استحوذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الأضواء المسلّطة والمحيطة بقمة مجموعة العشرين التي عُقدت في اليابان، خلال اليومين الماضيين، إن كان من خلال اللقاءات التي رفض حضورها، أو تلك التي حضرها، هذا فضلاً عن التصريحات التي أدلى بها. ترامب كان الشغل الشاغل للإعلام الأميركي والعالمي، ربطاً بلقائه الرئيس الصيني جين شينبينغ واتخاذ القرار المشترك بالهدنة التجارية بين البلدين، وأيضاً بسبب زيارته الأراضي الكورية الشمالية، بعد تصريح مفاجئ عن نيّته القيام بذلك عبر «تويتر»، في طريق عودته إلى واشنطن. وما بين الحدثين إشادة للرئيس الأميركي بـ«العمل الاستثنائي» الذي يقوم به ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي التقاه حول مائدة فطور. وخلافاً لرأي مجلس الشيوخ الأميركي، رأى أن مسؤولية وليّ العهد السعودي عن جريمة قتل الصحافي عدنان خاشقجي «الفظيعة» غير مؤكدة.

أما الأبرز بين هذه اللقاءات الثنائية، فقد كان لقاءً ودياً للغاية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حذّره خلاله ترامب ممازحاً من أي تدخل في الانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2020 التي يترشح فيها ترامب لولاية ثانية. لكنّ الأهم أيضاً، أن ترامب، أظهر خلال اليومين اللذين أمضاهما في أوساكا، ابتعاداً واضحاً مع حلفائه الأوروبيين. فعلى الرغم من سعي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دون جدوى لعقد اجتماع ثنائي معه، إلا أنه لم يلتقِ من بين الأوروبيين سوى المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل.

ترامب: مسؤولية ابن سلمان عن جريمة قتل خاشقجي غير مؤكدة


قبل اللقاء المنتظر جداً مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، بادر ترامب بتغريدة عبر موقع «تويتر» تجاه كوريا الشمالية، فاجأت الجميع، اقترح خلالها لقاء الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون في المنطقة المنزوعة السلاح التي تفصل بين الكوريتين «لمصافحته» و«قول مرحبا». «سأشعر بالارتياح للقيام بذلك. لن تكون هناك أي مشكلة لدي»، قال الرئيس الأميركي، ليغادر بعدها إلى سيول على متن الطائرة الرئاسية الأميركية «إير فورس وان»، حيث اختتم تحرّكاته بزيارة تاريخية، وطئت خلالها قدماه أرض كوريا الشمالية في خطوة هي الأولى لرئيس أميركي. وبعد لقاء استمرّ 45 دقيقة في الجهة الجنوبية، رافق ترامب كيم إلى بلاده، هذه المرة برفقة الرئيس الكوري الجنوبي مون جاي إن. وعبر ترامب برفقة كيم الذي كان يرتدي بزّته التقليدية ذات اللون الرمادي الداكن، الخط الإسمنتي الذي يجسّد الحدود بين الكوريتين، وسار لوقت قصير داخل الأراضي الكورية الشمالية قبل أن يعود أدراجه. بعدها، وقف الرجلان لالتقاط الصور خلف الخط الحدودي في قرية بانمونجوم حيث وُقِّعَت الهدنة عام 1953. وأتاح هذا اللقاء استئناف المحادثات بشأن برنامج بيونغ يانغ النووي، بعد نحو عام من قمّتهما الأولى في سنغافورة وفشل قمتهما الثانية في هانوي في شباط/فبراير الماضي. وإذ رأى الرئيس الأميركي أنه «يوم عظيم بالنسبة إلى العالم»، قال إنه «فخور لعبوره هذا الخطّ». أما كيم، فقد أعرب، من جهته، عن أمله في «تجاوز العقبات» بفضل علاقاته مع ترامب. ورأى أن «واقع أن (قائدي) البلدين، ورغم علاقة العداء الطويلة بينهما، تمكنا من مصافحة بعضهما من أجل السلام في المكان الذي يرمز إلى الانقسام، أمر يُثبت أن الحاضر أفضل من الماضي».
وفي طريق عودته إلى واشنطن، أكد ترامب للصحافيين أنه دعا كيم إلى زيارة الولايات المتحدة، لكن من دون تحديد موعد للزيارة. وقال إن «ذلك سيحصل يوماً ما». كذلك، أعلن أن مفاوضي البلدين سيستأنفون المحادثات «في غضون أسبوعين أو ثلاثة» بشأن برنامج بيونغ يانغ النووي.
ومرة جديدة، طغت العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، على البرنامج الرسمي لقادة أكبر عشرين اقتصاداً في العالم الذين اختلفوا هذه السنة بشأن المناخ، بعيداً عن الحكومة العالمية المتناغمة التي حددوها هدفاً لهم في اجتماعهم الأول عام 2008. وفي هذا الإطار، تمكّن الرئيسان من تفادي الأسوأ، بإعلانهما هدنة في حربهما التجارية، لكن استئناف الحوار هذا بين أكبر اقتصادين في العالم لم يترافق مع أي جدول زمني. وقال ترامب: «عقدنا مع الرئيس شي لقاءً جيّداً جداً، لا بل يمكن أن أقول إته ممتاز»، مشيراً إلى أن العلاقات بين البلدين الخصمين «عادت إلى السكة الصحيحة». وبعد وقت قصير، أكد ترامب أنه لا ينوي «إضافة» رسوم جمركية على الواردات الصينية ولا إلغاء بعضها، «على الأقلّ في الوقت الراهن»، مشيراً إلى أن المفاوضات ستستأنف بين البلدين. في المقابل، طرح الرئيس الأميركي، ولو بصورة مبهمة، احتمال تليين القيود الأميركية المفروضة على مجموعة «هواوي» الصينية العملاقة التي تشكل نقطة شائكة في الخلاف التجاري بين البلدين. وبذلك، يكرّر الرئيسان السيناريو الذي حصل في قمة مجموعة العشرين السابقة التي عُقدت في الأرجنتين في أواخر عام 2018، وعلّقا خلالها نزاعهما لبضعة أشهر بهدف استئناف المفاوضات التجارية التي سرعان ما تعثّرت.