فضّل رئيس مجلس الوزراء الانتظار حتى تمر العاصفة. لم يشأ الخوض، على الحامي، في مسألة إعفاء 14 شركة من غرامات كبرى مُتراكمة عليها منذ أكثر من عقد، وتصل قيمتها إلى 115 مليون دولار. لذلك كان القرار بتأجيل مناقشة الأمر إلى الأسبوع المقبل.

وقد تكفّل وزير الإعلام جمال الجراح بتخفيف وطأة القرار المتوقع، عبر تأكيد المؤكد والإشارة إلى أن ما سيُقدم عليه مجلس الوزراء ليس إعفاءً من الرسوم المترتبة على الشركات أو المؤسسات، بل درس طلب الشركات إعفاءها من الغرامات المترتبة عليها، كما يحصل لدى إقرار كل الموازنات. وقد فات وزير الإعلام أن الأمر يتعلق بأموال طائلة يتهرب من دفعها نافذون في الدولة، وفي مقدمهم مؤسستان لرئيس الحكومة أسهمٌ فيهما، وهؤلاء لا يفترض أن يعاملوا معاملة صغار المكلّفين.
وكان لافتاً إبداء الرئيس سعد الحريري انزعاجه من تسريب جدول أعمال مجلس الوزراء، بالرغم من أن هذا الجدول لا يصنف في خانة المداولات السرية، لا بل على العكس، فقد يكون نشره رسمياً من قبل رئاسة مجلس الوزراء هو أبسط قواعد الشفافية في العمل الحكومي، وخاصة أن هذه القضايا متصلة بالمال العام، أي بمال دافعي الضرائب، والوكالة الممنوحة من قبلهم للحكومة ليست مطلقة، إذ لهم حق الرقابة على أعمالها. وجزء من شروط الرقابة علانية المداولات المتصلة بأموالهم.
تأجيل البحث في طلب إعفاء الشركات لا يحلّ أصل المشكلة. فبحسب ما أعلن وزير المال علي حسن خليل، أول من أمس، فإن عدم بتّ الطلبات يعني عدم تحصيل ضرائب ورسوم من الشركات المعنية، كما من مؤسسات وأفراد يتعاملون معها تجارياً. ويبدو أن احتجاج الحريري على «التسريب» يؤشر إلى نيته «تهريب» الملف. ويمكن الاستدلال على ذلك بأنه لم يسمح لمجلس الوزراء بمناقشة البند، ربما بسبب الضغط الإعلامي والشعبي المُطالب بعدم مكافأة شركات «محظية»، كـ«سوليدير» و«بنك البحر المتوسط»، عبر إعفائها من غرامات تخلفها عن دفع الضرائب. وكان في مقدور الحريري «قطع النزاع» برفض طلبات الشركات، وإلزامها بدفع الغرامات، وخاصة أنها حققت في العقدين الماضيين أرباحاً طائلة، ولديها من الأملاك ما يكفي لدفع الغرافات وأكثر، من دون أن تتأثر أوضاعها. وكان من شأن خطوة مماثلة أن تنزع عن الحريري «شبهة» نية التكسّب على حساب المال العام، وخاصة أنه يملك أسهماً في الشركتين اللتين تطلبان الإعفاء من الحصة الأكبر من الغرامات.

دورة تراخيص ثانية
ومع تأجيل بند الإعفاء من الغرامات، «كان الجو جيداً جداً، وأقرّت معظم البنود في ظل نقاش هادئ»، على ما قال الجراح. أما أبرز ما أقر أمس، فكان دورة التراخيص الثانية للتنقيب عن النفط في البلوكات 1، 2، 5، 8 و10، حيث يفترض أن تبدأ هيئة إدارة قطاع البترول التحضير للمناقصة، بعدما أعدّت دفتر شروط معدلاً يستفيد من تجربة الدورة الأولى ويعالج بعض الثغَر التي ظهرت فيها.

خطة الكهرباء أمام مجلس الوزراء للمرة الثالثة خلال 9 سنوات

لكن المفارقة كانت في تجاهل مجلس الوزراء وجوب تعيين أعضاء جدد للهيئة، التي انتهت ولايتها في نهاية العام الماضي وتعمل بموجب استمرارية المرفق العام.
مع ذلك، فقد أكدت المصادر أن هذا الأمر على أهميته، لا يمنع تسجيل ملاحظة إيجابية على فتح الدورة الثانية، وخاصة بعد إضافة البلوك رقم 2 من قبل مجلس الوزراء بناءً على طلب من الرئيس سعد الحريري. وعليه، يكون المجلس قد أعاد فتح ثلاثة بلوكات سبق أن فُتحت في الدورة السابقة، مع إضافة البلوك رقم 5 بمحاذاة البلوك الحدودي رقم 8، ومع إضافة البلوك رقم 2 على الحدود البحرية مع سوريا. وبذلك، يكون لبنان قد عرض كل بلوكاته الحدودية الشمالية (1 و2) والجنوبية (8 و10، إضافة إلى البلوك رقم 9 الذي لُزّم في الدورة الأولى). لكن بخلاف البلوكات الجنوبية التي يخوض لبنان نزاعاً لتأكيد ملكيته لها، فإن الحكومة، وخاصة بعد إقرار فتح البلوك رقم 2، صارت مضطرة الى التفاوض مع سوريا على ترسيم الحدود أولاً، وعلى تقاسم الإنتاج في المكامن المتداخلة ثانياً. كذلك، فإن البلوك رقم 2 يملك ميزة فريدة، تتعلق بسهولة الاستخراج فيه، نظراً إلى تفاوت أعماقه التي تبدأ بـ 33 متراً فقط، والتي تشير الدراسات التي أجريت عليه إلى احتمال احتوائه على النفط أيضاً، لا على الغاز وحده.

