بغداد | لا تزال الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، للعاصمة العراقية، تتفاعل على المستويين السياسي والإعلامي، في ظلّ ما رافقها من حديث عن طلب رأس دبلوماسية الولايات المتحدة من مسؤولي بغداد ضمانات بعدم تعرّض فصائل المقاومة لمصالح بلاده في حال تصاعد التوتر مع طهران إلى أبعد مما بلغه اليوم. وهو حديثٌ كمّلته تغريدة لافتة لعضو لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميركي، السيناتور ماركو روبيو، على موقع «تويتر»، خصّ فيها بالذكر «عصائب أهل الحق» و«كتائب حزب الله»، معتبراً أنه إذا «نفذت هذه الفصائل هجمات ضد جنودنا أو منشآتنا في العراق، فيجب اعتبار ذلك هجوماً مباشراً من إيران، ويتطلب الرد».

اللافت أن روبيو، الموصوف في الإعلام الأميركي بـ«وزير خارجية الظل»، تحدث عن وجود خمسين ألف عسكري أميركي على الأراضي العراقية، قبل أن يعود ويحذف حديثه المتقدم، مجدداً التزامه بالرقم المعلن رسمياً من قِبَل بلاده وهو خمسة آلاف. في هذا الإطار، تفيد وثيقة صادرة أخيراً عن مكتب رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، بأن عديد قوات «التحالف الدولي» في العراق يبلغ تسعة آلاف، بينهم ستة آلاف عسكري أميركي، مهمتهم التدريب والاستشارات والإسناد الجوي. لكن، بحسب مصادر ميدانية مطّلعة على تفاصيل الوجود الأميركي، فإن العدد هو ضعف ذلك بخمس مرات، أي حوالى 25 ألفاً، منتشرين في 13 قاعدة عسكرية.
هذا الانتشار «اعتبر بومبيو أي هجوم عليه أو على غيره من المصالح الأميركية عن قصد أو عن غير قصد استهدافاً مباشراً للولايات المتحدة... وهو أمر يتطلب رداً شاملاً في حال حصول ذلك»، بحسب ما ينقل مصدر حكومي في حديث إلى «الأخبار» عن المسؤولين العراقيين الذين التقوا الوزير الأميركي. ويضيف المصدر إن بومبيو أبلغ العراقيين أن «الجماعات الموالية لإيران تبدو متفاعلة أكثر من إيران نفسها، كونها مستفيدة أولاً وأخيراً من طهران، ما يجعل الولايات المتحدة في وضع لا يمكن السكوت عنه، وبالتالي فإن الرد لن يقتصر على الجانب العسكري، بل سيكون اقتصادياً أيضاً، ومتعدد الجوانب».
وكانت وسائل إعلام عراقية عدة قد تداولت، في اليومين الماضيين، أن بومبيو أبلغ عبد المهدي أن الولايات المتحدة «لن تتخذ خطوة الحرب الأولى ضد إيران، لكنها لن تتردد في حماية أمن بعثتها وجنودها في العراق»، متحدثة عن أن الوزير الأميركي قدم للجانب العراقي تقريراً يتضمن «أدلة استخبارية تشير إلى تخطيط مجموعة على صلة بإيران لتنفيذ عملية عسكرية ضد مجمع يضم قوات أميركية شمال بغداد، وآخر غربها»، مضيفةً إن «المعلومات الاستخبارية شملت أيضاً خططاً تتعلق بمهاجمة مبنى السفارة الأميركية في بغداد بصواريخ قصيرة المدى».
في هذا الإطار، لا تنفي مصادر فصائل المقاومة ولا تؤكد صحة هذا التقرير، مكتفية بالتشديد على أن الأميركيين «أهداف مشروعة وجاهزة لاصطيادها». وإذ تؤكد جاهزيتها للدخول في مواجهة في «اللحظة المناسبة»، فهي تعدّد ثلاثة سيناريوات محتملة في أي تصعيد، على النحو الآتي:
1- قصف صاروخي على التجمعات الأميركية (سفارة أو قواعد أو معسكرات)، وقد سبق أن اختبر الأميركيون ذلك إبّان حكومة حيدر العبادي، وتحديداً من قِبل «كتائب حزب الله».
2- كمائن ضد القوافل الأميركية المسيّرة في مختلف المحافظات العراقية، وتحديداً في مناطق «غير متوقعة»، أي المحافظات الشمالية والغربية.
3- خطف رعايا أميركيين، وذلك مع تطور المواجهة، وبلوغها حداً كبيراً من التصعيد، وخصوصاً أن المناطق الجنوبية (محافظة البصرة على سبيل المثال) تعجّ بمواطنين أميركيين تُطرح تساؤلات حول طبيعة مهماتهم، علماً بأن معظمهم يوجدون هناك بصفة «خبراء نفطيين».
من جهتها، تتحفّظ مصادر أخرى من داخل «فصائل المقاومة» عن سرد سيناريوات التصعيد، لكنها لا تستبعد الركون إليها في القريب العاجل. وهي إذ لا توافق روبيو على حصره المواجهة بـ«العصائب» و«الكتائب»، تؤكد أن ثمة فصائل أخرى، كبيرة وصغيرة، جاهزة للدخول في المواجهة، واصفة ذلك بـ«الأمر المربك للأميركي، ويدفعه إلى الحذر والخوف، ويذهب به إلى التهديد». وفي الاتجاه نفسه، رأى المتحدث العسكري باسم «العصائب»، جواد الطليباوي، أن «توازن الرعب الذي حققته الفصائل مع القوات الأميركية دفع إدارتها إلى الاستجداء، وطلب الحماية من الحكومة العراقية للوجود الأميركي في العراق».