في آذار الماضي، احتمى الرئيس فؤاد السنيورة بالطائفة وبالفريق السياسي ليمنع أي مساءلة له بشأن كيفية إدارته للمال العام، وزيراً للمال ورئيساً للحكومة. لم يكن الرئيس الأسبق للحكومة يتصرّف بصورة فردية، بل كان يعبّر عن أداء تيار سياسي عريض، ولو باعدت الخلافات بينه وبين قيادته قليلاً. كان وزير مال رفيق الحريري ينطق باسم تيار المستقبل مجتمعاً. فهذا الفريق يرفض رفضاً تاماً فتح أي تحقيق جدي بشأن إنفاق المال العام، سواء قبل عام 2005 أو بعده. وبعد تمرّد السنيورة قبل أشهر، ها هو وزير الاتصالات محمد شقير يعلن، بلا خجل، رفض تلبية دعوة المدعي العام المالي القاضي علي ابراهيم، للاستماع إليه، وإلى سلفَيه جمال الجراح وبطرس حرب، بشأن كيفية إدارة قطاع الاتصالات، بناءً على ما أثير من فضائح في لجنة الاتصالات النيابية. وقال شقير إنه، والجراح، لن يمثلا أمام القاضي إبراهيم. وبدلاً من ذلك، وفي تجاوز فاضح للدستور والقوانين والأعراف وكل ما يمتّ للدولة بصلة، «استدعى» شقير القاضي ابراهيم للاستماع إليه! هذا التجاوز لم يكن الأول في مسيرة شقير الوزارية التي يبدو أنها ستُنسي الجميع ما ارتكبه أسلافه في الوزارة التي تحوّلت إلى منجم للمال السياسي والصفقات التي تراكم الثروات في حسابات الطبقة الحاكمة. ففي الأسابيع الفائتة، رفض وزير الهيئات الاقتصادية المثول أمام لجنة الإعلام والاتصالات النيابية، رغم أن القانون يُلزم جميع الوزراء والمسؤولين في الدولة بالمثول أمامها كما باقي اللجان النيابية. وذهب أبعد من ذلك في محاولته أول من أمس الحصول على تغطية من مجلس الوزراء لتمرّده على اللجنة، بل وطلبه منع اللجنة من النظر في إدارة وزارته وشركتي الخلوي للمال العام.

