تبدو الجولة الرابعة من المفاوضات الجارية منذ يومين بين المجلس العسكري وقوى «إعلان الحرية والتغيير» أكثر فاعلية من الجولات الثلاث السابقة، لا لرغبة المجلس في تسليم السلطة لحكومة مدنية باتفاق ثنائي مع التحالف المعارض، أو الضغوط الدولية التي تدعو إلى استئنافها، بل لكونها تأتي في مرحلة استبقها كل من الطرفين باختبار مدى استناد الآخر إلى حاضنة شعبية في الداخل، وسياسية في الخارج. وهو ما بدا أخيراً في مصلحة قوى «الحرية والتغيير»، عبر المسيرات «المليونية» والتظاهرات، فضلاً عن الحراك الإفريقي والأميركي والأوروبي الداعم لثنائية المفاوضات، بعيداً عن اتجاه المجلس نحو إيجاد حاضنة من قوى تقليدية وحركات مسلحة وقبائل.

وعلى رغم عدم توصل الطرفين إلى اتفاق حتى مساء أمس، إلا أن الجولة تبدو في الشكل أيضاً أكثر جدية؛ لكونها تتركز على نقطة الخلاف الأبرز: «المجلس السيادي»، الذي يمثل رأس الدولة، بناءً على مقترح الوساطة الإثيوبية ـــ الإفريقية المشتركة، المقبولة من الطرفين. لكن التفاوض «يتمحور حالياً حول رئاسة المجلس السيادي أكثر من أي شيء آخر، باعتبار أن هناك شبه اتفاق على العضوية بأن تكون مناصفة»، بحسب ما أكده عضو «الحزب الشيوعي السوداني»، المنضوي في قوى «التحرية والتغيير»، فريد إدريس، لـ«الأخبار». إذ شهدت جلسة أمس مناقشة مقترحات عديدة حول نسب التمثيل، من بينها صيغَتا «5+5+1» و«7+7+1»، وكلتاهما تقترحان عدداً مماثلاً من كل طرف، على أن تُرجّح الرئاسة كفة الميزان لمن يتولاها، ما يجعلها «نقطة الخلاف الحقيقية» وفق إدريس، الذي أشار إلى أن المجلس «يقترح أن تكون من قِبَله لمدة ثلاث سنوات، لكن الحرية والتغيير ترفض ذلك» حتى الآن.

ينحصر التفاوض حول رئاسة «السيادي» وفق صيغَتين تقترحان تساوي العضوية


وحول ظهور مكونَين في التحالف المعارض، بين من يقبل بالدخول في مفاوضات مباشرة يتمثل بتحالف «نداء السودان»، ومن يرفضها متمثلاً بـ«قوى الإجماع الوطني» التي ينضوي داخلها «الحزب الشيوعي»، أكد إدريس أن جميع المكونات الموقعة على «إعلان الحرية والتغيير» وافقت على دخول المفاوضات، وذلك «بعد اجتماعٍ أول من أمس، استمر من الساعة السابعة صباحاً وحتى الثانية ظهراً، اتفقت فيه جميع القوى على شروط التفاوض»، التي تشمل، إلى جانب شرط الإبقاء على الاتفاقات المبرمة في الجولات الثلاث، التزام المجلس «إجراءات بناء الثقة» التي قدمها وفد التحالف إلى رئيس الوزراء الإثيوبي في السابع من الشهر الماضي في الخرطوم، في إطار الوساطة التي كان يقودها الأخير. وتتضمّن تلك الإجراءات: تحمّل المجلس مسؤولية جريمة فضّ الاعتصام أمام القيادة العامة، وتشكيل لجنة تحقيق دولية في الجرائم التي ارتكبت منذ انقلاب 11 نيسان/ أبريل، وسحب المظاهر العسكرية من المدن والعاصمة، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وحماية الحريات العامة والإعلام، ورفع الحظر عن خدمة الإنترنت المقطوعة منذ شهر.
«المجلس العسكري وقّع على ورقة مقدمة من الوساطة الإثيوبية ـــ الإفريقية المشتركة، تضمنت إجراءات بناء الثقة الآنفة الذكر»، بحسب ما كشف عضو «الحزب الشيوعي» لـ«الأخبار»، لكن المجلس لا يزال يصرّ على قطع خدمة الإنترنت «باعتبارها من المهددات الأمنية». إذ أشار أحد مفاوضي التحالف ـــ رفض الكشف عن اسمه ـــ إلى أن أعضاء المجلس ربطوا عودة الخدمة «بوجود توافق سياسي». أما في شأن الإفراج عن المعتقلين السياسيين ذوي الصلة بالاحتجاجات، فلم يفرج «العسكري» عن أي منهم، بمن فيهم مسؤولان في «تجمّع المهنيين» اعتُقلا أثناء «مليونية 30 يونيو» الأحد الماضي. وأصدر رئيس المجلس، عبد الفتاح البرهان، قراراً أول من أمس، بإطلاق سراح أكثر من مئتي معتقل من «حركة تحرير السودان» (حركة متمردة تقاتل في دارفور غرب البلاد)، بعدما كان نائب رئيس «العسكري» محمد حمدان دقلو، الملقب بـ«حميدتي»، قد التقى برئيسها مني أركو مناوي، في العاصمة التشادية أنجمينا أخيراً، في إطار عمله رئيس «لجنة عليا» شكلها المجلس للتوصل إلى «اتفاق سلام» مع هذه الفصائل التي تقاتل القوات الحكومية في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، بناءً على مقترحات الوساطة المقدمة من جنوب السودان، التي تدعو إلى مشاركة هذه الحركات في العملية السياسية، وبالتالي، في المرحلة الانتقالية، ما يشي بأنّ المجلس لا يزال يبدي اهتماماً بوساطة جوبا المدعومة مصرياً.
لكن إدريس يرى أن المجلس العسكري بات يعلم أنّ البحث عن حاضنة سياسية من قوى تقليدية وحركات مسلحة وقبائل «لن يجدي نفعاً»، بسبب «صعوبة الوصول إلى اتفاقات حقيقية مع جميع هذه القوى المتعددة الاتجاهات»، معتبراً أن «لا خيار لدى المجلس حالياً سوى التفاوض مع الحرية والتغيير»، بسبب «التصعيد في الشارع، وجدولة تظاهرات وعصيان مدني حتى منتصف الشهر الجاري»، كموعد نهائي للتوصل إلى اتفاق، بعيداً عن السقف الزمني الذي ينتهي اليوم.