لجنة الكهرباء تصدر توصيتها
بعد جلسة مجلس الوزراء أمس، مباشرة، عقد أعضاء اللجنة الوزارية المكلفة درس خطة الكهرباء اجتماعاً لإنهاء التفاصيل التي كانت لا تزال عالقة. وبعدما أدت المداولات إلى تعديل بعض البنود وتوضيح بعضها الآخر أو تثبيته، انتهى الاجتماع بالاتفاق على رفع توصية إلى جلسة مجلس الوزراء الاثنين.
ومع إنهاء اللجنة مناقشة الخطة المقدمة للمرة الثالثة في غضون تسع سنوات، جرى الاتفاق على قاعدة أساسية للعمل عنوانها عدم زيادة العجز، عبر ترافق عملية تلزيم الإنتاج مع تنفيذ خطة تخفيف الهدر على الشبكة وتأمين النقل.
انطلاقاً من هذه القاعدة، تم الاتفاق على إنجاز مناقصة لمجموعتي إنتاج تؤمنان طاقة متساوية تقريباً لكل من الفترتين المؤقتة والدائمة، الأولى تضم الزهراني، حيث يفترض بناء معمل يؤمن 700 ميغاواط في الفترة المؤقتة، والثانية تضم دير عمار وسلعاتا والذوق والجية، ويتم عبرها تأمين 750 ميغاواط في الفترة المؤقتة (450 ميغاواط من دير عمار و100 ميغاواط من الذوق و200 ميغاواط من الجية). وعليه، سيكون بإمكان العارضين التقدم إلى مجموعة من الاثنتين أو إلى الاثنتين معاً، على أن تشمل العروض إنتاج الطاقة للمرحلتين المؤقتة والدائمة. وللعارض الحق في تقديم أي خيار يريده لتأمين الطاقة، بصرف النظر عن التكنولوجيا المستعملة. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يستقدم معملاً أو اثنين على البر للفترة المؤقتة بالتوازي مع بدء إنشاء معمل دائم، أو بناء معمل واحد يستفاد منه في الفترة المؤقتة، ثم الدائمة عند اكتمال إنشائه. كما يمكن استقدام بواخر للفترة المؤقتة بالتوازي مع بناء المعامل الدائمة. أي أن المعيار الذي سيُحدد أي تكنولوجيا ووسيلة إنتاج ستستعمل هو السعر ومدة إنجاز الحل الدائم.
وكما كان متوقعاً لم تتفق اللجنة على الجهة التي ستجري المناقصة، بل ستقدم توصية إلى مجلس الوزراء ليقرر بين خيارين: إما في إدارة المناقصات، أو من خلال اللجنة الوزارية. وفي الحالتين سيتم تمديد القانون 288 الذي يسمح بتجاوز القانون 462 الذي يعطي الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء حق إعطاء تراخيص الإنتاج بعد تحرير القطاع.

لجنة الكهرباء تقترح قوننة إجراء عقود BOT عبر إدارة المناقصات


وإذا كان الداعون إلى أن تتولى اللجنة مهمة إجراء المناقصة ينطلقون من أن القانون 288 أناط بمجلس الوزراء إعطاء الإذن للقطاع الخاص بانتاج الطاقة بعد اقتراح من وزيري الطاقة والمالية، فإن هؤلاء يعتبرون أن هذه الآلية تسمح للجنة التي تمثّل مجلس الوزراء بإجراء مناقصة أو استدراج عروض. ويتجاهل أصحاب هذا الرأي أن لا آلية قانونية لإجراء المناقصات من قبل مجلس الوزراء إلا عبر إدارة المناقصات، أو عبر المجلس الأعلى للخصخصة والشراكة، الذي أعطاه قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص صلاحية إعداد عقود الشراكة وتنفيذها.
وبما أن مسألة خضوع المناقصة للمجلس الأعلى للخصخصة غير مطروحة حالياً، بحجة التعقيدات والمدة التي تحتاجها العقود، لا يبقى في الميدان إلا إدارة المناقصات. إلا أن في اللجنة رأياً وازناً يعتبر أن إدارة المناقصات لا يمكنها إجراء هذا النوع من الصفقات، لأن قانون المحاسبة العمومية لم يتطرق سوى إلى الصفقات التي تموّل من الخزينة لأعمال تنفذ لصالح الدولة، وتفترض حجز اعتمادات، لا تلك التي تتم بنظام BOT (الإنشاء ثم التشغيل ثم تسليم الملكية والإدارة إلى الدولة).
ورغم وجود وجهة نظر قانونية مناقضة تستند إلى تجارب سابقة كإجراء إدارة المناقصات لمناقصة الميكانيك عبر نظام BOT، إلا أنها لا تلغي حقيقة أن الأمر خاضع لنقاش قانوني. ولذلك كان الاقتراح بإقرار قانون مستقل أو فقرة ضمن القانون 288، توضح أن قانون المحاسبة العمومية ينطبق على الصفقات المتعلقة بالمرافق التي يتولى فيها القطاع الخاص التمويل والبناء والانتاج ومن ثم التسليم للدولة بعد فترة محددة، على أن يُستثنى هذا النوع من العقود من أحكام قانون المحاسبة العمومية التي لا تتفق معه.