لندن | يتجه الناخبون في جمهورية الإكوادور إلى صناديق الاقتراع، يوم غدٍ الأحد، لاختيار ممثلين عنهم للمجالس البلدية والإقليمية. وبعكس الانتخابات المحلّية السابقة التي أُجريت في 2014 وغلب عليها الطابع الخدمي وشؤون الأقاليم، تكتسب هذه الجولة أبعاداً سياسية استثنائية وتترقب نتائجها عواصم كثيرة، ليس أقلها واشنطن وكاراكاس وبكين، وستكون بمثابة أول تصويت شعبي بالثقة على سياسات الرئيس لينين مورينو منذ توليه السلطة في نيسان/ أبريل 2017.

الرئيس مورينو، الذي تولّى السلطة خلفاً للرئيس اليساري السابق رافائيل كوريّا، كان قد انقلب على برنامجه الانتخابي الشخصي المبنيّ على استمرار السياسات الإصلاحية لسلفه. وشرع، فور تسلمه مفاتيح قصر «الكارونديليه» الرئاسي، في تنفيذ ثورة مضادة مكتملة الأركان استهدفت تحويل توجهات البلاد الكلية وتموضعها السياسي الإقليمي نحو اليمين النيوليبرالي، من خلال تنفيذ مجموعة من الإجراءات الجذرية الطابع لاستئصال المكتسبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية كافة التي كان قد حققها الشعب الإكوادوري في عهد كوريّا وما سُمّي ثورةَ «تحالف المواطنين» الشعبية، سواء في التعليم أو الصحة أو التقديمات الاجتماعية للفئات المُهمّشة تاريخياً، أو لناحية بناء سيادة الإكوادور واستقلالها وتحالفاتها خارج منظومة الهيمنة الأميركية، وأقرب إلى دول الجنوب، كالصين وكوبا وفنزويلا وبوليفيا.
توجهات مورينو، الذي سماه كوريّا «يهوذا الخائن»، لناحية تهميش القطاع الإكوادوري العام لمصلحة كبار الرأسماليين والمتمولين، وتنفيذ سياسات اقتصادية واجتماعية تقشفية الطابع، وكذلك الانخراط في تحالف ذيليّ مع الولايات المتحدة. توجهات في مجموعها تلقى كبير ترحيب من واشنطن ومجموعة دول أميركا الجنوبية الخاضعة للهيمنة الأميركية (كالبرازيل والأرجنتين وكولومبيا)، ولا سيما أنها تأتي في وقتٍ تشتد فيه الحملة على الثورة البوليفارية في كاراكاس، ويعظّم نظام ترامب جهود خارجيته ومخابراته لتنظيف أميركا اللاتينية من جيوب اليسار الباقية (كوبا ونيكارغوا وبوليفيا وفنزويلا). لكن تلك التوجهات سببت موجة استياء شعبي واسع، واحتجاجات عنيفة شهدتها كويتو العاصمة ومدن الأقاليم في غير مناسبة، وهو ما يرجَّح أن ينعكس تصويتاً في انتخابات الأحد لمصلحة رفاق الرئيس السابق كوريّا من اليساريين والقوميين، ولا سيما أعضاء المجالس الحالية الذين يتمتعون ــ على العموم ــ بثقة القطاع الأعرض من السكان.
اليمين الإكوادوري يبدو شديد التوتر والارتباك في التعامل مع هذا الاستحقاق، الذي إن تحققت توقعات المراقبين له بشأن استعادة اليسار زمام المبادرة، فسيعرقل حتماً مسيرة النكوص إلى النيوليبرالية، ويسبب تجاذبات إدارية في المجالس المحلية والأقاليم. والأهم من ذلك كلّه، أنه قد يكون أقوى الإشارات على سقوط محتّم لمشروع اليمين في الانتخابات الرئاسية المقبلة في 2021، سواء كان تجديداً للرئيس مورينو، أو تقديماً لمرشحين يمينيين غيره. وهو ما سيكون بمثابة كارثة قد لا يسهل على الطبقة الحاكمة في البلاد التعافي منها قبل عقد «ضائع» آخر، أسوة بفترة حكم الرئيس كوريّا التي امتدت لعقد من السنوات. ويبدو أن حظوظ مورينو في الاستمرار في ولاية جديدة بدأت فعلياً بالتلاشي، بعد فضيحة الفساد الأخيرة التي كُشف عنها وأظهرت تلقّيه رشى عدة من نافذين ومصالح عبر تحويلات إلى حسابات سرية باسمه في بنما، إضافة إلى سلسلة من الهدايا الثمينة الأخرى، بما فيها شقة فارهة في إسبانيا. وقد قبلت محكمة إكوادورية طلباً للنظر في الفضيحة، وحددت موعداً للاستماع إلى الأطراف المتورطين في الأول من نيسان/ أبريل المقبل، وعلى رأسهم الرئيس نفسه ومجموعة كبيرة من سياسيّي اليمين وأصحاب المصالح الكبرى.
انعكست أهمية هذه الانتخابات لطرفَي السياسة في الإكوادور، ومن وراءهما من الحلفاء الخارجيين، على عدد المرشحين الذي وصل إلى رقم قياسي تجاوز الـ80 ألفاً (مقابل أقلّ من 28 ألفاً في الدورة السابقة) يمثلون 121 تجمعاً وجهة حزبية، من بينها 23 ذات حضور واسع عبر البلاد، وهو أكبر عدد من التنظيمات السياسية في بلد واحد في كل أميركا الجنوبية. وقد دفع اليمين عدداً هائلاً من المرشحين على لوائحه لمقارعة مرشحي اليسار، لترتفع نسبتهم إلى 50% تقريباً من العدد الكلي، مقارنة بأقل من الثلث في دورة 2014.
مع ذلك، فإن اليمين بدا غير مطمئن كفاية، وهو ما دفع أطرافاً في «المجلس الانتخابي الوطني» (يسيطر عليه داعمو مورينو) إلى ارتكاب مخالفة دستورية فاضحة، عندما طرحوا قبل ثلاثة أيام فقط من موعد الاقتراع مشروعاً عاجلاً لنظام جديد في عدّ الأصوات الانتخابية المُلغاة لـ«مجلس المشاركة الشعبية والتحكم الاجتماعي» على أساس معادلة الصوت الملغى الواحد بثلاثة أصوات. وهو أمر يتعارض مبدئياً مع مادة صريحة في الدستور الإكوادوري (المادة 117 لعام 2008) تحرّم إجراء تعديلات على القانون الانتخابي خلال عام كامل قبل موعد الاقتراع، كذلك فإنه يعني أن اليمين، بكل صلافة، يريد خطف الانتخابات. إذ يمكنه أن يشير على أتباعه بإلقاء بطاقات بيضاء في الصناديق، وعندها تتضاعف قيمتها وفق المشروع المقترح، لتصبح متاحة لـ17% فقط من مجموع الناخبين، بتضاعف أصواتهم، القدرة على إلغاء مفاعيل الانتخابات الحالية، وفق القانون الذي ينص على إعادة الانتخابات مرة أخرى في حال تجاوز البطاقات البيضاء نسبة الـ51% من الأصوات، ومن دون أن يسمح للمرشحين بالتقدّم ثانية للانتخابات. إن أُقرّ هذا المشروع، فإن اليمين سيتخلّص بضربة واحدة من كتلة مهمة من رفاق الرئيس كوريّا المتمرسين في العمل البلدي والإقليمي، والذين يمتلكون حظوظاً قوية للتجديد في مناصبهم الحالية أو الفوز بمناصب إضافية.