ما فعله شقير والسنيورة، سبقهما إليه الجراح عندما كان وزيراً للاتصالات، يوم رفض أيضاً تلبية دعوة القاضي ابراهيم للاستماع إليه بشأن قرارات اتخذها للسماح لشركات خاصة بالاستثمار في قطاع الألياف الضوئية. هو ببساطة قرار من تيار المستقبل، بجميع أجنحته المتصارعة، بوضع نفسه في قفص الاتهام، من خلال رفض أي شكل من أشكال المساءلة، ولو كان أعضاء هذا التيار شهوداً لا مشتبهاً فيهم. ما يفعله تيار الحريري يبدو دفاعاً عن كل الطبقة التي استفادت، ولا تزال، من المال العام، منذ عام 1992 حتى اليوم.
يومَ أمس، اتخذ الوزير المستقبلي من حصانته الوزارية حجة لرفض الدعوة، علماً بأنها مجرّد «جلسة للاستفسار عن بعض المعلومات» كما تقول مصادر مطلعة. أعلن أنه «لن يذهب لا هو ولا الوزير الجراح إلى مكتب المدعي العام المالي القاضي علي ابراهيم لا لشرب القهوة ولا لشرب الشاي». فيما تهرب الجراح بحجة أن «ابراهيم طلبني حين كنت نائباً واستشرت رئيس مجلس النواب نبيه بري وقال لي لا تذهب، وهناك قانون يرعى العلاقة بين الوزراء والقضاء ونحن تحت القانون»، أما الوزير السابق بطرس حرب، فأعلنَ في تغريدة له «تلبية دعوة النائب العام المالي لتوضيح ما جرى ويجري في وزارة الاتصالات من مخالفات وفساد وصفقات لإيماني باستقلالية السلطة القضائية عن السلطة السياسية، واحتراماً مني للقانون وإسهاماً مني بكشف الهدر والفساد ومرتكبيه».
مضمون ما كشفه حرب بعد لقاء ابراهيم أول من أمس أن «الأخير استوضحه حول آليات العمل في وزارة الاتصالات، بالإضافة الى عمل شركات تشغيل قطاع الخلوي، ونقل المصاريف التشغيلية التي كانت على عاتقها إلى عاتق وزارة الاتصالات، ما سمح للوزير المختص بفرض توظيف مئات الموظفين والمحاسيب في هذه الشركات، وتقرير حجم هذه المصاريف ونوعها وهدفها»، يُظهر أن استدعاء القاضي ابراهيم للوزراء جرى للاستماع اليهم «على سبيل الدردشة»، وهو لا يتعارض مع الدستور الذي تنص المادة 71 منه على أن الوزراء يحاكمون أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الوزراء والرؤساء. هذا ما أكده حرب في اتصال مع «الأخبار»، إذ أشار إلى أن ابراهيم «لم يوجه إليّ أي اتهام، بل جرى استيضاح بعض النقاط ليسَ إلا، منها ما تم تداوله على لسان بعض النواب في ملف الاتصالات». حرب أشار إلى أن «الحصانة يُمكن اللجوء إليها في حال استدعاء الوزير كمدعى عليه»، معتبراً أنه «كانَ أجدى بالوزيرين التصرف كمواطنين قبل التصرف كوزراء والحضور الى مكتب القاضي لأن الاستدعاء هو للاستماع اليهم حصراً». مصادر سياسية بارزة أكدت أن موقف شقير والجراح «ضعيف»، مشيرة إلى أنه «لا استهداف سياسياً لأحد»، بل إن ما حصل هو «عمل متراكم قامت به لجنة الإعلام والاتصالات للتدقيق في قطاع الاتصالات ككل ، وباتَ يتطلّب محاسبة المسؤولين عنه، وعلى القضاء أن يأخذ مجراه».
وفيما يرفض القاضي ابراهيم التعليق في الإعلام على رفض شقير والجراح الحضور، أكدت مصادر قضائية متابعة أن «لا أحد يعلّم النيابة العامة الأصول، وهي حين تقرّر أن تستدعي أحداً تعرف الآلية الواجب اتباعها»، مشيرة الى أن «القاضي ابراهيم وجّه لهم دعوة للحضور كمُستمَع إليهم». لكن بما أنه لا نصّ قانونياً يلزمهما بالمجيء الى مكتبه، فهذه إشارة إلى أن «الملف طار»، تتحسّر المصادر! وتعليقاً على ما حصل، أكد رئيس لجنة الاتصالات النائب حسين الحاج حسن أن «استدعاء الوزراء الثلاثة ليس على خلفية أجندة سياسية، بل إصلاحية». وفي حديث إلى قناة «الجديد» قال: «لا أعرف ما هي اعتبارات المدعي العام المالي لاستدعاء هؤلاء الوزراء وليسَ آخرين».
هذا الملف فتحته لجنة الاتصالات منذ سنوات، وبيّن وجود ارتكابات كبيرة بدأ الكشف عنها في اللجنة يوم كان النائب حسن فضل الله رئيساً لها، ومن ثم استكملها خلفه النائب حسين الحاج حسن. لكن النتيجة أظهرت وجود قصور كبير في القضاء، كما في القوانين والنصوص الدستورية التي يحتمي بها الوزراء والموظفون من أجل تمييع التحقيق. ولهذا السبب، اقترح النائب جميل السيد إنشاء لجنة تحقيق برلمانية، يحق لها قانوناً استدعاء الوزراء والموظفين ومن تشاء للتحقيق معهم. إضافة إلى ذلك، يجري العمل في مجلس النواب على اقتراحات قوانين تمنع الموظفين والوزراء من التلطي خلف الحصانة القانونية كما الدستورية. إذ علمت «الأخبار» أن واحداً من هذه الاقتراحات قدّمته كتلة «الوفاء للمقاومة»، بهدف تعديل يخص المادة 61 من قانون الموظفين (المسؤولية الجزائية) التي تحدد بأن «يُحال على القضاء الموظف الذي يتبين أن الأعمال المنسوبة اليه تشكّل جرماً يعاقب عليه، وإذا كان الجرم ناشئاً عن الوظيفة، فلا يجوز ملاحقة الموظف إلا بناءً على موافقة الإدارة التي ينتمي اليها».

حرب لـ«الأخبار»: «القاضي إبراهيم لم يوجّه إليّ أي اتهام»

وقد أجرت لجنة الإدارة والعدل بعض التعديلات عليه، بتوافق كل الكتل، لينصّ على «إعطاء المرجع المختص مهلة 15 يوماً للإجابة على ملف ادعاء، وفي حال لم يفعل يعتبر ذلك موافقة ضمنية على الملاحقة». أما في حال الرد، فتقوم النيابة العامة برفع كتاب الى النائب العام التمييزي، ويعطى بدوره مهلة 15 يوماً، ويعتبر عدم رده موافقة ضمنية، أما إذا رفض فيتحمل هو كقاضٍ مسؤولية عدم الملاحقة». هذا الاقتراح الذي يسير في طريقه الى الهيئة العامة، سيلحق به اقتراح قانون آخر، ينتظر أن يوقّع عليه 10 نواب، يطالب بتعديل دستوري. ويطاول هذا الاقتراح الموقّع حتى الآن من النائبين حسن فضل الله والآن عون المادة 71 من الدستور التي تقول: «يحاكم رئيس مجلس الوزراء أو الوزير المتهم أمام المجلس الأعلى في حال الخيانة العظمى والإخلال بواجباتهم»، وهو عملياً يسمح في جزء منه بإسقاط الحصانات عن الوزراء، إذ فصل بين الخيانة العظمى والإخلال بالواجبات، كما بين الوزراء والرؤساء. وبدلاً من أن يكون الوزير خاضعاً للمجلس الأعلى، يصبح في حال إخلاله بواجباته في القضايا التي تتعلق بالمال العام خاضعاً للقضاء العادي، ولا يعود له ترف الاحتماء بالحصانة الدستورية. الاقتراح الذي بادرت اليه كتلة «الوفاء للمقاومة» ينتظر توقيع نواب عليه، لكن مشكلته أنه يتطلب، بحسب الدستور، موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب كي يرسل الى الحكومة التي وجب عليها أن تضع مشروع التعديل، بأكثرية الثلثين أيضاً، وتطرحه على المجلس خلال أربعة أشهر، وإذا لم توافق فعليها أن تعيد القرار إلى المجلس ليدرسه ثانية.