لندن | تأكد في لندن مساء الثلاثاء أن الأميرة الهاشميّة هيا (45 عاماً) بنت الملك حسين (والأخت غير الشقيقة لعبد الله الثاني ملك الأردن) وصلت بالفعل إلى المملكة المتحدة برفقة ولديها (جليلة 12 عاماً وزايد 7 أعوام)، وشرعت في إجراءات قانونية للانفصال عن زوجها الملياردير وحاكم دبي الشيخ محمد بن راشد (69 عاماً ــ 90 مليار دولار). وكانت الأميرة وولداها قد وصلوا في وقت سابق إلى ألمانيا بمعرفة المخابرات الألمانية المسبَقة، لكنّها ما لبثت أن انتقلت إلى العاصمة البريطانية بعد إجراء ترتيبات أمنية وإجرائية مع السلطات هناك. ويعتقد أن هيا تتمتع بالجنسية البريطانيّة وبإمكانها قانونياً منحها لولديها، وهو ما قد يكون عائقاً مستقبلاً لأي محاولات إماراتيّة لاستردادهما. وقد ترددت أنباء عن ضغوط هائلة يمارسها مكتب الشيخ الثري في الكواليس على السلطات في برلين سعياً لاسترداد الأميرة أو ولديها على الأقل. وهو ما قد يفسّر سرعة انتقالهم إلى لندن، الأدرى بشعاب الخليج وصاحبة النفوذ الكلاسيكي في المنطقة والخبيرة بصراعات القصور الملكية. وقد رفضت سفارة الإمارات في لندن التعليق على ما أسمته مسألة شخصية بين اثنين، بينما نقلت مواقع على الإنترنت قصيدة كتبها محمد بن راشد تتهم الأميرة بشكل غير مباشر بخيانته وأنّ «حياتها أو موتها عنده سيّان».


«الأميرة هيا بنت الحسين» لكاترينا فون كلوغن (أكريليك على قماش ــ 30 × 40 سنتم ــ 2017)

بحسب صحف لندن، فإن الأميرة الهاربة تمتلك بالفعل قصراً فارهاً في واحدة من أرقى مناطق العاصمة البريطانيّة تقدر قيمته العقاريّة بأكثر من 85 مليون جنيهاً استرلينياً (حوالى 110 ملايين دولار). كما أوردت صحف إسرائيليّة أن الأميرة حملت معها ثروة سائلة تقدّر بـ 39 مليوناً من الجنيهات، بينما لا يعرف يقيناً في ما إذا كانت بعض أهم اصطبلات الخيول في أوروبا التي يمتلكها حاكم دبي مسجّلة باسمها منذ بعض الوقت. تتمتع هيا بالوراثة ـــ من والدها الملك حسين ـــ بعلاقات وثيقة مع العائلة المالكة البريطانيّة، لا سيّما مع زوجة الأمير تشارلز ولي العهد. هي ضيفة شرف دائمة ـ وغالباً مع زوجها مرتدياً قبعات عالية تثير الضحك ـــ على سباقات الخيول السنوية في أسكوت (قرب لندن) التي تحضرها النخبة الأرستقراطية الإنكليزيّة وضيوفها من أثرياء العالم الثالث الفاسدين وممثلات هوليوود. تلقت تعليمها المدرسي والجامعي في المملكة المتحدة ـــ كما أولاد السلالة المالكة الأردنية جميعهم ـــ وحصلت على درجة في الاقتصاد والعلوم السياسيّة من «جامعة أكسفورد» المرموقة. من المعروف أنّ هيا هي ابنة الملك حسين من زوجته الفلسطينية الأصل علياء طوقان التي قضت في حادث تحطّم طائرة مروحية غامض قيل إنّ الملكة زين (التركيّة الأصل ووالدة الملك حسين) كانت وراءه. وأسرة طوقان من العوائل المعروفة في مدينة نابلس في الضفة الغربيّة المحتلة، وهي كانت مقربّة من السلالة الهاشميّة الحاكمة منذ عهد إمارة شرق الأردن التي كانت تدار من لندن قبل منح المملكة استقلالها الشكلي. وبحسب الدستور الأردني، فإن الحكم كان يُفترض أن ينتقل من الملك حسين إلى ابنه الأمير عليّ شقيق هيا من الأم نفسها بوصفه السليل الذكر الوحيد المنحدر من أم عربيّة، بينما بقية أشقائه ينحدرون جميعاً من أمهات أجنبيات (بريطانية وأميركيّة، فيما الزوجة المصريّة الأولى للملك حسين لم تنجب أولاداً). لكن السفارة الأميركيّة وقتها ــ وبتأثير من الزوجة الأميركية للملك المحتضر ـــ كان لها رأي آخر! هكذا، عدّل الدّستور في اللحظة الأخيرة، واستدعي الأمير عبد الله الثاني من لندن بصفة عاجلة لتولّي العرش.
اشتهرت الأميرة هيا ـ الفارسة الفائزة بجوائز كثيرة ـ بأنّ علاقاتها كانت دائماً في أجواء الفروسيّة واصطبلات الخيول وفيها أصبحت صديقة لباسل الأسد، النجل الأكبر للرئيس السوري حافظ الأسد الذي توفي في حادث سير غامض، وكان بطل سوريا في الفروسيّة... قبل أن تهرب برفقة مدرّبها الإسبانيّ إلى باريس الذي ما لبث أن تركها بعد تلقّيه تهديدات ورشوة كبيرة لشراء سكوته الأبدي.

