تحتلّ مسألة تقاسم السلطة السياسية والاقتصادية بين جماعات المصالح المدنية والعسكرية موقعاً مركزياً في الأزمة السياسية المستعرة في الجزائر حالياً. يتساءل المراقبون عن العوامل التي تفسّر انعدام قدرة النظام السياسي، المتحكّم بموارد الدولة النفطية، على احتواء تناقضاته الداخلية حفاظاً على توازناته. الفشل الذريع للفريق الحاكم في إيجاد حلّ دستوري ومؤسساتي ذي صدقية لعجز الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عن ممارسة مهماته، وعدم التوصل إلى تسوية بين أجنحته، يرتبطان أساساً، بحسب الباحث والاقتصادي الجزائري عبد اللطيف رباح، بـ«الخيارات المتمايزة إلى حدّ التناقض في ميدان التحالفات الدولية». يوضح الباحث أن «بعض الأوساط المتحلّقة حول علي حداد، رئيس منتدى أرباب العمل، باتت تنتمي إلى دائرة حلفاء الرئيس، مع ما يترتب على ذلك من امتيازات. وتمّ تهميش إيسعد ربراب ومجموعته (سيفيتال)، المهيمنة على الصناعات الغذائية. وتحالُف ربراب مع الرأسمال الفرنسي بشكل خاص، والأوروبي بشكل عام، معروف، بينما نسج حداد علاقات وثيقة مع الصينيين»، لافتاً إلى أن «تحكيم الرئاسة المنحاز إلى حداد هو في الحقيقة دعم للتوجه نحو العملاق الصيني».

يرى رباح أنه، على رغم توافق كل جماعات المصالح على اعتماد الخيار الليبرالي ورفع القيود المفروضة على الرساميل الأجنبية، إلا أن الخلفية الفعلية لخلافاتهم هي التنافس المتزايد بين القوى الكبرى، وتحديداً بين الصينيين والغربيين على الأسواق في أفريقيا. «إيسعد ربراب، من خلال مرشحه علي غديري، يسعى لأن يكون حجر زاوية المشروع الغربي، لاستعادة السيطرة النيوكولونيالية على إفريقيا، وأن تؤدي الجزائر دور رأس الجسر في إطاره، باعتبارها بوابة القارة التي تزخر بالثروات النفطية والمناجم والأراضي النادرة الخصوبة»، يضيف رباح.
الاقتصادي الجزائري، عمر بندرة، يتفق مع هذا التحليل عن التحولات التي طرأت على النظام الجزائري، الذي أصبح يتبنّى بشكل حاسم استراتيجية ليبرالية تهدف إلى «شرعنة» عملية السطو المؤسّساتية على الريع، التي تقوم بها جماعات المصالح في داخل السلطة، والمنسجمة مع أجندات أجنبية، لكن غايتها النهائية ــــ برأيه ــــ الربط التدريجي للجزائر بالفلك الجيوسياسي لمجموعة الدول السبع. «ستتحقق هذه الغاية عندما تتم خصخصة السوناطراك، شركة النفط الوطنية، وفتحها أمام الاستثمارات الأجنبية. هذا هدف معلن منذ عدة سنوات للقوانين التي أُصدِرَت حول النفط. سيتعزز في ذلك الحين التحالف الاستراتيجي بين النظام والغربيين».

