة)، كما تسيطر على المياه هناك. لكن مع ذلك، يبقى ثمة تضارب في المعطيات حول المستوطنات؛ حيث تبيّن دراسات الباحث الفلسطيني، عبد الرحمن التميمي، مثلاً، عام 2018، وجود 31 مستوطنة في الأغوار، و7 بؤر استيطانية، و11,900 مستوطن. وهي أرقام أعلى من أرقام «جهاز الإحصاء الفلسطيني» في المدة نفسها تقريباً، بل تتجاوزها بنسبة 45%، إذ تظهر بيانات الجهاز وجود 17 مستوطنة، و6,732 مستوطناً، فضلاً عن الاستمرار في استعمال مصطلحَي «مستعمرات» و«مستعمرين».

الموقع الاستراتيجي للأغوار يجعلها مفتاح حبس وتجويع وتعطيش للفلسطينيين والأردنيين


التمسك الإسرائيلي الواضح بالأغوار لا يأتي من فراغ. ذلك أن تل أبيب لم تعزل الجانب الأمني لهذه المنطقة عن الجانب الاقتصادي كما فعلت القيادة الفلسطينية وهي تفاوض في أوسلو، بل أعطت الأمن الأولوية، وتعاطت من منظوره مع الأماكن التي احتلّتها عام 1967. والأغوار لم تكن استثناء، خاصة أنها تمثل العمق الاستراتيجي لـ«الدولة»، ولذا ثمة بعدٌ حدودي وأمني حسّاس لعسكرة الأغوار، يرتبط بالرؤية الإسرائيلية للدولة المرجوّة، ولا سيما أن المنطقة تقع ضمن حدود الدولة اليهودية التي رسمها بن غوريون. هذه الحدود المفتوحة شرقاً، منذ إعلان قيام إسرائيل، على خيارات أردنية وسورية وعراقية «غير مأمونة» شكّلت هاجساً للكيان الذي حاول التقدّم شرقاً في آذار/مارس 1968. وعلى الرغم من أن الإسرائيليين تلقّوا هزيمة في معركة الكرامة، فإنهم حققوا مكسباً استراتيجياً تمثّل في إبعاد المقاومة الفلسطينية من الأغوار إلى الجبال الشمالية في الأردن، ما سرّع من التصادم الفلسطيني - الأردني في «أيلول الأسود» عام 1970. وفي نتيجة أخيرة، خرجت المقاومة الفلسطينية إلى بيروت، فنامت «الجبهة المقلقة»، إلى أن اكتمل الأمر بتوقيع اتفاقية تسوية مع المملكة في عام 1994، لتبدأ مرحلة جديدة من المشاريع التشاركية في الأغوار، إلى جانب التنسيق العسكري والتفاهمات الأخرى. تكفي نظرة سريعة إلى البند الأول من ملحق «وادي عربة»، رقم (1أ)، لنجد إقراراً أردنياً بأن نهرَي الأردن واليرموك إضافة إلى البحر الميت هي ضمن «الحدود الدولية مع إسرائيل».
ماذا تريد إسرائيل؟
بينما تبدو الأغوار ذات بعد تنظيمي يضمن لتل أبيب وعمّان ترسيم الحدود المشتركة، فإن ما هو أعمق وأخطر مرتبط بالمياه في منطقة تضمّ حوضَي اليرموك والأردن ومياهاً جوفية وسطحية غنية. ومع أن التفاهمات ترتبط بالأطراف الثلاثة الأردنية والفلسطينية والإسرائيلية، إلا أن ثمّة معاناة مائية أردنياً وفلسطينياً في الوقت الذي تُحوّل فيه إسرائيل مجاري المياه إلى مصلحتها، وتضخّ المياه الجوفية لحساب المستوطنات ومزارعها، عدا عرقلتها المشاريع المائية مع الأردن والسلطة الفلسطينية، وآخرها مشروع قناة البحرين (الأحمر - الميت). وكانت إسرائيل سارعت، فور احتلالها الضفة عام 1967، إلى إعلان المناطق المحاذية لنهر الأردن (400 ألف دونم) «مناطق عسكرية مغلقة»، وأنشأت هناك 90 موقعاً عسكرياً، كما مُنِع الفلسطينيون من ممارسة أيّ نشاط زراعي أو عمراني فيها. تلك الإجراءات شكّلت جزءاً من «خطة ييغال ألون» التي تتضمن «خلق وجود مدني، إضافة إلى الوجود العسكري، بواسطة نقاط استيطانية»، على أساس أن «الوجود المدني والعسكري يشكل تصحيحاً للحدود. (إذ) لا تُعتبر المستوطنات مشكلة أمام الحلول السياسية (خاصة أن الغور يُشكل تواصلاً جغرافياً بين بيسان وصحراء النقب، كما أن المنطقة تُشكل حزاماً واقياً للقدس (كتعبير عن الدولة بصفتها العاصمة) من هجمات عسكرية من الناحية الشرقية».
