فوز دو إيغواسو | لم تصلح صفقة الرئيس البرازيلي السابق، ميشال تامر، لفترة طويلة. فالرجل، الذي كان يوصف داخل أروقة حزبه بالمحنك البارع، انقلب على حلفائه وأهدى السلطة لجلاديه الحاليين، مقابل غض النظر عن ثروته المتراكمة، ومنحه حصانة قضائية تقيه من المحاسبة، بعدما تكشفت عشرات قضايا الفساد والتلاعب في الميزانيات الحكومية، وتقاضي الرشى، وتجنيد بعض الأمنيين والقضاة لتضليل العدالة وإتلاف الوثائق والأدلة كما قال قاضي التحقيق (الذي أصدر أمر الاعتقال)، مرسيلو بريتاس، في ملف الاتهام. ملف ضم 46 صفحة وتناول عدداً من التهم، أبرزها: إدارة منظمة إجرامية، غسيل الأموال وتقاضي رشى بلغت ملياراً و800 مليون ريال برازيلي، ما يعادل نصف مليار دولار أميركي.

اعتقال ميشال تامر لم يكن أمر مفاجئاً. فالقضاء حاول مراراً استدعاءه إلى التحقيق ورفع الحصانة الرئاسية عنه. إلا أن التيارات السياسية المستفيدة من انقلاب تامر على «حزب العمال» وإبعاده عن السلطة أمّنت له الحماية البرلمانية، وأسقطت المطالبات القضائية، حيث كانت المرحلة السياسية تستدعي المزيد من الجهود لمواجهة «العماليين»، وسجن زعيمهم لويس إيناسيو لولا دا سيلفا. وعليه استمر الغزل قائماً بين اليمين البرازيلي وممثله المطيع ميشال تامر، الذي استطاع ربط تفاهم مع اليمين المتطرف قوامه تأييد المرحلة المقبلة مقابل الحماية.
لكن المفاجأة أتت في توقيت استثنائي أثار عدداً من المحاذير والشكوك. فـ«حزب العمال»، الذي ذاق مرارة الهزيمة على يد حليفه السابق، ترفّع عن الشماتة ودعا إلى الشفافية والوضوح في هذا الملف وإبعاده عن الاستثمار السياسي. لكن الموقف الأوضح جاء على لسان الرئيس الأسبق دا سيلفا، الذي أكد في تغريدة على «تويتر» أن اعتقال تامر هو محاولة لتحويل الأنظار عن الصفقات التي أبرمها الرئيس الحالي جايير بولسونارو مع الولايات المتحدة، والتي تفوق 2.5 مليار دولار، معتبراً أن تحقيق العدالة لا يتم عبر العمليات الاستعراضية.
مقاربة دا سيلفا لأمر اعتقال تامر بدت الأكثر واقعية، بحسب الخبراء البرازيليين، وخصوصاً أن هذا القرار جاء بعد أيام قليلة على عودة بولسونارو من واشنطن، التي يعتقد الخبراء أنها قد تكون هي من أعطى الضوء الأخضر لاعتقال حليفها السابق لحسابات داخلية تتعلق بحليفها الجديد، الذي يحتاج إلى صدمة تعيد ثقة البرازيليين، وخصوصاً بعد انخفاض نسبة التأييد 15 نقطة في شهر واحد، بحسب مركز «إيبوبي» الشهير. تفريط واشنطن بتامر الذي أسدى خدمة ثمينة للمصالح الأميركية الخارجية جاء أيضاً ليغطي على التنازلات والهبات التي قدمها بولسونارو إلى مثله الأعلى دونالد ترمب دون قيد أو شرط. فماذا حصل في كواليس واشنطن؟
يقول الباحث السياسي البرازيلي إيفان سيكاس، لـ«الأخبار»، إن نتائج زيارة بولسونارو لواشنطن كارثية على مستوى الاتفاقات، وعلى المستوى المعنوي للبرازيل، فمن غير المقبول أن يقوم رئيس يمثل الأمة البرازيلية بزيارة مركز الاستخبارات الأميركية «CIA» بخلاف كل الأعراف والبروتوكولات الرئاسية. وتوقع سيكاس أن تثمر هذه الاجتماعات التي حضرها وزير العدل البرازيلي، سيرجيو مورو، تشديداً للضغط على الجاليات الإسلامية في البلاد ووضعها تحت الرقابة، وخصوصاً أن جزءاً من المؤسسات الأمنية البرازيلية لديها ارتباطات تمويلية وتدريبية مع الولايات المتحدة.

يحتاج بولسونارو إلى صدمة تعيد ثقة البرازيليين به بعد انخفاض التأييد له


لم يكتف بولسونارو بتكثيف التنسيق الأمني وتشريع أبواب بلاده أمام أجهزة الاستخبارات الأميركية، بل وقّع على تسليم قاعدة «ألكنترا» لإطلاق الأقمار الصناعية إلى واشنطن. هذه القاعدة تعدّ من أكثر النقاط أهمية في العالم حسب أستاذ القانون الدولي فلافيو روشا، الذي يشدّد على أنها تشكل جزءاً لا يتجزأ من السيادة البرازيلية، ولهذا رفضت كل الحكومات السابقة تأجيرها لاعتبارات تتصل بأمن البلاد.
حول هذا الأمر، يؤكد سيكاس أن منح هذه القاعدة للولايات المتحدة أغضب قيادة الجيش البرازيلي التي بدأت تتململ من انبطاحية بولسونار، والتي ستؤثر على مصالح البرازيل وتشوه صورة الجيش الذي يعدّ شريكاً في الإدارة الحالية. ويقول سيكاس إنه على الرغم من العلاقة التاريخية بين الجيش البرازيلي وواشنطن، فإن نائب الرئيس، هاملتون موراو، يتعاطى مع هذه الملفات بحكمة وموضوعية، وقراءاته ومواقفه تشكل ضمانة أمام السلوكيات الخطيرة للتيار الأيديولوجي المتطرف، وخصوصاً في نظرته للملف الفنزويلي وملفات أخرى تتعلق بالأمن القومي البرازيلي. ويكشف الباحث البرازيلي لـ«الأخبار» عن استخدام المؤسسة العسكرية الفيتو في عدد من القضايا التي حاول بولسونارو إمرارها، أهمها منعه من منح قاعدة عسكرية للجيش الأميركي داخل منطقة رورايما المحاذية للحدود الفنزويلية.
يجمع الخبراء على أن البرازيل تدخل منعطفاً سياسياً وقضائياً خطيراً، وأن ممارسات مكافحة الفساد لم تعد تطمئن الرأي العام لارتباطها بالمصالح السياسية للتيارات الحاكمة، وأن الفترة الحالية تعدّ الأسوأ في استخدام القضاء والأمن لتصفية الحسابات، بعيداً عن روح القانون والقواعد الدستورية. فميشال تامر كان فاسداً منذ زمن، وعلى مرأى من كل السلطات، بل كانت التسجيلات الصوتية التي نشرت العام الفائت أكثر من دليل إدانة لمحاكمته. لكن رفع الغطاء عن الفاسدين يحتاج إلى توقيت سياسي لا يناسب الداخل بالضرورة، بل أصبح يراعي مشاريع الخارج وأطماعه الشاملة.