علي غديري، مرشح إيسعد ربراب، يسعى لأن يكون حجر زاوية المشروع الغربي


الاقتصادي أحمد هني يرى، من جهته، أن الصراع بين التيارين يتمحور حول إشكالية إعادة التوزيع العامة لعائدات الريع. يحاول أحدهم تثبيت سيطرة «العائلة الثورية» مع عملية إعادة توزيع قليلة الكلفة، ويعارض بالتالي التراكم الفردي واللامحدود للثروة، بينما يعتزم الآخر رفع أي قيود عن هذا التراكم عبر إلغاء السيطرة السياسية للقيادة القديمة، التي ما زالت تتمسك بـ«الشرعية الثورية» ومَن سيليها، وإدخال تغيير جذري على عملية إعادة التوزيع. «بالنسبة إلى الهدف الأول، التيار الأخير المذكور حليف للمتظاهرين، لكنه يعارض هدفهم الثاني الخاص بإعادة توزيع الثروة. لذلك، هو يتردّد بين دعم الحركة الشعبية وبين قمعها. لقد رأينا في آخر شباط/ فبراير مشاركة مجموعة سيفيتال في الاعتراض على ولاية خامسة لبوتفليقة، وتعبير رئيسها عن تعاطفه مع المتظاهرين. من جهة أخرى، انقسم منتدى أرباب العمل إلى معسكرين: الأول يدعو إلى قمع أشد للمتظاهرين، والثاني يعرب عن تضامنه مع الشعب»، يضيف هني.
في خضم المواجهة بين جماعات المصالح، «وهي شبكات تضمّ جنرالات من الجيش والأمن السياسي ورجال الأعمال» كما يذكر عمر بندرة، لا تنطوي الحملة الانتخابية والتقاطعات السياسية بين تيارات إسلامية وليبرالية وعلمانية على أهمية كبيرة. هو يعتقد أن هذه التيارات تشكل بمجملها معارضة «كرتونية»، أي شبيهة بالرسوم المتحركة. «تقاطعهم وخلافاتهم شكلية، ونستطيع القول إنهم يندرجون جميعاً في التوجه الليبرالي الانفتاحي الذي يرعاه النظام». أما أحمد هني، الذي يميز بوضوح بين الفريق الحاكم الحالي والتيار الداعي إلى انفتاح من دون مقابل ومن دون إشراف الدولة، فيرى أن التغيير سيؤدي إلى الاستحواذ على الريع بلا أي تحكم جماعي من «العائلة الثورية». سيصبح هذا الاستحواذ أو السطو «خاضعاً للمصالح الفردية الأنانية والمتناقضة، وخطوة صغيرة نحو الحداثة الرأسمالية، لكنه سيؤدي إلى ردة كبيرة على مستوى إعادة التوزيع العامة للريع، التي سمحت ببناء المدارس والمستشفيات والمساكن الممولة من الخزينة العامة، وتأمين التيار الكهربائي لجميع أنحاء البلاد». ويجزم هني بأن «المطالبة بديموقراطية حقيقية من قِبَل المتظاهرين تهدف إلى إزاحة العائلة الثورية من موقع القرار. لكن حيلة التاريخ تتمثل في أن الدينامية الفردية في السياسة، كما في الاقتصاد، ستقود حتماً إلى إزالة الهيمنة الجماعية لقدامى المجاهدين، ولكنها في الوقت نفسه، ولسوء الحظ، ستزيل أسس إعادة التوزيع الجماعي للثروة».
ضعف المنظمات والأحزاب السياسية الحالية وتناقضاتها، لا يلغي إمكانية قيام سياسة بديلة في تقدير عمر بندرة. «التيار الوطني الذي بقي متمسّكاً بما مثّلته جبهة التحرير الوطني والبيان التأسيسي للثورة، الداعي إلى بناء جمهورية ديموقراطية واجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية، ما زال يتمتع بحضور قوي في المجتمع. لكن الدينامية السياسية للتيارات الاشتراكية، بجميع تلاوينها في الجزائر وفي بلدان أخرى، قد تراجعت كثيراً. الشيوعيون، بسبب دعمهم النقدي للنظام، ومساندة العديد منهم سياسة الاستئصال التي اعتمدها حيال الإسلاميين، تحوّلوا إلى مجموعات محدودة العدد بعدما كانوا الحزب الرئيسي للنخب، خاصة تلك الفرنكوفونية. التروتسكيون بفعل سياسة اختراق الأحزاب الأخرى التي اعتمدوها، فقدوا صدقيتهم. التيارات القومية العربية، باستثناء حزب جبهة التحرير، ضعيفة. أخيراً، الحالة الإسلامية التي ترفع الصوت أحياناً دفاعاً عن المستضعفين، يهيمن على مقارباتها نوع من الليبرالية التي تفترض أن المسألة الاجتماعية قابلة للمعالجة من خلال العمل الخيري، بدلاً من المعالجة السياسية الهادفة إلى الحدّ من الفوارق الطبقية». الانفتاح الديموقراطي الحقيقي وحده هو الكفيل، برأي بندرة، بإتاحة فرصة تحديد المواقع الفعلية للقوى السياسية، ومدى تجذرها الشعبي وقدرتها على الإسهام في التغيير المنشود.



بوتفليقة يحذّر من «الفتنة»
في رسالته الثانية من جنيف، حيث يمضي يومه الثالث عشر لتلقي العلاج، حذّر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، المتظاهرين ضد ترشحه لولاية خامسة، من «الفتنة» و«الفوضى». وجاء هذا التحذير عشية تظاهرة جديدة رافضة لبقاء بوتفليقة في الحكم، تنطلق غداً في اليوم العالمي للمرأة، وتستعد النساء للمشاركة فيها بقوة، ويُعتقد أنها ستكون الأكبر، ولا سيما أن الجمعة يوم عطلة أسبوعي.
الرسالة التي ذيّلها الرئيس بالتوجه إلى النساء لدعوتهن «إلى الحرص على صون الوطن عامة وأبنائه بالدرجة الأولى»، أتبعها مدير حملته للانتخابات، عبد الغني زعلان، بقوله إن وضع الرئيس الموجود في مستشفى في سويسرا منذ 24 شباط/ فبراير الماضي «لا يدعو للقلق»، رداً على تقارير تحدثت عن أن حياته باتت مهددة بشكل دائم.
وذكّر الرئيس الثمانيني، في رسالته أمس، بوجود «طوق من الأزمات والمآسي بفعل الإرهاب عند البعض من جيراننا»، ملمحاً إلى أن الأزمة التي وصفها بـ«الزوبعة» يفتعلها «الكثير من الحاقدين من خارج البلاد»، الذين «تحسروا على مرور الجزائر بسلام وأمان... عبر أمواج ما يسمى الربيع العربي».
(الأخبار)