الأميرة هيا برفقة ولديها وزوجها حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد

وقد تعرضت الأميرة وقتها للمقاطعة والحرمان من عائلتها، ما اضطرها أحياناً إلى اللجوء إلى السلطان قابوس ـ سلطان عمان وصديق والدها ـ لتسديد فواتيرها المتراكمة في العاصمة الفرنسية. تعرّفت لاحقاً إلى أمير دبي في أحد السباقات هناك، فدعاها لزيارته حيث التقت زوجته الأولى (الأميرة هند واسعة النفوذ) التي رأت فيها مرشحة جيدة لتكون زوجة لابن محمد بن راشد (راشد) خريج «أكاديمية ساندهيرست» العسكرية البريطانية، والمرشح لتولي إمارة دبي بعد أبيه. بالطبع، لم يكن محمد بن راشد وقتها بحاجة إلى مزيد من النساء في حريمه (إضافة إلى زوجته الإماراتية الأولى، تزوج أربع مرات وله منهن 21 ولداً معترفاً بهم). لكنّه وجد في إطار سعيه للفوز في صراع الخلافة مع بقية أشقائه ـ وهم أكبر منه سناً ــ أن «اقتناء» أميرة هاشميّة قد يمنحه شرعية بريطانية وأميركية إضافيّة بحكم علاقات الهاشميين الوثيقة بلندن وواشنطن. وهو بذلك استكمل أوراق اعتماده التي حصل عليها بتقاربه مع سلالة آل زايد حكّام أبوظبي على رغم العداء التاريخي المستحكم بين العائلتين. وبالفعل، فإن الزواج جرى على عجل (2004) من دون احتفالات، وعَلم به معظم أفراد العائلة الحاكمة في دبي من أخبار مقتضبة من الصحف. وقد عيّن بعدها محمد بن راشد حاكماً لدبي (2006) بتوافق تام بين أبوظبي ولندن وواشنطن، ومُنح صلاحيّات تامة لإدارة نموذج لاس فيغاس عربية في قلب الصحراء، قائم على منح الامتيازات للأجانب، وفرض ميناء دبي ومطارها محطة إقليميّة لا يخشى يوماً انقلابها على الغرب، كما إطلاق أكبر واحة آمنة لمشاريع تبييض الأموال والدعارة المنظمة والتهريب الدولي خارج أوروبا. الزواج كان أيضاً مكسباً لعمان ـ المفلسة أبداً ـ التي ضمنت بالنسب الملكي طريقاً إلى شيء من أموال مشروع دبي، أقلّه عن طريق توظيف ربع مليون من الأردنيين. لكن محمد بن راشد غير المتعلم (دعك من الكتب المنشورة باسمه) بقي مع ذلك في سلوكه المحلي أسير تقاليد البداوة التقليديّة، ومارس سطوة ذكورية قاسية على بناته تحديداً، وقد حاولت اثنتان منهما على الأقل (شمسة ولطيفة) الفرار منه، لكنهما أعيدتا مخفورتين إلى الإمارة بتواطؤ السلطات البريطانية والهندية ولا يعرف مصيرهما إلى الآن.
الإعلام الغربي الحذر في نشر أنباء السلالات ــ طمعاً لا خوفاً ــ علّل فرار الأميرة هيا باكتشافها تعديات غير مقبولة إنسانيّاً على الشيخة لطيفة الابنة المستعادة بمحض القوّة، وأنها لذلك صارت عرضة للخطر. لكنّ العارفين بدواخل الأمور في دبي، يعلمون بأن ذلك ليس صحيحاً بالمرّة لأن الأميرة هيا تولت شخصياً إدارة حملة العلاقات العامة لتلميع سمعة زوجها بشأن الشيخة المستعادة، وهي استخدمت نفوذها لاستدعاء شخصية سياسية إيرلنديّة متقاعدة إلى دبي لمقابلة لطيفة ومن ثم وصف حالتها ـ مضطربة نفسياً رغم العناية الفائقة ـ للصحافة الأجنبية، مانحةً للأمير بذلك شهادة براءة غير مستحقة.
قصص الأميرات الهاربات لا يمكن مقاربتها بسطحيّة بعض النسويات العربيّات لناحية عقد الذكورة والفحولة


