قبل أيامٍ قليلة، نُشر في الجريدة الرسمية القانون الرامي إلى تعديل قانون العقوبات الأساسي لجهة «استبدال بعض العقوبات بتدبير العمل الاجتماعي المجاني. صدر القانون بعد ثماني سنوات من «تجواله» بين اللجان النيابية. رغم ذلك تشوبه ثغرات عدة، تبدأ من أنه لا يشمل سوى 320 محكوماً من بين تسعة آلاف، ولا ينتهي باستبدال عقوبة الحبس لهؤلاء بـ«أشغال شاقة» لـ«خدمة المجتمع».

أخيراً، صدر أحد تلك القوانين «الإكزوتيك». قانون من سبع مواد يعدّل بعض مواد قانون العقوبات الأساسي، لناحية استبدال العقوبة التي «لا تتجاوز عاماً من الحبس والتي تحدث للمرة الأولى (أي في غير حالات التكرار)» بعمل ذي منفعة عامة يؤديه السجين خارج قضبان السجن. هذا «أول إنجاز»، تقول المحامية لارا سعادة التي عملت على صياغة القانون. إنجاز بأن «تمنح السجين خيار معرفة قيمة الحياة وتأدية مهمة لصالح المجتمع». وهو، في رأي سعادة، الجزء المغيّب من «وظيفة» السجن المتعلقة بتأهيل السجين. إلى ذلك، ثمة «منطق» آخر لقوانين كهذه، يتعلّق بتخفيف الأكلاف التي تتحملها وزارة العدل وحلّ مشكلة الاكتظاظ في السجون «خصوصاً أننا نعاني من قلة أعداد السجون وتحديداً في المناطق، فيما الموجود غير مؤهل». هذه «الحَشْرة» غالباً ما تقود إلى «سجن شخص يعاقب بجنحة عادية مع متهمين خطرين».
لكن، على أهمية الإنجاز، ثمة ثغرات تجعل منه قانوناً «عاطلاً» برأي مديرية السجون. لا يأتي ذلك من الفكرة وإنما من الواقع الذي يفترض صياغة أخرى. ففي ما يتعلق بالأرقام وتخفيف حدة الاكتظاظ، لن يشمل هذا التدبير سوى 320 (محكوماً بعقوبة تقلّ عن عام وبملفٍ قضائي واحد)، وهو ليس بالعدد المؤثر إذا ما أخذنا في الاعتبار أن عدد «المضبوبين» في السجون والنظارات والمخافر، بحسب مديرية السجون، لامسوا عتبة التسعة آلاف بين محكوم وموقوف، 6854 منهم يتوزعون على 24 سجناً تابعاً لقوى الأمن الداخلي. ويضاف إلى هؤلاء أكثر من 2000 في نظارات قصور العدل والمخافر والجيش والأمن العام. وبين الآلاف التسعة 3667 سجيناً في سجن روميه وحده. هذا السجن الذي أنشئ بسعة استيعابية «بحدود 1400، يحوي اليوم ثلاثة أضعاف قدرته، ووصل في فترات معينة إلى حدود 5 آلاف سجين»، بحسب رئيس لجنة حقوق الإنسان النيابية، ميشال موسى. يحدث كل ذلك، في ظل وجود اقتراحات «مزمنة» بزيادة عدد السجون وتحديداً في الأطراف للتخفيف عن السجون المركزية. لكنها، تبقى مجرد اقتراحات… اللهم إلا إذا كان المطلوب وضع «السجناء في الاقتراحات»، على حد قول القاضي رجا أبي نادر، من مديرية السجون.
ليس تهكّماً ما يقوله أبي نادر، وإنما واقع حال، صارت فيه النظارات سجوناً. فهذه الأخيرة التي تقتصر وظيفتها على مبدأ التوقيف الاحتياطي الذي لا يتعدى الـ4 أيام، «صار عم يقعد فيه السجين 8 أشهر لعدم توفر أمكنة في السجون».
بالعودة إلى القانون، ينحو أبي نادر نحو التفاصيل التي فاتت الإشارة إليها. يبدأ من العبارة «الافتتاحية» في المادة الأولى: «في غير حالات التكرار». إذ تنص هذه المادة على أن التدبير البديل يشمل فقط من لم يكرّر. هنا يمكن الحديث عن أمرين أساسيين: أولهما أن القانون، في وقت واحد، «يستثني» ويستهدف المحكومين بحكمٍ واحد ولمرة أولى، وثانيهما يتعلق بمن يقرّر من هو المكرّر وغير المكرّر؟ لا يأتي السؤال من عبث، وإنما من واقع «أكثرية المحاكم» وصعوباتها اللوجستية. إذ أنها في غالبيتها لا تعرف شيئاً عن «السجل العدلي» للسجين. يمكن، هنا، العودة إلى قانون احتساب السنة السجنية بـ9 أشهر. فهذه العقوبة، اليوم، تطبّق على الجميع بغض النظر «عما يفرضه القانون من شروط»، وهو ما يخالف النص الأساس. هكذا، واستناداً لواقع مأزوم، يستحيل قانون «كارثة وطنية كما هو حال قانون احتساب السنة السجنية»، يقول أبي نادر.