من هنا، جاء العمل على الموضوع الديموغرافي، وهو اللعبة المحبّبة لدى الإسرائيليين لبسط سيطرتهم، فالصهيونية في جوهرها قائمة على الترحيل. وكجزء من عملية الترحيل المستمرة، هجّرت قوات الاحتلال عشرات الآلاف من الفلسطينيين من مساكنهم في الأغوار، ووضعت يدها على «أملاك الغائبين» في المنطقة والأراضي الوقفية، لإحداث خلل ديموغرافي لمصلحة المستوطنين. ومع مرور الوقت، خاصة عند توقيع «أوسلو»، تمّ تعريف الأغوار في إطار الاتفاقية (عدا جيب يضمّ مدينة أريحا) على أنها مناطق «ج»، أي مناطق فلسطينية تسيطر عليها إسرائيل سيطرة تامة مدنياً وأمنياً، وهذا ما يفسر عجز السلطة عن اتخاذ أيّ إجراءات صارمة لمواجهة عمليات التهجير المستمرة. وفي نتيجة مباشرة لسياسات الترحيل، صار الوجود الفلسطيني في الأغوار يتحول إلى ما يشبه تجمعات عشوائية (29 تجمعاً) تقطنها مجموعة من الرعاة الرَّحّل، والمنتفعون من الزراعة الموسمية. كما عمدت إسرائيل بالقوة إلى جذب سكان ليسوا «مواطنين عاديين» يريدون وظائف، بل هم مستوطنون يستطيعون استغلال الأرض كمزارعين أو مستثمرين يحلّون مكان الفلسطينيين أو يستخدمونهم كأيدٍ عاملة رخيصة وغير مكلفة ولا تملك أي حقوق عمالية.
سلة غذائية!
على المقلب الآخر، فاوض الفلسطينيون في أوسلو على الأغوار من منطلق أنها «سلّة غذاء» للضفة، بعيداً عن موقعها الجيوسياسي وكونها حلقة وصل مع العمق العربي، فأقرّوا بتحديد غالبية الأراضي هناك ضمن المنطقة «ج». وحتى أريحا (تمثّل هذه المدينة مع بعض المناطق المصنّفة «أ» 7.4% من الغور، أما مناطق «ب» فتمثل 4.3%) تُعتبر عملياً تحت السيطرة الإسرائيلية لأنها محاطة بمناطق كلّها «ج» (نسبتها 88.3% من الأغوار)، وهو ما قوّض أيّ أمل ببسط سلطة فلسطينية حقيقية على الأرض، ليصير الوجود الفلسطيني هناك محصوراً بسكان جعلت إسرائيل وضعهم مؤقتاً، ثم أنهته. وإذا استمرت الأمور على ذلك، فالسيطرة الإسرائيلية الحالية تمهّد لخطوات عملية تترجم «يهودية الدولة» من مجرد قانون إلى واقع منظّم. ولم يكن القبول الفلسطيني باستمرار التفاوض في السنوات الماضية إلا سكوتاً على الاستيطان وتضخّم أعداد المستوطنين سواء في المستوطنات أم في البؤر، وما يرافقهما من استيلاء على أراضٍ كبيرة وتحويلها إلى مناطق عسكرية وطرق خاصة، لينتهي المشهد عموماً بتجمّعات فلسطينية مبعثرة وسط الوجود الإسرائيلي الأكبر.