مشروع تعديل قانون الانتخاب يتعارض مع مادة صريحة في الدستور


وقد انقسمت الآراء في «المجلس الانتخابي الوطني» حول مشروع القرار، لكن ممثلي اليمين نجحوا في تمريره إلى المحكمة الانتخابية العاجلة التي تمتلك الصلاحية حتى اللحظة الأخيرة (صباح غد) لتعديل القانون، وفق المصادر الحكومية. وأثار المشروع إدانات واسعة من أطراف سياسية متباينة ومرجعيات قانونية عدة في البلاد، إذ هاجمه الرئيس السابق من منفاه الاختياري في بلجيكا، باعتباره تعدّياً فظّاً على نص الدستور. وأصبح مدار جدل كثيف على مواقع التواصل الاجتماعي، ما دفع «المجلس الانتخابي الوطني» إلى إصدار بيان نفى فيه الشائعات حول اعتماد المشروع، مؤكداً أنه طُرح للمناقشة ومن ثم أُرسل إلى المحكمة الانتخابية العاجلة للبتّ فيه، وبغير قرار عاجل منها فإن الانتخابات الحالية ستجري وفق التعليمات الحالية، أي أن الصوت الواحد الملغى يُعدّ ورقة واحدة فقط.
إذاً، نهاية أسبوع عصيبة في الإكوادور تُقرَّر بحسب معطياتها اتجاهات البلاد، يميناً أو يساراً، ولعقد قادم، وستتابعها عواصم كثيرة عن كثب: واشنطن التي لا تريد تلقي ضربة ولو رمزية لتحالفها ضد فنزويلا، وبالطبع كاراكاس حيث انتصار أنصار كوريّا مكسب معنوي مهم في وجه الحصار، وأيضاً بكين القلقة على مصير استثماراتها المهمّة في البلاد، وبرازيليا حيث شعبية الرئيس اليميني جايير بولسونارو بدأت بالتهاوي، وسيمنح سقوط مورينو قضائياً أو انتخابياً له نذير شؤم، وأخيراً وليس آخراً بروكسل، حيث يقيم الرئيس السابق رافائيل كوريّا الذي لا يزال في نظر أغلبية الشعب الإكوادوري زعيمهم التاريخي وقائد ثورتهم المحبوب.