لن يشمل القانون سوى 320 من بين تسعة آلاف محكوم وموقوف


المادة الأولى تتضمن أيضاً شمول التدبير البديل الأحداث من خلال الإشارة إلى «القانون رقم 422/202 المتعلق بحماية الأحداث المخالفين للقانون أو المعرّضين للخطر»، وهو ما يدفع إلى التساؤل عن سبب «زج الأحداث في القانون، خصوصاً أن هناك قانوناً لهؤلاء سمح للقاضي باتخاذ هذا التدبير»، بحسب أبي نادر.
المادة الثانية من القانون تتحدث عن استبدال كل يوم حبس بـ«ثماني ساعات عمل»، وهو عدد الساعات التي يفترض بالموظف التقيّد بها بحسب قانون العمل. ولكن في حالة سجين يستبدل عقوبته بعمل ذي منفعة عامة لقاء لا شيء، هو أقرب إلى «الأشغال الشاقة»، سينسى بعدها المحكوم لماذا حكم عليه بهذا العمل. فأن يخدم السجين مجتمعه 2920 ساعة عملٍ لقاء لا شيء، هو «سجن بطريقة أخرى». التدبير البديل في فرنسا، مثلاً، لا يتخطى الـ400 ساعة كحدٍّ أقصى وفي بريطانيا 200 ساعة. وما يزيد الطين بلة أن القاضي هو من يقرر «مصلحة المحكوم عليه»، بحسب ما تنص المادة الثالثة. هنا لا يٌسأل المحكوم عما يريده، فالقانون لم يلحظ موافقته، وإنما وضع القاضي في موضع وليّ الأمر، وهو من يقرر مصلحة السجين. كان يكفي استطراد بسيط على شاكلة «بعد موافقة المحكوم»، لا تكلّف شيئاً سوى أنها تمنح السجين أبسط حقوقه: الاختيار.
إلى المادة الخامسة التي تفرض على الجمعية التي يتم التنفيذ لديها «رفع تقارير دورية» عن مدى التزام السجين بالعمل، من ناحية الدوام والأداء وغيرها من الأمور لمنح شهادة حسن سلوك تعفيه من العودة إلى السجن. هنا يصحّ السؤال عن الجهة التي يفترض أن تراقب عمل الجمعية، وهو ما ليس مذكوراً في القانون، لمعرفة مدى «الشفافية» التي تتمتع بها التقارير.
قد يحدث أن تتعدل كل تلك الثغرات مع دخول القانون حيز التنفيذ. لكن، السؤال الأصعب: متى يدخل حيز التنفيذ؟ ففيما استغرق خروجه من المجلس النيابي ثماني سنوات، قد تعوزه سنوات شبيهة لتطبيق آلية تنفيذه التي يتعلّق جزء منها باتفاق «وزيري العدل والشؤون الاجتماعية على استصدار لائحة بالمؤسسات أو الجمعيات التي لا تتوخى الربح». وفي هذه الحالة، لا «ساعة» تضبط توقيت تلك اللائحة، ففي ظل الأوضاع التي تعيشها البلاد، «قد تصدر اللائحة غداً أو بعد عام أو خمسة... أو لا تصدر»، يقول أبي نادر. وإن صدرت، يبقى أن القانون يفرض في مادته الثالثة «تكليف أحد القضاة المنفردين في مركز كل محكمة استئناف تنفيذ التدبير البديل وفق أحكام هذا القانون». وهذه دونها مهمة «شاقة» أخرى تتعلق… بصدور التشكيلات القضائية!
صحيح أن القانون صدر «كما عدلته لجنة الإدارة والعدل»، بحسب سعاده، إلا أنه - رغم أهميته - لا يفعل سوى تطبيق تعديلات على قانون العقوبات الأساسي الذي مضى على آخر تعديلاته عشرات السنين. ليس المطلوب تعديلات «نثرية» بقدر ما هو المطلوب إعادة صياغة القوانين كلها كي تلائم وقتنا الراهن، وليس فقط قانون العقوبات.



عدد النزلاء الموجودين في سجون لبنان


الأحداث:
موقوفون 135 (134 قاصراً وقاصرة واحدة)
محكومون 22 (20 قاصراً وقاصرتان)

الرجال (19 سجناً):
موقوفون (2911) ومحكومون (3504)

النساء (4 سجون):
موقوفات (179) ومحكومات (103)

المجموع العام:
موقوفون (3225 ـ 47,05%) ومحكومون
(3629 ـ 52,95%)

المحكومون بقضية واحدة:
1911 سجيناً، تتراوح أعمارهم ما بين 17 و79 عاماً.