غالب الأمر أن الأميرة استشعرت خطراً على حياة ولدها زايد بن محمد بن راشد الوحيد من أبناء أمير دبي الذي تجري في عروقه الدماء الملكيّة، وكانت تأمل لذلك بأن يتأهل خلال العقد المقبل لاستلام السلطة من والده الذي يقف على أبواب عقده الثامن، لا سيّما أن «زايد» الصغير يحمل اسم كبير السلالة الحاكمة في أبوظبي. ومن الواضح في تاريخ السلالات العربيّة المعاصرة أن الخلافة لا تتم دائماً تلقائياً بحسب السن أو الدستور، وإنما تتداخل فيها مصالح إقليميّة ودوليّة قد تحسمها في اللحظة الأخيرة لآخرين (الأمثلة كثيرة، لكن أقربها محمد بن راشد نفسه كما عبد الله الثاني). هيا عانت طويلاً من شبه مقاطعة معظم أفراد العائلة الحاكمة في دبي لها، لا سيما الزوجة الأولى ـ الأميرة هند ـ وابنها راشد الذي طالما اعتبر نفسه تالياً في الإمارة.
الأميرة الهاشميّة كان يمكنها نظريّاً اللجوء إلى عمّان أو تل أبيب (بحكم رصيد والدها الكبير عند الإسرائيليين) أو لندن، لكنها اختارت تحديداً الفرار بابنها الى لندن لأنها تدرك تماماً بأنه لن يكون مرحّباً بها من السلالة الحاكمة في الأردن، خوفاً على المصالح الاقتصادية حصراً، بينما سيُعَقّد منفى إسرائيلي حظوظ زايد الصغير بالخلافة. مهما يكن من أمر، فإن قصص الأميرات الهاربات من قصور عربيّة لا يمكن مقاربتها بسطحيّة بعض النسويات العربيّات لناحية عقد الذكورة والفحولة وقمع النساء. جذر المسألة أعمق من مجرد أمراض سلوكيّة فرديّة أو قيم مجتمعية متوارثة، وينبغي أن تكون مناسبة متجددة عند شعوب المنطقة قبل النخب لطرح الأسئلة الممنوعة عن شرعية السلالات العربية الحاكمة التي أورثها الاستعمار البريطاني حكم دويلات كرتونيّة، قبل أن ينقلها بحكم الواقع الموضوعي للإمبراطورية الأميركية إثر الحرب العالميّة الثانية، وتمنع تحقيق أي نهضة أو تقدّم حقيقي لـ 200 مليون من البشر. هذه السلالات المنحدرة من أصول غامضة ومشبوهة، تستمرّ على عروشها بحصانة تامة من المساءلة أو المحاسبة محلياً أو دوليّاً، ولا تزال تمارس منذ عقود برعاية قريبة من السفارات الغربيّة، صيغ تسلط قروسطيّة على مقدرات العالم العربي وشعوبه لم توفّر حتى نساءه من القهر والإذلال، بل القتل أحياناً. ألم يحن الوقت لربيع عربيّ حقيقي ـ غير ملوّن ـ لاقتلاع هؤلاء الفاسدين جميعاً، والشروع من جديد؟ تلك هي المسألة، وبغير مواجهتها، فإن واشنطن وحدها ستمنح كلمة السر الأخيرة لراشد أو زايد في دبي، كما في كل دبي عربيّة أخرى، ونكتفي نحن بمتابعة أخبار فرار الأميرات.